لا يزال الجدل مفتوحا حول الأفلام الوثائقية وموقعها على الخارطة السينمائية العربية عموما والخليجية خصوصا، ورغم أن مهرجان الخليج السينمائي يحتفي بها هذا العام .
حيث وصل عددها إلى20 فيلما في الدورة الحالية، وجعل من أحدها وهو (طفل العراق) فيلم الافتتاح،.
لكن تحيطها علامات استفهام كثيرة منها، من هو جمهورها وما هي الصعوبات التي تواجهها وهل تشكل مشاركتها الحالية ظاهرة تعيد الضوء إليها بعد عزوف كثير من المخرجين عنها؟.
وجه (البيان) هذه التساؤلات أو التحديات إلي نجوم الغانم مخرجة وخالد البدور كاتب سيناريو وهما أصحاب الفيلم الوثائقي (حمامه) الفائز في مهرجان دبي السينمائي السابع بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في فئة المهر الإماراتي، والمشارك حاليا في (الخليج السينمائي) .
والذي يعرض في السادسة والنصف مساء اليوم في جراند سينما مول الفيستيفال، ويعاد عرضه مساء يوم الاثنين المقبل في الساعة التاسعة والنصف، وجاءت الإجابات التالية:
قضايا ممنوعة
قالت المخرجة نجوم الغانم: مع أن الفيلم الوثائقي تكاليفه أقل والتعاون فيه مع ناس وأحداث حقيقية.
وبالتالي لا نضطر إلى الدخول في الدوامة الأكثر تعقيدا من الناحية الإنتاجية والفنية للفيلم الروائي، إلا أن الوعي الاجتماعي في بعض من دول الخليج لا يزال يدفع إلى تناول القضايا التي تمس الأشخاص بحذر شديد،.
فالناس في مجتمعاتنا متحفظة بطبيعتها وعندما يتطرق الأمر إلى الدخول لحياتهم يسمحون بمساحات معينة ويغلقون الباب تماما عند التوغل لأبعد من هذا، فمثلا في قضايا الطلاق ببلادنا لا نستطيع الدخول إلي المحاكم أو إلي البيوت لأن المشاكل تمس أفراد وعائلات .
وهي أمور ما زالت في دائرة الممنوع، ولا يعني وجود 20 فيلما وثائقيا في مهرجان هذا العام أن ذلك يشكل ظاهرة، بل هناك معوقات كثيرة أخرى بعيدا عن الإنتاج .
والدعم غير الموجود منها أنه محروم من العرض في صالات السينما وبالتالي يبقى حبيس جمهور المهرجانات فقط، بخلاف أن تطرقه لموضوعات معينه يقلل من فرص عرضه في المحطات التلفزيونية .
وهذا يجعله محاصرا طوال الوقت ما يساهم في عدم توسيع انتشاره وزيادة قاعدة جمهوره، وحتى عندما تجد أعمالنا الفرصة للعرض على شاشات التلفزيون المحلية يتم التعامل معها بدون حقوق مادية كنوع من التشجيع في الوقت الذي ترصد فيه مبالغ كبيرة لشراء أعمال خارجية لا تعبر عن هويتنا.
البعد التجاري
وعلقت حول أن المهرجانات السينمائية في المنطقة من خلال أسواق بيع الأفلام أوجدت فرص أكبر للفيلم الوثائقي وساعدت على إتاحة عرضه عبر منافذ أكثر قائلة: لا يمكن إنكار ذلك.
وهذا كله إيجابي، لكن إذا عمل المخرج في الفيلم الوثائقي على أسلوب معين يبعد فيه عن البعد التجاري لا يصبح العمل مرغوبا من قبل المحطات التلفزيونية، التي تميل إلى نوعية الأفلام التعليمية والإعلامية والسياحية والدعائية أكثر من الأعمال الوثائقية الفنية التي تطرح قضايا وتسلط الضوء على موضوعات قد تمنعها الرقابة تماما.
ليس توجهاً
ووقفت الغانم أمام توجهها للأفلام الوثائقية على مدار السنوات الماضية قائلة: ليس هذا توجها ولكنه (طعم) من قبل زوجي خلال دراستي للسينما في استراليا فعندما أردت صنع مشروع التخرج، أقنعني بفكرة فيلم (بين ضفتين) .
حيث كنت قد عملت بعض التحقيقات الصحفية عن العبارين قديما، وحتى أبقى في الإمارات ولا أبعد عنه كثيرا اشتغلنا معا على الفكرة، ثم جاء فيلم (المريد) .
وكان قد قدمه أيضا زوجي في برنامج تلفزيوني وشعر أنه لم يكن كافيا لتغطية هذه الشخصية الدينية فعمل عليها بعد رغبة مني أن لا يكون الفيلم نمطيا وتقليديا عن الموالد أو الأغاني الدينية.
والفيلم الأخير (حمامه) جاءت إلينا الفكرة من شريك ثالث هو سلطان العميمي ونجحنا في ترجمتها بأمانة.
ولأن دراستي وطبيعتي في الكتابة تميل إلى الرواية فأنا أعشق الجانب الروائي في الأفلام وأجهز حاليا لمشروع عمل أتمنى أن أبدأ فيه مع نهايات هذا العام.
الضعف الفني
وترى الغانم أن الفيلم أداة بحث عن الحقيقة ولا يعني هذا نقل وتوثيق الواقع بل التغلغل والحوار مع الواقع، والعمل الذي لا يولد حوار ونقاش وجدل حول واقع وحالة ما يعتبر فاشل وضعيف فنيا.
ونقل الواقع بصورة مباشر احد أهم أسباب ضعف الأفلام الوثائقية لغياب رؤية وروح المخرج وتجربته الذاتية، وهناك عامل آخر لضعف الفيلم الوثائقي يرجع إلى تناول مخرج ما موضوع أو مكان لا علاقة له به .
وليس لديه أي أحاسيس أو ذكريات أو ارتباط شكلا وموضوعا، ما يؤثر على مضمون وصورة العمل لأن السينما كانت وما زالت أداة شعرية للتعبير عن الواقع ووسيلة للبحث عن الحقيقة من خلال تماس تعكسه الكاميرا وعمق ما يتم رصده.
اكتشاف وتبني
ويعرّف كاتب السيناريو خالد البدور الفيلم الوثائقي بأنه المعالجة الخلاقة للواقع، فالدراما في العمل الوثائقي هي عملية اكتشاف وتبني.
بينما تكون الدراما في الفيلم الروائي معدة مسبقا من قبل الكاتب، ثم تصل إلى الذروة وصولا إلى الحل لذلك نلاحظ غالبا أن الفيلم الوثائقي هو رصد للأحداث التي تجري دونما تخطيط أو تهيئة من قبل المخرج السينمائي، إلا أن فكرة التوثيق لم تكن سينمائية أصلا فمنذ العصور الأولى.
كان لدى الإنسان الميل والرغبة الداخلية في أن يعبر عن ما يحيطه من مظاهر، لذا أراد أن يوثق كل ما يراه من أشكال الطبيعة ربما خوفا أو تقربا أو انجذابا، عبر رسومه وخطوطه على جدران الكهوف التي كان يعيش في داخلها أو جدران المعابد التي أنشأها بعد ذلك.
ويسترسل البدور قائلا: إن الفيلم الوثائقي بناء متماسك يعتمد الموضوعية، والربط ما بين الحاضر وتجلياته وأبعاد الماضي واستشراف المستقبل، مع منح اللحظة الآتية سينمائيا البعد الدرامي باعتماد البناء ضمن منحى شعري حتى يكون فيلما متميزا.
كما أن أساس الفيلم الوثائقي هو تحليل الواقع المرئي من أجل معرفة ما سيحدث من دون إهمال الصورة الفنية والغرق في التقرير الإخباري.
الريبورتاج التلفزيوني
وحول عزوف المخرجين عن عمل الأفلام الوثائقية، يرجع البدور ذلك إلى كون البعض يراه عملا ناقصا، ويوضح قائلا:
ساهمت هذه النظرة السلبية للفيلم الوثائقي في ضعف الإنتاج، فهناك من يعتقد أن الفيلم الوثائقي سهل ولا يحتاج أن يكتب له سيناريو فيركز على الإعداد وجمع المعلومات وإجراء المقابلات.
والاستعانة بالتعليق الصوتي على الصورة وشرح تفاصيل حول الموضوع أو المكان، فتكون النتيجة أن يصبح الفيلم أشبه بالريبورتاج التلفزيوني.
أسير الواقع
ويشير البدور إلى أن سيناريو الفيلم الوثائقي يختلف عن سيناريو الفيلم الروائي اختلافا كليا، فالفيلم الوثائقي هو تصوير الواقع، فيما الفيلم الروائي هو تمثيل الواقع، لذلك فالفيلم الروائي الذي يعتمد القصة والحكاية هو أسير المخرج، يتحكم في بنائه وصياغته،.
بينما المخرج في الفيلم الوثائقي هو أسير الواقع لا يستطيع أن يتحكم فيه كثيرا، ويسترسل قائلا:
لعل أهم صفة من صفات الفيلم الوثائقي الناجح هى التلقائية أو العفوية، فكلما نجحنا في تصوير الفيلم الوثائقي بتلقائية وعفوية كلما حققنا نجاحا للفيلم، وبشكل عام فان سيناريو الفيلم الوثائقي لا يمكن كتابته مسبقا بنفس الدقة التي يكتب بها الفيلم الروائي.
ففي الفيلم الوثائقي يكتب دائما السيناريو الحقيقي بعد التصوير وقبل المونتاج الذي يصبح فيه المخرج هو سيد العمل والمتحكم فنيا في إيقاعه وتوجهاته.
