أكد الدكتور جابر عصفور بأن قبوله لمنصب وزير الثقافة، في آخر حكومة في عهد الرئيس المتنحي حسني مبارك، جاء ببساطة كما قال: عندما استفتيت قلبي، وأضاف في حديثه لوسائل الإعلام عقب انتهاء محاضرته «تحديات الناقد الأدبي المعاصر» والتي ألقاها مساء أول من أمس في المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة. أن المثقف الذي يخون قضيته في الاسهام بتقدم مجتمعه يستحق المحاكمة.

أضاف: قبلت الوزارة التي كانت في بداية الثورة، لشروط هامة، وهي إنقاذ متاحف وزارة الثقافة، كونها ثروة البلد، والتي حماها فيما بعد شبان الثورة المصرية، ولما وجدت أنه لا فائدة من وجودي قدمت استقالتي هكذا ببساطة، دون مبالاة بمدح المداحين، أو قدح القداحين. وفسر ردا على أن العملية لم تتجاوز الايام العشرة بين قبوله المنصب والاستقالة منه قائلا: أنا كان رأيي أن تكون حكومة ائتلاف وطني، ولما شغلت منصب وزارة الثقافة، رأيت أنهم منحصرون بأنهم وزارة الحزب الوطني، وأنا لا أحب ولا احترم هذا الحزب الوطني، وأرى أنه مسؤول عن كوارث كثيرة في مصر، وكان مستحيلا أن أبقى في تشكيلة وزارة، وصف بعض وزرائها الجيل الثوري الجميل بـ (البلطجية) .

وقال عصفور: أظن لو عادت إلي مرة أخرى الفرصة لن أقبلها، لقد سئمت العمل الإداري والوزارة، ورد حول إمكانية أن يكون وزيرا في الحكومة الجديدة بقوله لكل حادث حديث، فأنا وصلت إلى عمر أحلم فيه أن أتفرغ للكتب التي أتمنى أن أنتهي منها.

قضايا ثقافية

حول ضرورة وجود وزارة ثقافة في الفترة المقبلة ، أو هل يمكن الاستغناء عنها كوزارة الإعلام قال عصفور: الثقافة ليست كالإعلام، وفي الأخيرة ممكن أن نتبع الطريقة الموجودة في انجلترا، المسألة وزارة الإعلام موجودة في الدول الاشتراكية القديمة، وفي بلداننا ضرورية أيضا، لكن الثقافة تحتاج لوزارة في دولنا لتتحدى وجود الأمية والتعصب الديني، وتحد من مخاطر فقدان الهوية فهي مهمة وزارة الثقافة، بإعاداتها وكأنها تضبط إيقاع الثقافة عند الناس هذه مهمة أساسية، وكل أوروبا بلا استثناء لديها وزارات ثقافة سواء أوروبا الشرقية أو الغربية، فهي ليست بدعة وهي ضرورية جدا، ونحن في بلداننا بأمس الحاجة إلى وزراء الثقافة من سيرعى الأدباء الشبان، والذي يخفض من أسعار الكتب ويقدم لها الدعم الكافي، إلا عن طريق المشروعات الثقافية الكبيرة، هذه أشياء لا يقبل عليها الناشرون في القطاع الخاص. وأضاف: كل وزارة في وزارات الحكومة لها علاقة بالشأن الثقافي مثل وزارة التعليم، ووزارة التربية، بل كل وزارة لها علاقة بالشأن الثقافي من قريب أو بعيد، ومن جهة أخرى الثقافة لها علاقة بالمجتمع المدني ابتداء من الأحزاب وانتهاء بالمؤسسات الثقافية. ولهذا على وزارة الثقافة أن تحقق العلاقة المتوازنة بهذه الأطراف.

وعن رأيه بـ محمد الصاوي كوزير للثقافة المصري شدد عصفور: أفضل أن لا أعلق عليه لا بالسلب ولا بالإيجاب.

وعن الثقة المفقودة بين الجمهور والمثقف قال: دور المثقف لا ينحصر بالثقة بينه وبين الجماهير، والدولة التي تمتلك تراثا طويلا من القهر والاستبداد يصل إلى أكثر من ثلاثين سنة، وهو ما يحتاج إلى وقت والنظام القائم أن يستعيد ثقة الناس، وهي مرتبطة بالأنظمة، وبمحاكمة بعض المثقفين، فمهمة الثقافة الإسهام في تقدم المجتمعات وأي مثقف يخون هذه القضية يستحق المحاكمة وليس بالضرورة أن تكون المحكمة إنما محاكمة الناس وتجاهلهم لأعماله.

وحول ما إذا كان التخوف من التيار الإسلامي ما زال قائما؟ أشار عصفور: أظن أنه عندما تجري انتخابات ديمقراطية، لن يسيطر هذا الخوف، فالخوف للأسف كان من قبل السلطة التي تستخدم الاخوان المسلمين كفزاعة، ولكن لن يكونوا أغلبية إنما كان النظام السابق يريد أن يوهمنا بهذا.

وعن رأيه بما وصف بالمثقف قبل الثورة وبعد الثورة في مصر أشار: الزمن تغير فالمثقف مستقل وشرفه باستقلاله، وقدرته على المحافظة على العلاقة القوية بينه وبين الناس، مما يجعلهم يحترمونه، وهناك مثقفون مخلصون دفعوا ثمن وطنيتهم وهناك غير وطنيين ماذا نفعل هذا هو الواقع.

وأخيرا حول تبرئه من جائزة القذافي العالمية للآداب والتي كان قد حصل عليها قال: بداية قبلت جائزة القذافي لمبادئها المعلنة، وللجنة التحكيم ولم أسلم على القذافي حينما تواجدت في ليبيا أثناء تسلمي الجائزة من رئيس الوزراء الذي قدم استقالته، احتجاجا على ممارسات القذافي، وأتبرأ من الجائزة عندما أرى أن القذافي يذبح الشعب الليبي الذي يعتبر امتدادا للشعب المصري.

ورأى عصفور أن النقاد العظام توافرت فيهم معرفة التراث، ومعرفة العالم المعاصر، والعالم الغربي ونظرياته النقدية، وبقدر ما يتقن التحديات المنهجية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك من يقول لا بد من إنتاج نظريات نقدية عربية فهذا وهم، ولا يوجد نظرية نقدية تنسب إلى بلد أو جنسية أو دين فمثلا البنيوية نشأت في روسيا، وتنقلت في بلدان أخرى، فالنظرية مثل القطار الذي يمر بمحطات كثيرة، وأوضح هناك فرق بين أن يأخذ الناقد نظرية ويمشي عليها وبين أن يعيد المبدع والابتكاري انتاجها وفق هموم واقعه والأسئلة التي يطرحها عليه الواقع، مشددا على النظرية التي قد توهم بالشمول الذي يعتبر أقرب إلى الأيديولوجية، ولا بد أن يكون فيها جوانب من النقص أو ضعف الممارسة، هذا الجانب يجب أن يعيد ليتقبل الخصوصية والآداب والحضارات، وبهذا القدر من المرونة، يمكن للنظرية أن تكون مفيدة، أي لا تؤخذ بحذافيرها فيكون الناقد صدى لصوت، أو متأثرا بأحد، وذكر بهذا الخصوص مثالا وهو الكاتب نجيب محفوظ الذي حصل على نوبل كونه لم يسعَ لتقليد التيارات الغربية، وبسبب هذا وصل إلى العالمية، بينما لم يستطع المقلدون تحقيق شيء ذا قيمة، لذلك عندما نتحدث عن العالمية تعني الغوص بالمحلية، وفي النقد الأدبي على الناقد نفسه مراقبة عمله، وعمل الآخرين، وتتكون أداة وأجهزة سليمة، لتفعيل هذا دون تردد.

نظريات مستوردة

وفي إطار التحديات المنهجية أكد عصفور: أن أشكال المصطلحات النقدية والنظريات مستوردة، والمشكلة في ترجمة المصطلحات بلا عدد ولا حصر، وهو ما يجعلنا نعاني من فوضى التفكيك، وفيه نجد أربع ترجمات، والحل هنا في توحيد المصطلحات، قدر الإمكان، ولم يتطرق الناقد إلى التحديات النصية كونها متخصصة بل انتقل إلى التحديات السياسية والاجتماعية قائلا: إن الناقد نتاج رؤية عالم، له موقف من الحياة، ولابد أن يكون له رؤية للعالم من خلال اختياره للمنهج، والتركيز عليه، كما يخوض الناقد عراك قيمة في عمليات تحليله النفسية وتقييم التفسير ليضع معنى للنص، وعنصر القيمة، وعندما يعرف في رواية من الروايات القيمة من حيث معناها الفلسفي، فيما يبدو قيما ومفيدا في زمن فيه القيمة متغيرة، وثابتة فهناك عمل فيه عناصر لكل زمان ومكان هذه القيمة لها بعدها الاجتماعي والفني وتأثيرها بالخصائص الجمالية بالنص، واستحضر أمثلة على بعض الروايات ليصل للقول: في حيانا العامة اختلطت القيم، ولابد من تعرية القيمة لكل ما ينسجم مع القيمة فعليا حتى يستفيد الناس ويعرفوا الحدود الإبداعية.

كما تحدث عصفور عن أسلوب ممارسته للنقد قائلا: لم أختر نظرية واحدة، في بداياتي كان النقد الجديد أقرب إلى وجداني، وقرأت حينها رشاد وجدي وكان يخيل إلي أنه يدخلني في بنية الأعمال، ومن ثم دخلت في الماركسية واخترت الاجتماعي، ومن ثم النقد الثقافي، وفي آخر المراحل أحاول أن أوازن بين البنية الجمالية.