عندما تصافح عيناك لوحات الفنان السوري أسعد عرابي، ترتسم في ذاكرة المشاهد ملامح وقسمات وسمات سيدة الغناء العربي أم كلثوم وهي تعتلي المسرح لتقف بشموخ وكبرياء، لتشدو بصوتها الغارق في الشجن.
السحر السنباطي الكلثومي
قدم عرابي من خلال فنه المناخ الصوتي لكوكب الشرق عبر نسيج متداخل للخطوط والألوان. وحول طبيعة وحيثيات مرحلة البدايات لديه في الاهتمام بهذا المجال، قال عرابي: (كان ذلك منذ زمن، وبالتحديد في نهاية الخمسينيات.
وأتذكر منها شغفي وولعي ومثابرتي على عزف لحن (عودت عيني). وذلك مثل لدي بداية السحر السنباطي الكلثومي...).
وأضاف الفنان السوري: (كان صادف منذ ما يقرب من سنتين أن وجدت نفسي ـ وأنا كعادتي أستمع إلى أم كلثوم في إحدى الفضائيات يوميا ـ أرسم بالحبر بدعة وسكينة لا تخلوان من العبث، وبها كنت طفقت أجسد بالرسم، الموسيقيين الذين يشكلون الجو المفعم بالحميمية لفرقة (الست)، ابتداء من الموسيقار محمد القصبجي محتضنا عوده، وصاحب التشيلو، ثم عازف الناي..
ثم الكمنجاتي وعازف القانون الذي يتلقى الإشارات من يد الست أو بإيماءة من رأسها لإعادة الكوبليه، أو تركها ترتجل وتستزيد من الآهات وتجويد اللحن أكثر من مرة ومرة).
البداية
وينتقل عرابي في كلامه إلى حلمه قائلا في هذا السياق: (أدركت في تلك اللحظات التي وجدتني اعكس فيها مجموع الرسومات التي أشرت إليها، أنني أدور وألف حول حلمي التشكيلي القديم، ورغم حماستي غير المتساوية تجاه أغاني أم كلثوم.
فقد حسمت ذائقتي دون تعصب بتقديس كل ما لحنه السنباطي، يليه شيخ الملحنين زكريا أحمد، وانتهاء بما أضافه إليها الملحن المجدد محمد القصبجي الذي ظل ملاصقا لها كعازف عود، وظل مكانه موجودا حتى بعد رحيله.
وحينئذ تولدت لديّ قناعة بأن عليّ أن أنقل العالم الكلثومي، من سلطنة العصر الجميل المسالم والمتوازن روحيا بما فيه من جذوة النبض الوطني والقومي، إلى حداثة التحريض والاستفزاز والعبث ومخلفات أصداء الهزائم العولمية، ثم التحول في اللوحة من الذاكرة والوثيقة العاطفية، إلى عالم مواز يتميز بكونه استلهاميا تأويليا مغمسا بصوت اللون والخط).
رموز
وتبدو أم كلثوم في لوحات عرابي مشبعة بالرموز السحرية (الفرعونية). وتحتضن لوحات عرابي (الكلثومية)، (غاليري أيام) التي افتتحت أخيرا في القاهرة، لتكون نافذة حيوية للحركة التشكيلية العربية في مصر، وذلك بعد الغاليري الرئيسة (أيام) الموجوة في دمشق، وأيضا الأخرى في دبي.
يذكر أن أسعد عرابي، فنان وناقد بارز على مستوى المنطقة، له تأثيره في الفن العربي لعقود من الزمن، وظهرت أعمال عرابي، المولود في دمشق 1941، في معارض لا تحصى، في المنطقة وفي الخارج. وتغتني بأعماله العديد من المجموعات الفنية المهمة. القاهرة - دار الإعلام العربية