«إنني أرى أن الشاعر لا يستطيع أن يبدع، ما لم يكن مخلصاً لموهبته، وعازفاً عن أي شيء يحول بينه وبينها، وهذه رفاهية ثقافية لا يقدر عليها الكثيرون».

هكذا ينظر الشاعر السوري سليم بيطار إلى العملية الابداعية ،و لا يقتصر الأمر على الشعر والإبداع وكفى، ولا يتناول واقع الإعلام العربي الراهن فحسب، وإنما يمتد ليشمل الكثير من قضايا الفكر والفلسفة والسياسة.

ورداً على سؤال البدايات يقول بيطار : بدأت نشر أشعاري في سوريا قبل ما يزيد على خمسة وعشرين عاماً، ثم شاءت الظروف أن أنأى عن نشر الشعر، لأسباب تتعلق بما يمكن تسميته بالسعي في مناكب الأرض.

لكن الانقطاع عن ممارسة الإبداع قد يصيب الموهبة، مهما بلغت من الأصالة، ومهما امتلكت من «فورة» بالصدأ، وفي مرحلة ما، قد يحدث أن يعود المبدع للبحث في أعماقه، فلا يجد شيئاً!

هذا صحيح، ولكني توقفت عن النشر، ولم أتوقف عن الكتابة، فالشعر قضاء وقدر، وليس بوسع الشاعر أن يفر من هذا القدر، وعملية الكتابة الإبداعية، أو «نظم الشعر» هي عملية لا تخضع لقرار أو ترتيب مسبق، حيث لا يمكن لشاعر مطبوع، أن يزعم بأنه يكتب وقتما يقرر، أو أنه يعرف مواقيت هطول الشعر.

في ديوانك الأخير«ليتني لم أكن» القصائد العمودية تجاور التفعيلة ، كيف تفسر ذلك؟

لقد درست الهندسة ومارستها سنوات طويلة، وربما تسببت دراستي في ترسيخ إيماني، بأن لا شيء يمكن أن ينهض دون قواعد. هذا أمر ينطبق على كل عملية إبداعية، وليس الشعر فقط، إن التطوير الذي تحتاجه القصيدة العربية، في الوقت الراهن، يجب أن يكون في الأغراض الشعرية، ولا يمكنني هضم فكرة أن تحطيم الموسيقى، والقضاء على الإيقاع هو التجديد المنشود.

يستطيع قارئ شعرك أن يدرك للوهلة الأولى، أنك من شعراء الشام، فهناك دائماً مفردات البيئة السورية، وهناك دائماً رائحة النعناع والزعتر والتفاح، ألا ترى أن هذه مفارقة غريبة، نظراً لكونك اغتربت عن بلادك منذ أكثر من ثلاثة عقود؟

الاغتراب عن الوطن لا يعني أن لا تبقى الجذور ضاربةً في أعماق ترابه. فالشاعر الصادق لا يستطيع أن ينتزع نفسه من بيئته، وفي تصوري أن أرض الشام أرض تنبت شعراً وشعراء.

لا يحتوي ديوانك على أشعار سياسية، اللهم إلا قصيدة عن بيروت وهي تبدو من قصائد الثمانينات، فهل تتعمد النأي عن الشعر السياسي؟

لا ليس الأمر كذلك. فأنا كما قلت لا أخطط لكتابة الشعر، وأحسب أنني أتفق كثيراً مع نزار قباني في مقولته: إن القصيدة هي التي تكتب الشاعر.

وبالنسبة للشعر السياسي تحديداً، أريد أن أقول: إن واقعنا السياسي العربي، قد جفف منابع الشعر، ولا أظن أن شاعرا ما يستطيع أن يختزل هذا الواقع في قصيدة أو ديوان.

ديوانك المزمع طرحه في معرض أبوظبي للكتب، يحمل عنوان: أحبك أكثر، فلمن تهدي هذه العبارة؟

أهديها لأمي فهي المرأة الأجمل والأكمل والأحلى.

فلننتقل إلى شأن الإعلام العربي عموماً والمرئي على وجه التحديد، ألا ترى أنه يتعمد تغييب كل ما هو ثقافي ويهتم بالقشور من دون أن يتطرق إلى لب الأشياء؟

أتفق تماماً مع هذه المقولة، واخص بالذكر القنوات الإخبارية التي تقترف مع سبق الإصرار والترصد، جريمة تحطيم العقل العربي.

إنني لا أجد جدوى في أن تهتم هذه القنوات، ببرامج الصراخ والعويل، وصراع الديوك، ولا أرى طائلاً من وراء تعمد هذه القنوات، العزف على أوتار الهزائم والانكسارات العربية، إلا أنها تتعمد تحطيم ثقة الإنسان العربي في قدرته على النهوض.

ولكي يكون الكلام محدداً، أريد أن أضرب مثلاً بالمساحة الزمنية الطويلة التي تخصصها هذه القنوات، في ذكرى هزيمة يونيو سنة ألف وتسعمائة وسبع وستين، وفي ذكرى احتلال العراق، فيما تمر مرور الكرام، على ذكرى حرب أكتوبر... أليست هذه مفارقة تستدعي التوقف والتأمل.

أبوظبي ـ محمد مصطفى موسى