سيظل أبناء الإمارات والوطن العربي يتذكرون الكاتب الراحل غانم عبيد غباش (‬1946-‬1989) وتجربته في الكتابة الساخرة أو الكوميديا السوداء ، التي تميل إلى فن رسم الكاركاتير لما فيها من وضوح وإيجاز وحدة ويبدو أن مضي سنين على رحيله ما كان له من أثر سوى ازدياد الحنين والشوق إلى اطلالته على قرائه عبر زاويته الدورية «بلوطي»، التي كانت تظهر على صفحات مجلة (الأزمنة العربية) والتي جمعت في كتاب يحمل الاسم نفسه.عشرون عاما تفصل بين صدور طبعتي كتاب «بلوطي»، الذي ضم بين دفتيه تلك المقالات اللاذعة، فقد ظهرت الأولى عن دار الفارابي في بيروت عام ‬1991، بينما ظهرت الثانية مؤخرا عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وبذلك سيحظى جيل جديد من القراء بفرصة الاطلاع على انتاج هذا الكاتب الذي لا يستقيم المشهد الاعلامي والثقافي في المنطقة دون أن تتصدر تجربته واجهة ذلك المشهد، الذي حاول غباش من خلال ما أبدعه من مقالات أن يزيح عنه ما شابه من نقاط معتمة.

يقع كتاب «بلوطي» في ‬517 صفحة ويضم المئات من تلك المقالات المكثفة بطبيعتها والمعبرة بمضمونها والرشيقة بلغتها العامية الإماراتية الدارجة، ما جعلها أكثر قربا من وجدان الناس العاديين والمهمشين والفقراء في حياتهم اليومية البسيطة ومعاناتهم التي تمكن غباش من ملامستها وعكسها بجدارة دون اللجوء إلى التنميقات المفخمة والعبارات الرنانة التي يجيدها أصحاب الياقات البيضاء من مرتاتدي الصالونات الفكرية والثقافية، وبذلك غاص غباش بمفرداته القريبة إلى القلب في جوف مجتمعه وتناول قضاياه بالكشف والتحليل والاستنتاج بجرأة يعز نظيرها حتى في أيامنا هذه.

تلك المقالات الدافئة عكست نبض شارع يغص بالناس وهمومهم كتبها غباش في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لتسجل لحقبة من الزمن ولتكون شاهدا على عصر متحول على كافة الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، لكن تبقى فضيلتها الأولى تكمن في ذلك الأسلوب المحبب الذي كتبت فيه وفي الاختيار الموفق لعنوانها المشبه بالرمزية، ذلك أن بلوطي هو الشخص المتحول الذي لا يعرف جده من سخريته، على حد تعبير الأكاديمية الدكتورة رفيعة غباش متحدثة عن أخيها الراحل وذلك في محاولة منها لتوضيح ماهية ذلك الاسم المستعار الذي ابتكره غباش.

لكن دلالات ذلك الاسم لا تتوقف عند متطلبات حجب الاسم الحقيقي فحسب، بل إنها توحي بأن صاحبه أراد من خلال هذا الأسلوب أن يوحي بضرورة استخدام اسم حركي لا يستخدم عادة إلا في زمن الكفاح والنضال من أجل القضايا الكبرى، التي تبين مقالات الكتاب أن مؤلفها لم يتعامل مع تلك القضايا من باب الترف الفكري بل إنه حملها على كاهله في حله وترحاله وراح يطرحها ويتعامل معها في جميع المقامات وليس على صفحات الجرائد والمجلات فقط.

في تلك المقالات، لم يترك غباش شيئا إلا وجاء على ذكره ولم يدع شيئا متهافتا إلى وأعمل قلمه فيه، كان كاتبا سخيا ومعطاء ولا يهدأ له بال طالما أن المواجهة لا تزال مفتوحة مع كل ما هو ضد الانسان والانسانية أينما كان وفي أي زمان وعلى امتداد وطن مستهله الإمارات ومنتهاه البشرية جمعاء مرورا بالوطن العربي.

مقالات الراحل غباش، باتت تشكل حيزا لا يستهان به من ذاكرة القارئ في الإمارات والوطن العربي وأصبح اسمه يتردد على كل لسان بعد أن خرج جيلا من المثقفين وبعد أن أصبح ملاذا للمهمشين والمحرومين والناطق باسمهم، يضاف إلى ذلك أن غباش أسس للعديد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية على رأسها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات مثلما أسس لصحافة حرة شكلت إضافة حقيقية للمشهد الصحافي والثقافي على امتداد الوطن العربي.