شكل مهرجان الخليج السينمائي على مدار أربعة أعوام فرصة نموذجية للقاء مبدعي صناعة الأفلام من مختلف دول المنطقة، للحوار وتبادل الأفكار والرؤى حول الحركة السينمائية الخليجية، وكان منصة لطرح الكثير من أعمال المخرجين الطلبة أو المحترفين ومنحهم نافذة عريضة يطلون من خلالها على شريحة أكبر من الجمهور للتعريف بأفلامهم، والأهم من حيث المهنية كونه جسرا للتواصل والاحتكاك مع صناع السينما حول العالم.

ومنذ دورته الأولى يحرص (الخليج السينمائي) الذي تنطلق فعاليات دورته الرابعة مساء اليوم، على تقديم الوسائل الممكنة لدعم وتسليط الضوء حول مستقبل سينما لا تزال مجهولة وتعاني من عوائق ومعوقات تجعل خطواتها بطيئة، ويطرح «البيان» في وقفات سريعة مع أطياف مختلفة شاركت ورصدت مشهد الحراك السينمائي الخليجي عموما والإماراتي خصوصا، تساؤلات أو بمعنى أصح تشخيصا نضع به النقاط فوق الحروف حول دور المهرجان وجدية مبادراته وما أفرزته برامجه من نتائج خلال السنوات الأخيرة.

خصوصية الحالة

يقول المخرج هاني الشيباني العائد حديثا من استراليا بعد حصوله على الماجستير في دراسة السينما: يعتبر مهرجان الخليج السينمائي بمثابة المرحلة الأخيرة التي تبعت عدة مراحل في رحلة السينما الإماراتية نحو تكوين قاعدة تنطلق من خلالها السينما الإماراتية والخليجية التي ظلت خافته ومنزوية لسنوات طويلة إلى آفاق أرحب وأوسع، وقدم بالفعل إلى عالم الصورة المرئية والحكي باللقطات المتوالية أعمالا معبرة عن أهل الخليج في نقل دقيق ليومياتهم وآلامهم بعيدا عن خلفية ذهنية رسمها الآخر لا تقترب أو تمس الواقع، وفي دوراته السابقة استطاع المهرجان أن يقوم بهذا الدور ببراعة وينجح في خلق حالة شديدة الخصوصية ميزته عن سواه من المهرجانات، ولعل أجواء المهرجان التي تجمع في جنباته عددا كبيرا من فناني الخليج أكثر ما يميز المهرجان وكان نتيجة لهذه التجمعات ظهور بعض المشاريع التي شارك فيها عناصر من مختلف الدول الخليجية، وهناك العديد من أعمال شاهدناها كان كاتبها من الإمارات ومخرجها من الكويت ومصورها من البحرين وشارك في تمثيلها ممثلون من السعودية وهو الأمر الذي كنا نشاهده في الدراما التلفزيونية لينتقل إلى السينما مؤخرا بفضل (الخليج السينمائي) الذي قام بإذابة المسافات بين مبدعي الخليج وصنع أساسا على الأرض لسينما خليجية مشتركة مقبلة.

تحقيق الهدف

وكشخص مهتم بالسينما وشديد الحماس والرغبة في الوصول بالسينما الإماراتية والخليجية إلى أبعد مدى، أتمنى أن يضيف المهرجان إلى إيجابياته الكثيرة بعض الأمور التي أرى أنها ربما تضيف إلى مكتسباته بعدا آخر أكثر عمقا أولها ضرورة استثمار الجيل الأول وإشراكهم في اللجان والبرمجة والورش لتحقيق الهدف من خلال وضع أهل المهنة في مكانهم بدلا من الاعتماد على أشخاص لا علاقة لهم بالأساس وظهروا فجأة بالعلاقات أو بالمجاملات ليستفيدوا من المهرجان بدلا من أن يفيدوه. كما يجب الاهتمام بدعم السينما الطويلة لأن جيلا كاملا من الذين بدأوا المسيرة لم تعد السينما القصيرة تشكل متنفسا كافيا لإبداعاتهم ويريد الانتقال إلى مرحلة طال انتظارها، مع محاولة إشراك المحطات التلفزيونية في صيغة معينة لإنتاج أفلام تحصل على فرصتها في العروض المهرجانية قبل أن تعرض تلفزيونيا. وفي الندوة التي أجرتها (ندوة الثقافة والعلوم بدبي) مؤخرا حول تقييم المهرجانات السينمائية في الدولة ظهر من بعض المداخلات أن البعض لا يزال غير مدرك لأهمية الفيلم السينمائي وخاصة الكبار من رجال الأعمال وأصحاب المناصب العليا لذا نرجو إيجاد صيغة ما لإشراكهم في فعاليات المهرجان وتحقيق التزاوج بين رأس المال وأهل الصنعة.

منصة سينمائية

ويرى الناقد السينمائي بشار إبراهيم أن إضافة مسابقة دولية خاصة بالأفلام القصيرة في الدورة الرابعة للمهرجان، توسِّع طيف الرؤية إلى الدرجة التي بات للمشاهد أن يرى مجموعة مسابقات في مهرجان واحد، فثمة مسابقة خاصة بالطلبة، وأخرى خاصة بالسينمائيين الخليجيين المحترفين، وجديدة ستضم أفلاماً روائية قصيرة من شتى أنحاء العالم، عربية وغير عربية ، كما أنه مع انعقاد دورة سينمائية تخصصية، بإشراف المخرج الإيراني المعروف (عباس كياروستامي)، وتوالي هذه الدورات التخصصية المتتالية عاماً بعد عام وتجوالها على عدد من أعلام صناع الأفلام العالميين من أمثال كياروستامي، سوف تشكل منصة لإطلاق المزيد والمتميز من أجيال صناع الأفلام الخليجيين.

مجموعة خبرات

ويسترسل بشار إبراهيم في شرح وجهة نظره قائلا: إذا كان (الخليج السينمائي)، قد اتكأ لحظة انطلاقته، على مجموع الخبرات المتكوّنة على صعيدي الإدارة والتنظيم، وعلى المتوفِّر والمتحقِّق من المنجز الفيلمي الخليجي، فإنه في الوقت نفسه كان واعياً لأهمية التطوير والتأثيث المتدرّج لبرامجه وفعالياته، بما يثريه ويجعل منه عاملاً فاعلاً في إطار صناعة الفيلم الخليجي، بما يفيض به عن كونه (منصة عرض)، ليتحول إلى واحد من أهم الشركاء في صناعة الفيلم، سواء عبر الجوائز المالية التي يمنحها في مسابقاته الرسمية، للمحترفين من السينمائيين الخليجيين، والطلبة والهواة، وفي المسابقة الدولية للسينمائيين العرب والأجانب، أو عبر ورشات التدريب والتطوير، أو إتاحته فرصة الاحتكاك والاطلاع على المنجز السينمائي العالمي، بدءاً من برنامج (تقاطعات)، وبرنامج (أضواء)، وبرنامج (سينما للأطفال)، وصولاً إلى إضافة (المسابقة الدولية للفيلم القصير)، في الدورة الرابعة.

ثلاث ملاحظات

ويطرح الكاتب والسيناريست محمد حسن أحمد ثلاث ملاحظات عن الدورات السابقة لـ(الخليج السينمائي) قائلا: ساهم المهرجان بشكل كبير في جعل الضيوف من الفنانين يلتفتون إلى التجارب السينمائية والدخول ضمن تلك التجارب والاقتراب إلى صناعة الفيلم في الخليج وقد شاهدنا أسماء كثيرة تعمل مع الشباب السينمائيين في أفلام الدورات التي سبقت، بخلاف المطالبة قبل انطلاق الدورة الأولى بوجود جائزة لأفضل سيناريو إماراتي اعتمادا على أن ورق النص هو اللبنة الأولى لجودة ومستوى الأعمال المقدمة، وبالفعل تم إضافة هذه الجائزة كتقدير لدور السيناريست وتفعيل دوره كعنصر مهم لصناعة الأفلام، كما شهدت الدورة الأولى والثانية أعمالا مهمة جدا ومشاركة إماراتية جيدة، وكانت الملاحظة الكبيرة في السنة الثالثة حين غاب الفيلم الإماراتي عن المهرجان بشكل واضح لأسباب وظروف كثيرة، وهو ما تم التعامل معه مع إعلان مهرجان دبي السينمائي بوجود مسابقة المهر الإماراتي التي تساهم الآن بوجود أفلام إماراتية منافسة وقوية المستوى.

ويضيف محمد حسن ثلاث ملاحظات أخرى على الدورة الرابعة مما تم الإعلان عنه بقوله: إضافة فئة جديدة تحسب للمهرجان كونها موجودة مسبقا لكن تم منحها صفة (المسابقة الدولية) لتمكين كل السينمائيين الخليجين من مشاهدة أفلام منافسة داخل المهرجان وفرصه للتلاقي، ويجب التركيز على أفضلية كل فئة بعيدا عن أهمية كل فئة كمستوى فني، كما أرى ضرورة تفعيل دور الفنانين الضيوف وذلك من خلال منحهم رسائل الدعوة للمشاركة في حوارات السينمائيين وليالي الخليج وعروض الأفلام وان لا تكون الدعوة مقتصرة على حضور حفل الافتتاح والختام فقط، وذلك للدور الفاعل الذي يلعبه وجود فناني الخليج في المهرجان ومشاركتهم في أفلام الشباب حاليا، والملاحظة الأهم من وجهة نظري هو عودة الفيلم الإماراتي للمهرجان بقوة كبيرة بعد غياب في السنة الماضية وهي نقطة استمرار في صناعة الفيلم وتميز المهرجان.

تجربة مثيرة

ويرى أمجد أبو العلاء - سينمائي سوداني مقيم في دبي أن تجربة مهرجان الخليج تحمل في جعبتها الكثير من التفاصيل المهمة والمثيرة التي عايشها منذ بداياتها وهي الآن تبلغ سنواتها الأربع، ويرجع الفضل للمهرجان في رعاية السينما الإماراتية والخليجية، ويعتز بكون هذا الحدث الثقافي الفني لا يقتصر على الخليجيين فقط بل سمحت شروطه ولوائحه أن يشمل العرب المقيمين في الخليج وهو منهم، حيث ولد وترعرع في الإمارات وتشكل لديه انتماء للبلد يكاد يقارب انتماءه لوطنه الأم.

ويعلق أمجد في نقاط سريعة عن رصده الخاص على (الخليج السينمائي) وإضافة مسابقة أفلام دولية لدورته الرابعة قائلا: فأنا مقتنع تماماً بأن النسبة الأكبر من مهرجانات العالم والتي تحمل اسم دولها وعواصمها تحتوي على مسابقة محلية وأخرى دولية ولم ينتقص منها التشعب شيئاً بل يكون له الفضل في توسيع دائرة انتشار الأفلام المحلية قبل العالمية وعلى ذلك أوافق على تشعب المهرجان قلباً وقالباً، بل أطمح وأتمنى أن تضاف في الأعوام المقبلة مسابقة عربية أو شرق أوسطية.

وحول الإشكالية التي يتعرض إليها (الخليج السينمائي) اليوم، يرى أمجد أنه قد تتم معالجتها لاحقاً وهي قد لا تختص بالمهرجان بشكل مباشر ولكنها تؤثر حتماً على كم وكيفية أفلامه الخليجية، مشكلة توقف العديد من جهات الإنتاج عن دعم الأفلام القصيرة ومد يد العون بالتمويل، ما بدأ يصيب الحراك السينمائي في المنطقة بشلل تدريجي يتضح هذا العام في غياب أسماء ألفت جداول المهرجان وأروقته تواجدهم ومشاركاتهم، كما تتفاقم هذه المشكلة في دول الخليج أكثر من الإمارات بفعل شكل واختلاف وزخم الحراك السينمائي هنا وهناك.

مناخ تنافسي

أما المخرج خالد المحمود المشارك هذا العام في المهرجان بفيلم (سبيل) الفائز بجائزة أفضل سيناريو في الخليج السينمائي العام الماضي، والحاصل على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان نيويورك للأفلام الأوروبية والآسيوية ‬2010، بخلاف عرضه للمرة الأولى في مهرجان لوكارنو السينمائي، فيقول: إن (الخليج السينمائي) صنع مناخا تنافسيا على مستوى عالٍ وشجع السينمائيين الإماراتيين على عدم التسرع في تنفيذ أفلامهم لصعوبة المنافسة مع دول أخرى في المنطقة، ما قلل من عدد الأفلام الإماراتية المشاركة في بعض الدورات لبحث أصحابها عن الجودة والتميز. وطالب المحمود في ظل إطلاق (المسابقة الدولية للأفلام) إلى إتاحة الفرصة أمام الأعمال الإماراتية والخليجية لدخولها، أسوة بما حدث في مسابقة المهر الإماراتي بمهرجان دبي السينمائي، حيث تم فتح الباب أمامها للمنافسة في مسابقة الأفلام العربية، وناشد المحمود ضرورة دعوة المهرجان للمنتجين والمهتمين مركزا على شركات الإنتاج في منطقة الخليج، لحضور مشاهدة الأفلام المعروضة لحثهم على مغامرة الدعم والتمويل بعد إطلاعهم على النقلة الفنية الكبيرة التي وصلت إليها صناعة الأفلام محليا وخليجيا.

وحدة وانعزالية كياروستامي سر تألقه

حالة من الانبهار الشديد ظهرت في حديث المخرجة الإماراتية منال بن عمرو، وهي تعلق على مشاركتها ضمن ورشة المخرج الكبير عباس كياروستامي، مؤكدة أن البساطة التي يدرس بها ويدلي بملاحظاته على تساؤلات السينمائيين، تترجم روعة ما يعبر عنه من خلال الكاميرا وعمق وفلسفة ما يتناوله من موضوعات تصل مباشرة إلى القلب لأنه خبير يعرف كيف يلتقط حبات اللؤلؤ ويضعها أمام المشاهد في أسلوب جذاب وممتع.

وقالت منال: من اليوم الثاني للورشة حدد كياروستامي عنوانا واحدا هو (الوحدة أو الانعزالية) للأفلام التي سوف يعمل عليها المشاركون في الدورة بطرق وموضوعات مختلفة، وضرب مثالا من خلال طاولة طعام عليها فلفل أسود وملح أبيض وعندما يتم سحب الملح نرى الوحدة أو الانعزالية التي يوجد فيها الفلفل من دون الملح، ورغم كون المثل عن أشياء جامدة لا روح فيها لكن أسلوب التنفيذ يمكن أن يوحي إلى عمق الفكرة ومضمونها، ورغم قصر مدة الورشة لكننا سعداء بإشراف كياروستامي على تجاربنا، ونرى أنها جوهرة غالية يضعها (الخليج السينمائي) على صدورنا.