أكد عبد الإله عبد القادر المدير التنفيذي لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، في ندوة بعنوان «شموس القمر.. بين احتراق القلب وشموع الأمل»، استضافها مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية ان بلاد الرافدين احتضنت منذ أكثر من 7000 عام، حضارات متنوعة، نتيجة الهجرات الجماعية لأقوام مختلفة؛ لتنشأ سلسلة من حضارات متعاقبة، وظهرت خلالها أسطورة جلجامش، ورحلته الأسطورية ونصه الشعري المسرحي الروائي، الذي اعتبرته البشرية أول نص مكتوب بأول لغة عرفها الإنسان. وعن الهجرة الجماعية التي تشهدها البلاد حاليًا، قال:
إن العراق قد هجره أبناؤه من قبل، حيث تعرض لحوالي 44 احتلالاً عسكرياً، إلى أن بدأت الهجرة الجماعية بالعراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، حيث اضطر العراقيون لترك بلادهم، مما أدى إلى سرقة الثقافة وتدمير المخطوطات والمعابد ونهب المتاحف وحرقها، بخطة مدروسة تهدف إلى تدمير الثقافة العراقية.
ورأى عبد الإله عبد القادر أن الخطورة لا تكمن في احتلال الأرض، فالأرض تعود لأصحابها والمحتل مهما طال به الزمان، سيضطر إلى أن يعود إلى مواقعه ووطنه، لكن المشكلة تكمن في استهداف الثقافة، لأنها تمثل الهوية والإنسان.
وأوضح عبد الإله عبد القادر أن المشهد الإبداعي الأدبي في العراق له عدة تقسيمات، مبينًا أن ثراء الشعر العراقي بدأ من قبل دولة العباسيين، كما في مدرسة البصرة والكوفة. أما عن المشهد الروائي والقصصي، فأشار إلى أن الأدب العراقي بدأ الاهتمام بالقصة والرواية مع بداية القرن العشرين، فبدأ بالتعرف على الأدب العالمي، وظهرت الترجمات العربية للروايات والقصص الأجنبية.
وأضاف أن الأديب عبد الحق فاضل قدم أول مبادرة لكتابة القصة في العراق، وذلك في قصته «مجنونتان»، التي كتبها فى مارس 1936، وصدرت مطبوعة عام 1939.
وظلت الساحة الأدبية حتى عام 1948 لا تنشر إلا قصصًا قصيرة، إلى أن بادر ذو النون أيوب بنشر روايته الأولى «الدكتور إبراهيم»، والثانية «السيد والأرض والماء».
وعن فترة الخمسينات، أكد أن أدب القصة والرواية تطور بشكل كبير، وكان الانتاج الأدبي ضئيلاً ومحددًا بفئة قليلة من الأدباء، ويعد من أعلام تلك الفترة: عبد الملك نوري، ومهدي عيسى الصقر، ومحمود عبد الوهاب؛ الذي فاز بجائزة الآداب للقصة القصيرة عام 1953 على مستوى الوطن العربي عن قصته «القطار الصاعد إلى بغداد»، وشاكر جابر بروايته الأولى «الأيام المضيئة» عام 1955.
أما فترة الستينات، فيرى أنها شهدت تأثرًا كبيرًا بالروائيين الغربيين، كما تحول كُتّاب القصة إلى روائيين؛ ومن أبرز كتابات تلك الفترة رواية «النخلة والجيران» للكاتب غائب طُعمه فرحان، وقدمها عام 1966 وكان منفيًا فى موسكو آنذاك، مشيرًا إلى أن تلك الرواية تصنف على مستوى متطور بين بقية الروايات العربية التى كانت تصدر وقتها، وشكّل ظهورها نقلّه نوعيه في الرواية العربية، وجاء بعدها روايات عراقية عديدة على نفس النهج المتطور؛ منها:
«رجلان على السلالم» لمنير عبد الأمير، و«رجل فاته القطار» لمحمد النقدي. وشهدت فترة السبعينات تطورًا أدبيًا هي الأخرى؛ بقيادة خمسة روائيين، هم: عبد الرحمن الربيعي، وموفق خضر، وفاضل عزاوي، وبرهان الخطيب، وغائب طُعمه.
ويصف عبد الإله عبد القادر فترة الثمانينات بأنها مثلت بوادر الكارثة الجماعية للأدب العراقي؛ حيث بدأ العراق يدخل فى حروب عديدة لم تنته حتى الآن، وبدأت مرحلة التخريب والتدمير لكل الفنون الجملية التى زينت العراق.
وأكد أن الدولة ساعدت على إفساد الدور الفكري والأدبي بتكريس كل الوسائل للحرب، فخصصت الجوائز المادية الكبيرة لأدب الحرب؛ وبدأت الحكومة آنذاك بإعلاء كل الفنون الأدبية المتعلقة بالحرب رغم رداءتها وعدم إتقانها فى بعض الأحيان، فكانت الروايات عبارة عن إعادة ساذجة للأفلام الأمريكية التى تصور الجندي الأمريكي بالمحرر والفاتح؛ فانعكس ذلك على الروايات العراقية بتأويل تلك الأفلام، وكان من أشهر ما كتب وقتها في هذا السياق رواية «قادسية صدام».
الاسكندرية ـ محمد الحمامصي
