مر أحد عشر عاما الآن على توصل العلماء لوضع خريطة كاملة للجين البشري، وهذا مكنهم أن يتفهموا بشكل أعمق أسباب الأمراض المختلفة، والتعرف أكثر على عنصر الفرادة في الإنسان، حيث إن الجينات تختلف من شخص لآخر.

تحتوي أجسامنا على ‬22 ألف جين، وللوهلة الأولى قد يبدو هذا العدد كبيراً، لكن إذا علمنا أن الدودة الخيطية لها تقريباً عدد الجينات نفسه، لبدا الرقم أمام أعيننا قليلاً جداً، إذ لا يتعدى طول تلك الدودة ملليمتراً واحداً، ولا يتجاوز عدد خلاياها ألف خلية فقط، أما الجسد البشري، بالمقارنة، فيحتوي على تريليونات من الخلايا ابتداء من خلايا الدم الحمراء البسيطة في تركيبها، وانتهاء بالخلايا العصبية المعقدة في الدماغ البشري.

وتتوفر المعلومات اللازمة لبناء الخلايا المختلفة داخل الجينات، وتكون عبارة عن أوامر وتعليمات لصناعة البروتين، والبروتينات هي الجزيئات التي تقوم بالمهام المختلفة في الخلية، لكن تنبؤات العلماء سابقاً لم تكن دقيقة، حيث تنبأوا أن أعداد الجينات في جسم الإنسان من المفروض أن تبلغ ‬100 ألف جين، لكن الواقع يشير إلى أقل من هذا العدد بكثير.

إذن، كيف يمكن للحمض النووي، الاستعانة بـ‬22 ألف جين فقط، أن ينتج خلايا معقدة التركيب في الجسم البشري؟ يوضح الدكتور «بنيامين بلينكاو»، من جامعة تورنتو الكندية، السبب في هذا بالقول إن ذلك يعود إلى أن معظم الجينات تقوم بتخزين تعليمات صناعة أكثر من بروتين.

قد يكون كلام الدكتور بلينكاو دقيقاً، لأن معظم الجينات تحتوي على أجزاء يمكن أن تتحد بأشكال مختلفة، مثل من يقوم باختيار مقاطع من فيلم سينمائي معين، ويدمجها مع بعضها بطريقة ما، لتحقيق هدف ما، مثل الشرح عليها أو عمل دعاية للفيلم، أو خلافه، وبهذا تعمد الخلايا إلى ما يشبه القص واللصق في الكمبيوتر، حيث أنها تقوم بترتيب المعلومات الجينية ضمن نسق معين لإنتاج أشكال مختلفة من البروتينات، وهذه تحدث في المرحلة، التي تقرأ فيها الخلية تسلسل الحمض النووي «دي أن أيه»، وتحوله إلى حمض نووي ريبوزي «آر أن أيه»، ومن ثم تقوم الخلية، بناء على ذلك، بإنتاج بروتين بصفة معينة، وهذه العملية الانتقائية لتسلسلات الحمض النووي من جانب الخلايا تؤدي إلى إنتاج عدد هائل من البروتينات المختلفة.

وحتى الآن، تم تسجيل أكثر من ‬4 آلاف جين براءات حقوق لشركات مختلفة، وتستحوذ شركة خاصة واحدة تدعى «إنسايت» على ‬10 من مجموع تلك البراءات، لكن هل يعقل أن يكون للجينات براءات اختراع، وهي في الحقيقة لم تُخترع؟ يجيب عن هذا التساؤل عالم الأحياء السير «جون سلستون»، من معهد العلوم والأخلاقيات والابتكار التابع لجامعة مانشستر البريطانية والحائز جائزة نوبل، بالقول إن ذلك غير مقبول، نظراً لأن الجينات اكتشافات، وليست اختراعات، وهي مواد طبيعية، وليست من صنع الإنسان.

وفي مارس الماضي، وافق القاضي الأميركي «روبرت سويت» على نزع حقوق براءات اختراع لجينين عن شركة «ميرياد جينتكس»، والجينان يدعيان «بي آ رسي ‬1» و «بي آر سي‬2 »، وهما مرتبطان بسرطانات الثدي والمبيض، وأعلنت الشركة أنها لن تستسلم، وستستأنف الحكم، في إشارة إلى أن القانون لا يزال غير واضح تجاه مسألة تسجيل براءات اكتشاف الجينات المختلفة.

القضية ضد «ميرياد جينتكس» رفعتها أمام المحاكم نقابة الحريات المدنية الأميركية، حيث أوضحت النقابة على لسان محاميها أن الموافقة على تسجيل براءات اكتشاف الجينات وحفظها كحقوق لشركات معينة ستؤدي إلى الاحتكار السوقي لأي أمر يتعلق بها، أي أنه إذا أرادت امرأة أن تجري فحوص الحمض النووي للتأكد من خلوها من سرطان المبيض، فإن عليها أن تدفع مبلغ ‬2000 دولار للحصول على طقم أدوات مرخص من جانب شركة «ميرياد»، وهذا ما لا تقبله الأعراف الإنسانية.