استهلت مسرحية (الحجر الأسود)، التي عرضت مساء أول من أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة في الشارقة فعاليات مهرجان أيام الشارقة المسرحية في دورتها الـ21. والمسرحية من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وإخراج وسينوغرافيا المخرج التونسي المنصف السويسي وانتاج فرقة مسرح الشارقة الوطني، ومنذ عرضها الافتتاحي، وتبلور المشاهد الأولى في أذهان الجمهور، راحت تتكشف ملامح الطرح النظري أو فكرة العرض الأساسية، التي تعتمد تقنية استحضار عنصر تاريخي، ثم توظيفه للاضاءة على واقع حالي معاش بغية التثقيف والتعليم والارشاد، والتي تتعلق في هذه الحالة بتاريخ الصراع بين العباسيين والقرامطة.
لكن بدا واضحاً أيضا أن السويسي اعتمد في رؤيته الاخراجة لهذا العمل على عنصر المجاميع والكتل الضخمة، التي ملأت جنبات العرض على كامل مساحته الزمانية والمكانية التي امتدت قرابة الساعة وربع الساعة، وربما هذا هو السبب الكامن وراء غياب بروز الممثل أو الشخصيات في أداء أفقي بامتياز، ذلك أن أداء الممثلين سار بوتيرة واحدة مستقيمة خالية من التضاريس، وما تتمتع به من تنوع في عناصر السرد البصري.
لذلك يمكن القول إن الأداء على خشبة المسرح لم يخدم رؤية المخرج للعمل المسرحي، وبالتالي فإنه لم يخدم كذلك النص المسرحي نفسه، الذي كتب على شكل مشاهد منفصلة إلى حد ما، وهو ما وجد بدوره انعكاساته على خشبة المسرح، حيث بدت مشاهد العرض شبه منفصلة في تسلسلها الدرامي، وفي المحاور الرئيسية للحبكة التي يقوم عليها العمل، ما يشي ربما بشيء من الاستسهال والتسرع في البحث عن حلول درامية لحالة راقية من السرد البصري، سيطرت على العمل، وحالت دون بروز تلك الجوانب الدرامية الممكنة والضرورية. كما طغت السينوغرافيا والديكور والإضاءة وغيرها من العناصر الفنية التقنية على العرض، فبرزت الأزياء والستائر بمتتالياتها وطيفها اللوني الواسع على حساب الممثل وأدائه الذي اعتمد الأسلوب الواقعي بامتياز، لا بل إنه أوغل في الواقعية على مستوى الوفاء للنص الأصلي، حيث يبدو تدخل الرؤية الاخراجية طفيفا من بداية العرض حتى نهايته.
في تعليقه على العرض، قال المسرحي السوداني الرشيد أحمد عيسى: (إن (الحجر الأسود) عمل مسرحي ليس كلاسيكيا أرسطياً له بداية ووسط ونهاية، كما إنه ليس ملحمياً يلتحم فيه الممثل مع المتفرج، إنه عبارة عن مشاهد لا يجمع بينها وحدة عضوية،حيث ظل يتراوح العرض بين الملحمية والأرسطية معتمدا إلى حد كبير على فن السرد البصري، الذي يعتبر السويسي أستاذا فيه، ما أفقد العمل حساسية درامية مطلوبة تتعلق بالعلاقة بين الممثل والمتفرج، التي بدت باهتة إلى حد ما، وهنا يلاحظ أن المخرج حاول تجاوز هذه العقبة من خلال الاكثار من مشاهد دخول وخروج الممثلين إلى قاعة المسرح، والاختلاط بالجمهور محاولا بذلك كسر المفهوم الأرسطي الكلاسيكي لصالح الملحمي، لكنه لم يفلح في مسعاه ولم يصل إلى غايته المرجوة، وبقيت المسافة الفاصلة بين الممثل والمتلقي على حالها مبعدة صفة الملحمية عن العرض.
