لا يزال يتذكر أن أقرانه من مواليد العام ذاته، سبقوه عاماً دراسياً كاملاً، رغم أنه قد أكمل السن المناسب للانخراط في صفوف الدراسة، إلا أن جدته أصرت على تأجيل الموعد للعام التالي، لخوفها على حفيدها الأول.. أن يقفل على نفسه باب الحمام وحيداً، ويتسبب بأذاها دون أن يسعفه أحد.. رضخ الأب لرغبة والدته..
أما الأم فكانت تمارس الصمت أمام حب الجدة الذي أعمى بصيرتها » لا يا أمي هذا رأسمالنا ..الا المدرسة ملحوق عليها».
فضلت أن تُبقيه عاماً إضافياً في كنفها .. ترقب تحركاته حولها. دون أن يجرؤ أحد على تجاوز قرار الجدة في أي أمر يتعلق به... بقيت تتسامر وإياه، تمنحه الحب والحنان، وتغدق عليه بالدلال، ويبادلها هو الحب ويسعد بها حضناً محصّناً ضد غضب الوالدين..
مارست الجدة ذلك الدور مطولاً، بالحب ذاته والحنان إياه، منحته حرية تجاوز قرار الوالدين، والاستقلال بقرار مراهق لا يدرك ما ينتظره المستقبل، حتى أدار ظهره للجامعة يوماً ما.. ولم يدرك أنه يبخل على نفسه بفرصة مستقبلية أفضل.. وحتى بعد أن غادرت هي عالمه، بقي التخبط عنواناً لما هو مقبل.. فقد اعتاد أن يرضخ الآخرون لقراراته، وإن كان الوالدان.
حكاية تربية الأبناء، تبدأ في المهد، ولا تنتهي، حتى بعد بلوغهم تبقى عثرات الطفولة، وتوبيخ المراهقة وعقابها راسخاً، فتبعات التربية تلازم الأبناء حتى بعد أن يغادروا كنف العائلة، ويبدأون في تكوين العائلة المستقلة. تبقى جذور مما تلقاه الأبناء في طفولتهم راسخ وممتد في الذاكرة، فالحب الذي لا يكف عن التدليل، والخوف غير المبرر على الأبناء من جهة، والعقاب المبالغ به والحرمان بدافع الخوف من جهة أخرى، أسباب تضع التربية في مأزق، ولا بد أن تخلف خللاً في شخصية الأبناء.
يقول بعض المربوين، إن الطفل لا يربى بعد أن يُتم العاشرة، فعلى الأمهات لأن يلقنّ أبناءهن كل مبادئ التربية السليمة اجتماعياً ودينياً قبل ذلك، لأن تلك المرحلة تُشكل لبنة أساسية في تربية الطفل، ومرجعاً لكل تصرفاته فيما بعد.. لا سيما في المدرسة، حيث لا يصله حضن الأم ولا سوط الأب.
كم من مرة ضعفت، عندما رأته يضرب أبناءهما ويُعاقبهم مراراً لارتكابهم خطأ في حق أنفسهم أو الآخرين، ولا تنسى كم من دمعة ذرفت عندما عاقب ابنهما بحرمانه الخروج من المنزل عصراً عندما كاد أن يودي بحياته وهو يركب دراجته الهوائية أمام إحدى السيارات المسرعة، ولكنها رضخت معهم جميعاً للعقاب، واليوم أدركت أن »صياحه .. ولا صياحٍ عليه«... عندما أصبحوا شباباً بإمكانها أن تعتمد عليهم، لا يزالون يخشون غضب الأب، ويحظون باحترام الأم وحنانها.. فحتى بعد أن تركوا عش العائلة، ما زالوا يعودون إلى حضنها أبناء بررة.
في التربية بصورتها الحديثة، والتي يرجحها البعض، يبدو العقاب حدّاً لا يجوز الاقتراب منه، «عشان ما يتعقد الولد»، في حين يدعو البعض إلى التدرج في الحوار، وتبادل الثقة مع الأبناء بعيداً عن الأجواء المشحونة بالخوف والعقاب. تبدو تلك العلاقة مشحونةً بسيل من المشاعر المتناقضة، والانفعالات غير المبررة، والحب والخوف المبالغ بهما، ولكن بين هذا وذاك .. لا بد للشدة محل، فالمثل المحلي يقول »الحويّر ما تضره دوسة أمه»..
