تساءل الدكتور موسى الحالول، الأستاذ المساعد في جامعة الطائف في السعودية،عن الذي يجعل مترجما يرتضي لنفسه أن يكون كاتبا من الدرجة الثانية لإبداعات كاتب آخر؟ فهل هو الحافز الجمالي أم المعنوي أم الثقافي؟ وأجاب الحالول عن بعض تساؤلاته تلك، خلال محاضرته التي ألقاها في المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، بعنوان «مآرب المترجم المقنع بين التأليف والتزييف»، مساء أول من أمس، في مقر المركز في أبوظبي.
واستشهد الحالول بقول لـ شليغل: «إن هناك رابطة روحية بين المترجم والعمل الذي يترجمه». وأضاف: «هذا يعني أن المترجم يجب أن يحب العمل الذي يود ترجمته. لكن قد لا يختار المترجم ترجمته، بل قد يعرض عليه، وفي كل الأحوال هو من يقرر إذا كان يجد في نفسه الرغبة في ترجمة هذا العمل أو لا». وتابع الحالول: «إن الترجمة جسر حضاري عابر للقارات، يتيح التلاقح مع الآداب العالمية، كما أنها وسيلة للتواصل الفكري والحوار الثقافي بين الأمم».
إشكالية رواية «عزازيل»
وأشار الحالول إلى مثال حي في هذا الصدد، وهو رواية عزازيل ليوسف زيدان التي صدرت في العام 2008، وحصلت على البوكر، قائلا: «أثارت الرواية لغطا لم ينته بعد، ولاسيما في الأوساط القبطية في مصر وخارجها، وأول ما نطالعه هو مقدمة المترجم بتاريخ 4 إبريل 2004، حيث يقول فيها: (يضم هذا الكتاب الذي أوصيت أن ينشر بعد وفاتي، ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية الحافلة، الواقعة إلى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية.. وصلتنا هذه اللفائف بما عليها من كتابات سريانية قديمة (آرامية) في حالة جيدة، نادرا ما نجد مثيلا لها، مع أنها كتبت في النصف الأول من القرن الخامس الهجري). ومن ثم يعطي زيدان وصفا مفصلا عن الراهب الذي كتبها، وهو مصري يدعى(هيبا) وعن جودة الرقائق، والحبر، ونوع الخط والصندوق الذي وضعت فيه، والحواشي، كما يقول المترجم إنه بقي سبع سنوات في نقل النصوص».
وتابع الحالول، في السياق نفسه: «يبدو أن زيدان وكأنه يدعونا لنزع آخر قناع عن وجه (مترجمه) ويقدمه على أنه شخصية من نسج الخيال، فرغم كل التفصيلات شبه الواقعية التي يوردها المترجم عن منهجه، إلا أن مترجم مدونات هيبا كان يترك بعض الثغرات المتعمدة التي تدل على أن ما قاله في مقدمة المترجم ليست إلا حيلة روائية، لا تنطلي إلا على القراء السذج، لذلك علينا أن نعيد النظر في هذه الثغرات والإشارات لنستشف من خلالها وجهة نظر النص، وبالتالي تصبح مقدمة المترجم جزءا لا يتجزأ من نسيج الرواية، من هذه الثغرات المتعمدة، الإشارة الأولى أن الراهب ينتمي إلى القرن الخامس الهجري، وليس للقرن الحادي عشر الميلادي، رغم أنه نصراني، وكأن مرجعية الراهب، التاريخ الإسلامي وليس المسيحي، كما أن المترجم ينسب الراهب للمذهب النسطوري، وهو أقرب المذاهب المسيحية للإسلام في تصوره لطبيعة السيد المسيح، عليه السلام».
وأضاف المحاضر:« أما الإشارة الثانية فتكمن في اقتباس آخر ما ينسب لهذا الراهب العربي ذي المرجعية الإسلامية: (سوف أعيد دفن هذا الكنز)، فإن أوان ظهوره لم يأت بعد). وأما المترجم العربي المسلم الذي رفض ذكر اسمه فيرى أن الأوان قد حان الآن، وكان قد أوصى بأن تنشر ترجمته بعد مماته، وبما أن الرواية نشرت في العام 2008 فعلينا أن نفترض أن مترجمها مات فعلا، حيث قال في مقدمته أن زمانه قد آل إلى خط الزوال». كما نوه الحلول في محاضرته إلى أن الرمز الأكبر في (مقدمة المترجم) هو الصندوق الخشبي، الذي وجدت فيه الرقوق، وهو محكم الإغلاق، بينما جاء في الرواية أنه مستودع لما دونه الراهب هيبا. وخلص المحاضر إلى القول :« إن الوصول إلى الحقائق المطموسة، لا يتطلب سوى فتح الصندوق واستخراج ما فيه من حقائق تاريخية جلية يود الكثير من أتباع الكنيسة القبطية أن تظل طي الكتمان، ربما لهذا أراد يوسف زيدان أن يوهم القارئ، بأن دوره المتواضع لا يعدو كونه مترجما ينقل ما عثر عليه في أرشيف الكنيسة القبطية.
التحرر من النص
أكد الحالول، الذي ترجم مجموعة من الكتب، منها :«خفايا ما بعد الحداثة»، اكد حول تقنيات الترجمة، انه بمقدوره الجزم بأن من أقوى الدوافع التي تجعل المترجم يتصرف بالعمل الأصلي، هو اكتشاف المترجم أن العمل الذي بين يديه لا يتطابق تماما مع أهوائه. وأضاف:« ولذلك يتحرر المترجم من عقدة العبودية للأصل، وهو ما يجعل الترجمة فعلا إبداعيا بحد ذاته. مستشهدا بنموذج ترجمة تمثل برهانا بينا على قلة الأمانة في الترجمة، وهي ترجمة فتسجرلد لرباعيات الخيام. وهو ما أدى إلى عدم رواجها حينما نشرت.
