كان جمهور مهرجان أيام الشارقة المسرحية في دورته الـ ‬21 على موعد مساء أول من أمس مع العرض المسرحي الثاني، الذي قدمته فرقة مسرح دبا الحصن تحت عنوان ( عار الوقار) على خشبة مسرح معهد الشارقة للفنون المسرحية، تأليف وإخراج وتمثيل الفنان الإماراتي عبد الله زيد، الذي لعب دور البطولة فيها إلى جانب الممثل الصغير أحمد الجرن، الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره بعد، وفاجأ بأدائه الحضور وأدهشهم عندما جسّد دوراً للمرة الأولى.

(عار الوقار) مسرحية اقرب إلى المونودراما، وتعتمد على هذين الممثلين فقط، حيث يلعب زيد دور الجد والجرن دور الحفيد في عرض مسرحي يحاول الغوص مجددا في موضوع لطالما تم التطرق إليه في الدراما الإماراتية وهو موضوع الشعور بالاغتراب على أرض الوطن الواحد بين أجيال ثلاثة متعاقبة يمثل كل منها مرحلة تختلف جذريا عن غيرها من المراحل، التي مر بها المجتمع الإمارتي، والتي تتجسد في (عار الوقار) بمرحلة ما قبل ظهور النفط في البلاد، حين كان يعتمد الناس في كسب قوتهم اليومي، على ما يقدم لهم البحر الملاصق لمدنهم وقراهم من خيرات، ومرحلة الرخاء الاقتصادي ورغد العيش التي أعقبت ظهور (الذهب الأسود)، أما المرحلة الأخيرة، فهي مرحلة الجيل الحالي من الشباب، الذي وجد نفسه عالقاً بين مرحلتين.

يفتح ستار( عار الوقار) على عالم يغص بالسيميائية أو العلامات، عالم يستمد مفرداته من البيئة المحلية بكل ما فيها من دلالات، خدمت الفكرة المحورية للمسرحية المتمثلة في ضرورة جسر الهوة بين تلك الأجيال الثلاثة، حيث يفتح المتفرج عينيه على (حوش) بيت عربي قديم، يعيش فيه الجد متروكا من قبل إبنه الذي ينتمي إلى جيل المرحلة الثانية، ووجد نفسه غارقا في عالم التجارة والأعمال، بحيث لم يعد لديه الوقت الكافي لرعاية والده المسن والمقعد، بعد أن خذلته السنون وسلبه البحر يده وبات مشلولا غير قادر حتى على الوقوف وخدمة نفسه وكل ما لديه هو خادم بنغالي كان يساعده على قضاء حاجياته قبل أن يغادر لزيارة بلده.

في صباح أحد الأيام الروتينية، يستيقظ الجد من نومه ويبدأ مسيرته اليومية المضنية في البحث عن أشيائه، وقضاء حاجياته دون مساعدة الخادم البنغالي، فيدخل عليه حفيد مبارك بلباسه المدرسة الحديث المتأنق، في دلالة على رغد العيش في المرحلة الثالثة، وهنا يبدأ الحوار بين الجد والحفيد أو بين الجيل الأول والجيل الثالث في ظل غياب تام ومطلق ومقصود ومفيد لأبي مبارك وابن الرجل العجوز وممثل الجيل الثاني.. حوار باللهجة الإماراتية يختزل تاريخ وطن وشعب، ليس من الناحية التاريخية فحسب وإنما من الناحيتين الروحية والشعورية أيضا، حيث يستعرض كل من طرفي الحوار واقع كل منهما وطموحاتهما وأوجاعهما وأفراحهما بطريقة خدمت ما أراد المؤلف والمخرج طرحه من أفكار.

 

بساطة الديكور والسينوغرافيا

لكن ما كان لذلك الحوار أن يكمل بعده الدرامية، بعيداً عن عناصر السردية البصرية الأخرى في العملية الإخراجية، التي اعتمدت على ديكور وسينوغرافيا يميلان إلى البساطة انسجاماً مع بساطة الطرح وعمق دلالاته المجتمعية، فبيت الجد ، الذي يتناهى منه صوت موج البحر، مشيد من الطين وسعف النخيل وحوشه يغص بشكل لافت بكل متعلقات بيئة تعكس حياة الصيادين من براجيل ومجاديف خشبية قديمة وشباك وأدوات صيد وكذلك جهاز فونوغراف قديم، أي أن المخرج يحاول توظيف كل ما تمكن من الوصول إليه من مفردات الحياة اليومية في خدمة طرحه، الذي وصل بقوة إلى جمهور بدا شغوفاً بمواضع مسرحية من هذا النوع، رغم أنه شاهدها مرارا وتكرارا.

يتحاوران، يتسامران، يرويان القصص لبعضهما بعضا، يتشاجران، يمران بأزمات، يتعانقان بدفئ، يهتم الحفيد باحتياجات جده يغطيه، يدثره، يدعوه الجد إلى عناقه، يلبي الحفيد، تسكن حركات الجد، لا يعرف إن كان قد فارق الحياة في حضن حفيده أم لا ، ينام الحفيد بينما يد تقرع باب الدار الحديدي بقوة ويسدل الستار، وتشرع الأسئلة، التي أثارها العرض أجنحتها، لا إجابات محسومة، الفضاء كله مفتوح على مزيد من الأسئلة، تلك هي قيمة العمل الأولى.

الندوة التطبيقية

أعقب العرض ندوة تطبيقية أدارها الدكتور شايع الشايع وقدم خلالها بطلي (عار الوقار)، منوها إلى أن المسرح الإماراتي يستقبل اليوم موهبة تمثيلية جديدة، اكتشفها الفنان عبد الله زيد، عندما أوكل دور الحفيد للفتى أحمد الجرن، الذي أجمعت المداخلات على الإشادة بأدائه، الذي يشي بحالة راقية من الاشتغال على الممثل مقيد الحركة في حالة الجد. كما نوهت بعض تلك المداخلات إلى نجاح العمل من الناحية الدرامية، ولناحية تمكنه من تحقيق التواصل المنشود بين الخشبة والقاعة، وامتلاك ذهن الجمهور وخلق الجسر التفاعلي بين طرفي المعادلة المسرحية.

بعض المداخلات نوهت إلى أن الاهتمام بالماضي أمر مهم، لكن الأهم هو استشراف المستقبل بعيداً عن الانغلاق على الداخل ، لا سيما فيما يتعلق بايجاد حلول قادرة على جسر الهوة بين الأجيال، ولا سيما وان العلاقة بين الجد والحفيد تقصي في جوهرها الجيل الراهن وتدينه لأنه كان سببا في حالة الانغلاق تلك، مع التأكيد على أن خلفان ابن الجد وأبو الحفيد كان متواريا في المسرحية ولم يسمع رأيه بهذا الخصوص، وبالتالي فإن تلك الإدانة ربما تكون غير عادلة، لا بل إن صاحب تلك المداخلة رأى ان العرض ينطوي على نوع من المبالغة في الانفعالية إزاء الماضي، وأنه ليس هناك مناظرة بين مستويات العمل الثلاثة.

وأعرب عبد الله زيد في نهاية الندوة عن تقديره لكل المداخلات والملاحظات التي طرحت، معتبرا أنها تشكل رافدا للمسرح، وقال:( أنا تلميذ مهرجان ايام الشارقة المسرحية وما زلت أتعلم، أنا ابن الإمارات وأحد الفنانين الذين صنعهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي).

 

الملتقى الفكري

استهل الملتقى الفكري المصاحب للدورة الحادية والعشرين لأيام الشارقة المسرحية فعالياته صباح أمس في فندق هوليداي انترناشيونال بالشارقة، تحت عنوان ( المسرح العربي بين عقدين)، ويناقش على مدار يومين واقع فن الفرجة في البلدان العربي وآفاقه المستقبلية في ظل متغيرات اجتماعية وسياسية يبدو أنها باتت تفرض نفسها على كل مناحي الحياة فيها، وجاءت الجلسة الأولى تحت عنوان( رؤى واتجاهات نظرية جديدة في المسرح العربي)، بمشاركة كوكبة من النقاد والمسرحيين العرب المشاركين في الأيام، وأدار هذه الجلسة المخرج المسرحي التونسي المنصف السويسي وتم فيها تقديم أوراق عمل لكل من د. خالد أمين (المنعطف الفرجوي في المسرح العربي المعاصر وأسئلة ما بعد الدراما) ، وجمال عياد ( رؤى واتجاهات نظرية جديدة في المسرح الأردني) ود. فوزية المزي ( المشهد المسرحي التونسي : مدلولات التجاذب بين السياسي والجمالي ).

أما الجلسة الثانية الجلسة الثانية فترأسها يسرى حسان وشارك فيها كل من د. نوال بنبراهيم في ورقة عمل بعنوان (الإبداع المسرحي العربي المعاصر بين واقع الممارسة وأفق الانتظار )، والدكتور السيع حسن أحمد بورقة ( جدل الوافد والموروث.. المسرح السوداني إنموذجاً ) وعزة القصابي بورقة (ثلاثة محاور في تأصيل المسرح العماني )، أما الورقة الأخيرة في هذه الجلسة فجاءت تحت عنوان المسرح العربي في الإنترنت بين الواقع والمستقبل وقدمها سباعي السيد.