تبدو مسيرة المسرح في الإمارات تسير بعكس الاتجاه السائد له في مختلف أنحاء العالم العربي؛ ففي العام 2009 عاشت الإمارات ذروة حالتها المسرحية التي لم تعشها من قبل بأربعة مهرجانات مسرحية صارت تشكل بقع ضوء مترامية الأطراف في سماء الإبداع، ولعل الجهود المبذولة من قبل الجهات الرسمية المحلية كدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة أو هيئة المسرح العربي أو جمعية المسرحيين أو وزارة الثقافة أو عبر الفرق المسرحية الخاصة التي تقدم كل عام عروضا تتناسب ومهرجانات الدولة، كل تلك الجهود صارت تؤسس لمشهد مسرحي خاص يحمل بصمة الإمارات، ولا نغالي إن قلنا إن الإمارات اليوم تتربع على عرش المسرح الخليجي، وتمضي باتجاهات مفتوحة لتقديم أفضل الحالات المسرحية بعد أن صارت سفيرة للمسرح الجاد في معظم أنحاء مهرجانات العالم العربي.
وفي العام 2009 وبمناسبة الذكرى الستين لنكبة فلسطين كتب صاحب السمو الشيخ الدكتور، سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، نصا مسرحيا في افتتاح أيام الشارقة المسرحية، من إخراج الفنان المصري أحمد عبد الحليم، وهو باكورة إنتاج الهيئة العربية للمسرح، عرض فيه رؤيا مستقبلية لحال الصراع العربي الإسرائيلي، إذ تؤكد المسرحية أحقية الفلسطينيين في أرضهم وبلادهم تاريخياً وعبر ما خالط شخصية شمشون من أساطير وحكايات وقصص ترددت في كتب اليهود وذاعت في القصص والأفلام حتى الأزمنة الحديثة.
وكشف القاسمي في هذا العرض المسرحي الذي حقق حضورا فكريا لافتا في المشهد المسرحي العربي عن الحقائق التاريخية ودحض تزييف التاريخ، معالجا الشخصية الأسطورية، حيث تنكشف الحقائق وتظهر النوايا التي أراد من خلالها العدو أن يكسب الحرب النفسية ضد العرب، إذ جسد البطولة الخارقة في شخصية شمشون لتمثل العدو مقابل العربي الفلسطيني.
وقد ورد في الكثير من الدراسات حول الأساطير والخرافات القديمة الحديث عن البطل الخارق والشجاع أمثال عنترة العربي وهرقل والنمرود والاسكندر، وتمت مقارنة شمشون ببعضهم، إلا أن المقاربة الأكثر واقعية هي أن خرافة شمشون ليست إلا انعكاساً لشعور العدو حيال العرب والفلسطينيين الذي تجسد من خلال قوة خارقة أسبغوها على بطل يواجهون به الفلسطينيين.
ولعل نجاح إنتاج هذا العمل وتقديمه قد أسس لمرحلة مسرحية جديدة في الإنتاجات المسرحية العربي من خلال الهيئة العربية للمسرح التي مهدت لإطلاق الحلم المسرحي العربي الذي سعى إليه الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ونجاح الهيئة كواحدة من أضخم المؤسسات المسرحية العربية جعل العرب يقبلون عليها وعلى مشاريعها ومهرجاناتها المتنقلة كل عام في بلد عربي، وتدين الهيئة للعام 2009 بالانطلاق وبداية النجاح وشرارة المستقبل بالتوهج والتميز من خلال مهرجاناتها أو إصداراتها المسرحية والإعلامية، أو عبر تأسيس شراكات مفتوحة مع العالم العربي من خلال 19 مقرا موجودا في معظم الدول العربية.
ولمع نجم أيام الشارقة المسرحية التي تديرها دائرة الثقافة والإعلام وتقدم من خلالها خيارات مسرحية إبداعية مهمة مكرسة التميز ودورها كصانع للنجوم في المشهد المسرحي الإماراتي والخليجي ومعبرة عن الحضور المتألق للمسرح المحلي. ولعل الجانب الاحترافي في هذا المشهد لن يكون لوحده على الساحة بعد بروز عدد من المهرجانات المسرحية الأخرى مثل مهرجان دبي لمسرح الشباب، فقد أكدت الدورة الثالثة في هذا المهرجان أن هناك من ينتظر انطلاقة المهرجان، وتأكيد حضوره في المشهد المسرحي الوطني، وبتزايد عدد العروض المسرحية جعل من الدورة الثالثة في العام 2009 تحقق حضورا فاعلا وتقدم للمشهد نجوما من الشباب سرعان ما تلقفتهم الساحة الفنية في المسرح والتلفزيون وأيضا العام 2009 كرس من نجومية هذا المهرجان، وقاده لتثبيت نفسه على الساحة كأحد المعالم المسرحية الخاصة في الإمارات وبوابة العبور صوب الاحتفالية الاحترافية أيام الشارقة المسرحية.
وبمهرجان مسرح الطفل يكتمل عقد المهرجان المسرحية في الإمارات وهو مهرجان سنوي تشرف عليه جمعية المسرحيين ويقدم للأطفال في عطلتهم الانتصافية كل عام، وهو يشهد إقبالا متزايدا عاما بعد عام ويتم فيه تشجيع الفرق المسرحية بتوزيع الجوائز عليهم، وشهدت دورة العام 2009 إقبالا جماهيريا مفتوحا على مسرح قصر الثقافة الذي ازدحم بالكثير من الأطفال كانوا يقبلون يوميا لمتابعة فعالياتهم المختلفة. ومع نهاية العام 2009 قدمت الفجيرة مهرجانها الدولي الذي يتعلق بالممثل الواحد أو فن المونودراما الذي اشتهرت فيه وكانت الدورة الرابعة في العام تعبيرا عن تكامل الحالة المسرحية في الإمارات لمهرجان احترافي استطاع أن يلفت إليه أنظار أهم الفنانين المحترفين ومديري المهرجانات في العالم.
