مع حصول فيلم (بداية) للمخرج كريستوفر نولان على أربع جوائز للأوسكار وهي (أفضل تصوير وأفضل صوت وأفضل مكساج وأفضل مؤثرات بصرية)، نتعرض برصد سريع لفكرة العمل المبدع الذي يتناول أروع مغامرة فردية يخوضها الإنسان في حياته وهي الأحلام، وبصرف النظر عن كون الحلم ممتعا أو مخيفا يبقى صاحبه هو الوحيد الذي يشعر به، ولكن كيف سيكون الحال إذا استطاع احد الأشخاص اقتحام أحلامك وغزوها؟ وماذا سيحدث إذا تم ابتكار تكنولوجيا جديدة تمكن مجموعة من الدخلاء من خلق حلم مزيف والتلاعب بأحداثه بهدف سرقة أفكارنا السرية؟ ليس هذا فحسب بل ماذا سيكون الحال إذا استطاعت تلك التكنولوجيا غرس أفكار داخل أعماق العقل الباطن لجعل الإنسان يصدق أن تلك الأحلام المفتعلة هي أحلامه الخاصة النابعة من داخله؟
هذا هو الخط الدرامي للفيلم المثير (بداية) الذي جاءت معظم جوائزه في حفل الأوسكار معبره عن روعة الفكرة، ومقدرة تكنولوجيا الصورة والصوت على صنع قطعة فنية غير تقليدية ننتمي إلى سينما الخيال العلمي أثارت الجدل.
فكرة الفيلم راودت كريستوفر وهو في السادسة عشرة من عمره إلا أنه بدأ في كتابة أول مسودة لسيناريو الفيلم قبل ثمانية أعوام، وبعد النجاح منقطع النظير لفيلميه (باتمان يبدأ) و(الفارس المظلم) ومن قبلهما فيلمه الشهير (تذكار)، لم يتردد نولان احد أهم مخرجي هوليوود في العقد الأخير من الإقدام علي تنفيذ فكرته النافية للعقل والمنطق علي الشاشة الفضية والاستعانة بنجم هوليوود الوسيم ليوناردو دي كابريو وطاقم تمثيلي من ستة أفراد رشحوا جميعا لجائزة الأوسكار إلى جانب ميزانية إنتاجية ضخمة بلغت 160 مليون دولار.
ورغم صعوبة استيعاب فكرة الفيلم لتشعبها وتعقيدها في نفس الوقت وهي الفكرة التي لم تقدم من قبل للجمهور إلا انه لا يمكن إنكار المتعة الحقيقية التي حظي بها كل من شاهد العمل، فإلى جانب القصة التي تلهث الأنفاس وتجعل الأعين محدقة باتجاه شاشة العرض خوفا من تفويت أي تفصيلة مهما كان صغرها، حظي (بداية) بعدد من العناصر الأخرى التي زادت من بريقه مثل تألق وقوة أداء أبطاله على السواء، فكان الأداء التمثيلي للأبطال بدءا من ليوناردو وحتى الممثل الكبير مايكل كين بمشاهده القليلة على قدر هائل من التميز والسلاسة وهو ما يعكس موهبة كريستوفر الملفتة في اختيار أبطال أعماله الفنية أيضا.
وقد اثبت نولان من خلال التصوير المبهر والكادرات الجديدة التي تقدم على الشاشة للمرة الأولى انه مخرج يحسب له ألف حساب، ولا يستهان بقدراته فرغم أن رصيده الإخراجي عشرة أفلام فقط، إلا انه نجح في الإعلان عن كونه من أهم مخرجي السينما الأميركية في السنوات المقبلة بعد أن برهن على قدرته في المزج بين أساليب الإخراج التقليدية المعتادة وبين التكنولوجيا الإخراجية الحديثة ليراهن العديد على انه سيتفوق على المخرج العبقري جيمس كاميرون في مستقبل سينما الخيال العلمي، كما شبهه البعض بأنه سيصبح أسطورة سينمائية كالعملاق كلينت ايستوود في أفلامه الكلاسيكية.
