«ريتشارد الثالث.. شخصية عربية مهمة جداً» فيلم وثائقي جديد يعرض للمرة الأولى في المنطقة العربية من خلال مهرجان الخليج السينمائي في دورته الرابعة بعد عرضه في مهرجان هيوستن بأميركا وحصوله على جائزة. وموضوع الفيلم وإن كان يبدو وكأنه يتبع خطى رحلة فرقة الكاتب والمخرج الكويتي سليمان بسام وهي في طريقها لعرض مسرحية «ريتشارد الثالث ـ مأساة معربة» في مركز كينيدي للفنون بالعاصمة الأميركية وعرض آخر أقيم في مدينة العين بالإمارات، إلا أن ذكاء طاقم الفيلم في اختيار لقطات لمواقف لها دلالاتها وتعليقات تعكس فكرة العمل ورؤى أعضاء الفرقة المسرحية خلال تتبعهم أثناء بروفاتهم في الكويت وأوطانهم التي جاءوا منها سوريا، لبنان، العراق والكويت، صنعت عملا مهما لا يمكن اعتباره دعاية عن المسرحية بقدر ما هو تجسيد لواقع عربي معاش، ظهرت فيه فوضى العالم العربي والتناقضات مع مقابلات الممثلين من دول عديدة، وآرائهم للوضع السياسي في الشرق الأوسط وعلاقة ذلك بالولايات المتحدة، فوثق في 70 دقيقة تم غربلتها من 70 ساعة تسجيل حال الأمة العربية المليء بالدراما، وكأن شكسبير في مسرحيته الشهيرة المأخوذ عنها العمل المسرحي كان يستشرف بعين بصيرة امتداد شخصية ريتشارد الثالث الديكتاتورية إلى تاريخ البشرية عبر عصور ومناطق ودول مختلفة.
وما يحدث حاليا على ساحة تظاهرات الشعوب العربية ضد حكامها يؤكد أن هناك ألف ديكتاتور هم أشباح مستنسخة من (ريتشارد الثالث)، ارتدوا قناعه الزائف وغدروا بالأصدقاء قبل الأعداء وتلوثت أيديهم بقتل الصغار والكبار ثم انتهى مصيرهم إلى التنحي والعزل والسجون والإعدام، لذا ليس غريبا أن يكون الفيلم رسالة تنبيه للشعوب من حالها الغارق في اليأس والمحكوم بالأمل دون بصيص نور للخلاص، فيما يلاحظ أن هذا العمل تم تنفيذه قبل بدء ثورات الشعوب في بعض من المنطقة العربية.
وقبل استعراض الفيلم ورصده يجب أن نتوقف سريعا أمام مسرحية (ريتشارد الثالث.. مأساة عربية) التي حاول صناعها إسقاط النص الشكسبيري على الواقع العربي ، ملخصة فكرة الحاكم الطاغية، وتدور حوادث النص الأصلي لمسرحية ريتشارد الثالث في بريطانيا في القرن الخامس عشر، حيث كانت تسود نزاعات دموية على عرش المملكة وصلت إلى حرب أهلية، واستطاع ريتشارد الثالث انتزاع الحكم بعد سلسلة من الاغتيالات والمكائد التي دبرها مع أعوانه، منها قتل ابن أخيه الصغير الذي كان وارث العرش وتحت وصايته، وتتمثل في شخصية ريتشارد الثالث كل قيمة ممكنة للشر، وتبدو مجردة من أي وازع إنساني لمصلحة الهوس بالسلطة، وإذا كانت قراءات نقدية كثيرة اعتبرت أن البسام مخرج النص العربي يحاول تقديم شخصية صدام حسين في نسخة معربة من ريتشارد الثالث، إلا أن الإسقاطات حاليا تشير إلي أكثر من حاكم عربي وتشمل في ثناياها عبيد المناصب والسلطة في كل الوظائف.
الفيلم الذي قال منتجه ومخرجه الكويتي شاكر أبل في لقاء مع «البيان» انه سيعرض في وقت لاحق في صالات السينما الكويتية، قد يتعرض لحذف مشاهد منه وهي نية أعلنتها الرقابة الكويتية للمخرج ولم تحدد بعد ما الذي ستحذفه، ومن المتوقع أيضا أن يتعرض للمنع من قبل أصحاب السلطة إذا وجد البعض أنه يقترب منهم ويفضح ما هو مسكوت عنه، والفيلم الجريء الذي يستحق المشاهدة وينافس بقوة على العمل الوثائقي في الدورة الحالية لـ(الخليج السينمائي)، يعتبر حالة خاصة سلطت الضوء على الحياة الشخصية للممثلين الذين يحاولون العيش والعمل بمهنتهم الفنية تحت ظل النظرة الدونية التي يرى بها المجتمع العربي هذه المهنة، وكان عمق ما قاله أعضاء الفرقة المسرحية عن الأوضاع في بلدانهم تراجيديا تسير جنبا إلى جنب مع تراجيديا شكسبير في المسرحية، وهو أمر مثير للاهتمام في أحداث وقصص غير مرتبة زمنيا، وكان أجملها وقوف الممثل السوري فايز قزق أمام البيت الأبيض وإلقائه جزءا من مشاهد الديكتاتور في المسرحية.
رسالة الفيلم كما يفلسفها شاكر أبل هي خلط كل شيء ببعضه وإظهار التناقضات البالغة في مجتمعاتنا المستهلكة وليست المصدرة، في الوقت الذي نكتفي فيه بالاندهاش كما قال الممثل الكويتي جاسم النبهان في الفيلم (من اختراع الصين للموبايل واليابان للسيارة وأوروبا للطائرة وأميركا للصاروخ)، ومن الواضح أن اندهاشنا هذا سيرافقنا إلى الممات، وعبر عنه مشهد نهاية الفيلم بذكاء شديد عندما تتابع عين عربي باندهاش لعبة جمل مضيئة تتحرك، مستدعية إلى الذاكرة دخول السوق الصينية إلى حياتنا وصنعها لفانوس رمضان بأغانينا الشعبية وصولا إلى السبحة وسجادة الصلاة!.
ومن المفارقات الغريبة التي يسردها شاكر أبل خلال تنفيذ الفيلم، سهولة التصوير في الدول العربية وقيود التصوير في الولايات المتحدة الأميركية، حيث يعترف أن أصدقاءه وزملاءه منتجي الأفلام في البلاد العربية ساعدوه في ذلك، لكن مشكلة التصوير في أميركا تمثلت في عقبات داخل المسرح لتكلفتها العالية وبالتالي لم يتم نقل أجزاء من عروض المسرحية في واشنطن، وكذلك خصوصية المواطن الأميركي وعدم الاقتراب منه إلا بإذن فجاءت معرفة ردود الأفعال في أقوال مواطنتين بأداء ضعيف، لكن التصوير أمام البيت الأبيض كان سهلا وساعدنا على ارتجال مواقف كثيرة منها مشهد فايز قزق أمام مظاهرة سلمية واقترابه كثيرا من سور حديقة القصر الرئاسي.
وحول الرؤية والبنية الدرامية في الفيلم يقول شاكر أبل: كانت المسألة شائكة بالفعل ففي الواقع صورنا كل خلفيات الممثلين أولا في العراق ولبنان وسوريا والكويت، ثم صورنا العرض المسرحي في العاصمة واشنطن وبعدها بستة أسابيع صورنا العرض الذي أقيم في مدينة العين بالإمارات، وعندما قمنا بعمل المونتاج للمرة الأولى للفيلم، كانت الأحداث مرتبة زمنيا ولكن بعد بضع عروض تجريبية اكتشفنا بأن هذا الترتيب غير مناسب، فكان الفيلم يبدو وكأنه يبدأ من جديد بعد ذروته في مشاهد عرض واشنطن، ولهذا أعدنا عمل المونتاج مرة أخرى بحيث تجرى أحداث وقصص العروض بالتوازي مع بعضها البعض تعبيرا عن فوضى الواقع في الحياة العربية، وقد يرى البعض أن هذا الخيار غريب ولكن كانت نتيجته أكثر من رائعة.
ويعلق شاكر أبل على سؤال عن مدى استفادته كمنتج من هذا الفيلم قائلا: الفكرة الطارئة لصناعة الفيلم كانت على الطائرة ونحن في طريقنا لعرض المسرحية في واشنطن، لكنني لم أفكر إطلاقا في عمل دعاية للمسرحية فقد أخذني المضمون إلى إسقاطه على واقع ما يحدث في المنطقة العربية دون النظر إلى أية أرباح، فالهدف أن أخوض التجربة الأولى لي سينمائيا وأن يستوعب الجمهور الرسالة التي أقدمها من غير حلول، وأفكر جديا في وضع الفيلم على الانترنت ليشاهده أكبر عدد من الناس حتى قبل طرحه رسميا في الأسواق.
المسرحية التي يستخدمها فيلم (ريتشارد الثالث: شخصية عربية مهمة جدا) خلفية لأحداثه عرضت 44 مرة في تسع دول عالمية، وحققت نجاحا كبيرا بعد أن أغضبت المسؤولين العرب البيروقراطيين أمام إنتاجها وعرضها، ومن الواضح أن الفيلم يسير في الاتجاه نفسه رغم ما قد يواجهه من اضطهاد أنظمة شمولية تسقط حاليا الواحدة وراء الأخرى أمام حناجر شعوبها، وكأن الناس أخيرا قررت هدم معابد طغاة الديكتاتورية حتى لا يبقى الفن وحده يحمل هذا الهم.
إضاءة
شاكر أبل رجل أعمال وصانع أفلام كويتي، أب لأربعة أبناء، فيلم (ريتشارد الثالث: شخصية عربية مهمة جدا) يمثل باكورة أعماله الوثائقية الطويلة، وقد أنتج برعاية (المشروع الثقافي) وهي مؤسسة فنية غير ربحية أسسها شاكر بالتعاون مع المسرحي الكويتي سليمان البسام، وتهدف إلى رعاية وتطوير المشاريع الفنية في المسرح والسينما والموسيقى، كما ترعى مشاريع الموهوبين من الفنانين الشباب.
