هناك فكرة جريئة تغير من مفاهيمنا المتعلقة بالغلاف الجوي الأرضي، ويمكنها أن تساعدنا أيضا على استغلال مصدر جديد غير تقليدي من الطاقة.
فقبل 40 عاما، وفي الاتحاد السوفييتي السابق، طرأت على بال الطبيب مارك بيرلمان فكرة غريبة. واحتاج إلى سبع سنوات أخرى لإظهار أن فكرته قابلة للتطبيق بصورة عملية، كما احتاج إلى نحو 30 عاما آخر لكي يأخذ العلماء فكرته على محمل الجد.
والمشكلة بالنسبة لبيرلمان أن فكرته تقلب رأسا على عقب الفكرة الراسخة المتعلقة بعملية فيزيائية مألوفة، والتي تحدث كلما تكثف أحد الغازات متحولا إلى حالة السيولة، أو كلما تجمد السائل متحولا إلى حالة الصلابة.
وقد تبدو هذه العملية مقصورة على فئة معينة من المواد، ولكن إذا صحت نظرية بيرلمان فستكون لها عواقب بعيدة المدى. فقد تغير الطريقة التي نصنع بها المواد بصورة جذرية، كالمعادن مثلا، وتساعد على تفسير سبب اكتساب المشتري لونا أحمر، وتوفر لنا الأساس لنظام إنذار مبكر من العواصف والأعاصير التي تهب على الأرض. كما توفر لنا مصادر كامنة للطاقة المتجددة في الجو.
وعقب وفاة بيرلمان في أغسطس الماضي، اقتنع علماء آخرون أنه كان على وشك تحقيق اكتشاف كبير، وحرصوا على استجلاء هذا السر، وخاصة في ما يتعلق بالطاقة والبيئة، فيما بقي علماء آخرون متشككين في اكتشافاته.
وتركز الجدل بين العلماء على تفاصيل عملية تدعى المرحلة الانتقالية، وهي عملية تحدث من حولنا، بصورة مستمرة، أثناء ذوبان مكعبات الجليد في أكواب المرطبات مثلا، أو خلال تكثف بخار الماء لتكوين السحب.
ولطالما افترض العلماء أن ما يسمى بالحرارة الكامنة يمكن أن تتسرب عبر عمليتين فيزيائيتين هما: التوصيل الحراري، حيث تصطدم الذرات أو الجزيئات بعضها ببعض وتمرر طاقتها الحرارية الزائدة، أو على شكل إشعاع تطلقه كل الأجسام التي لديها مطياف مميز يعتمد في شكله على درجة حرارة الجسم.
ولكن في ستينات القرن الماضي بدأ بيرلمان يشك باشتراك آلية أخرى في العملية. وكان يفكر في ميكانيكا الكم المتعلقة بالتكثف والتجمد، وبدأ يتساءل: كيف يمكن للإلكترونات في المادة أن تتأثر بنظرية الكم. وتنص هذه النظرية أن الالكترونات تحتل مستويات طاقة منفصلة، وتستطيع إطلاق الفوتونات الضوئية إذا قفزت إلى مستوى طاقة أقل.
وتكهن بيرلمان بأن هذه الآلية قد تتيح طريقة أخرى للمادة لكي تفقد الحرارة، أثناء تكثفها أو تجمدها. وخطرت على باله فكرة فيزيائية غير تقليدية. وفي مقابلة صحافية مع مجلة «نيوساينتست»، قبل وفاته بفترة قصيرة، وصف بيرلمان أفكاره في ذلك الوقت بأنها «تبدو هستيرية ومحض خيالية».
ومع ذلك لفتت تلك الأفكار نظر عالم فيزياء سوفييتي بارز في ذلك الوقت يدعى «أندريه سخاروف». ومن خلال دعمه له، نشر بيرلمان فكرته في مجلة «الرسائل الفيزيائية» في عام 1971.
وأدرك حينئذ أنه بحاجة إلى أدلة اختبارية يتم فيها تجميد الماء، وتكثيف البخار، لكن التجارب فشلت في كل مرة في رصد أي مؤشر، مهما بلغ ضعفه، على وجود إشعاع كهرومغناطيسي. ومع ذلك واصل سخاروف اهتمامه بهذه الفكرة، وفي إحدى المراحل اقترح إجراء التجارب في مطبخ منزله.
وبعد كثير من الجهد الذهني استطاع بيرلمان تحديد الخطأ في تجربته، فالفوتونات الضوئية كانت موجودة غير أنها كانت تتعرض للامتصاص بواسطة بخار الماء الموجود في الجو، قبل أن تتمكن من الوصول إلى جهاز المكشاف لرصدها.
فقام بتجميد الماء مجددا، ولكن في هذه المرة في جهاز مفرغ جزئيا من الهواء، واستطاع المكشاف في هذه المرة رصد الأشعة تحت الحمراء بطول موجي يتراوح بين 28 و 40 ميكروميتر.
وأعاد تصميم الجهاز لدراسة بخار الماء المتكثف، وتكونت قطرات مائية، فسجل حدوث فرقعة أخرى من الأشعة تحت الحمراء، ولكن في هذه المرة ما بين 4 و 8 ميكروميتر. وفي كلتا الحالتين أظهر أن الإشعاعات لم تستطع بمفردها تفسير النتائج.
وفي دراسة حديثة تتعلق بهذه الفكرة، استطاع الباحثون الروس الحصول على نموذج قادر على تفسير كيف يمكن للأشعة الكهرومغناطيسية أن تنطلق عند تكثف الماء، وتمكنوا كذلك من حساب قوة المطياف الضوئي الناجم عن ذلك. ويأملون الآن في استخلاص الطاقة من عمليتي التكيف والتجميد التي تحدث في السحب، وتسخيرها في احتياجات الإنسان.
