في الوقت الذي يتسابق فيه أهل الخير لإقامة مشاريع خيرية، ومبادرة الأسر والمحسنين بتركيب برادات مياه السبيل في الأحياء السكنية لتكون بمثابة صدقة جارية عن أمواتهم أو كخدمة إنسانية تقدم لعابري السبيل، تظهر الحاجة إلى وضع معايير وإرشادات حول فحصها وصيانة تمديداتها وآلية تركيبها وتشغيلها والتأكد من سلامة مياهها تعزيزاً للصحة والسلامة العامة وللحيلولة دون وقوع حوادث المس الكهربائي لمستخدميها.
حوادث وقعت بالفعل أودت بحياة بعض الأطفال، وأخرى أحدثت إصابات أثرت على نفسية مستخدميها كباراً وصغاراً، وجميعها ناتج عن قصور في الاهتمام بها والتهاون عن القيام بالمهمة الخيرية والإنسانية والهدف الذي وضعت برادات السبيل من أجله، فبات ضررها يفوق نفعها، فمنها ما تختلط مياهه بالغبار والأتربة، والبعض الآخر بالصدأ والحشرات، في حين تكمن المشكلة الأكبر في بقاء برادات مياه السبيل كعنصر خطر يقضي على حياة من يجد فيها ضالته بعد انشغال طويل تحت أشعة الشمس وجفاف الحلق.يقول عبدالله الهاجري ؟ النائب التنفيذي لرئيس خدمات المتعاملين في هيئة كهرباء ومياه دبي- إن ظاهرة وجود مياه السبيل موجودة في المجتمع الإماراتي والإسلامي وتنم عن التعاون وحب الخير بين أفراد المجتمع، ولكن زيادة الشيء عن حده تنقلب إلى ضده، على اعتبار أن هناك عدداً كبيراً من ثلاجات مياه الشرب السبيل قريبة من بعض في المنطقة الواحدة، على الرغم من توافرها في مساجد الأحياء السكنية.
موضحاً أن الهيئة لا تشجع هذا النوع من الأعمال الخيرية حيث أن ضررها يكون أعلى من فائدتها، كما أن عملية الثلاجات لا تدخل في نطاق اختصاصات الهيئة باعتبارها تصرفات أو اهتمام شخصي لملاك بعض العقارات والفلل بعمل شيء ما لفعل الخير أو احتسابها كصدقة جارية عن موتاهم من خلال وضعها في الخارج وتكون ملحقة بمنازلهم، الأمر الذي يسهم في زيادة إمكانيات الهدر في المياه واستغلال الكهرباء بشكل غير سليم، ما يؤدي إلى مخاطر اكبر بكثير من فائدتها.
لا ضرورة لها
وأضاف أن المساجد سباقة في توفير الخدمات وتتوفر برادات مياه السبيل في جميع المناطق، فلا توجد ضرورة لإضافة مثل هذه الخدمات من قبل الأشخاص، ومن المعروف أن الإمارات فيها الخير، وهناك مجالات كثيرة لعمل الخير بطريقة أفضل.
مشيراً إلى أنه ومن ضمن الملاحظات المرصودة من قبل الهيئة تبين أن هناك من يركب الثلاجات ولا يهتم بالمظهر العام لها ولا بالماء المهدر منها أو حتى الالتفات إلى التوصيلات الكهربائية الصحيحة لها، لذا فإن الهيئة لا تشجع وجود مثل هذه الثلاجات في المناطق لوجود بدائل أخرى، وذلك حرصا على السلامة العامة.
ونصح الهاجري بضرورة الاهتمام بالاستخدامات الكهربائية ومن بينها برادات مياه السبيل التي يوجد فيها عامل المياه والكهرباء بالخدمة ذاتها، ما يعطي فرصة لغياب عامل السلامة خاصة لوجودها في مناطق مكشوفة تحت ظروف الشمس والمطر والغبار وغيرها، وبدورنا ننصح دائماً أن يكون للأجهزة الكهربائية المكشوفة توصيل كابل كهربائي بالحمل المناسب والتأكد من وجود القاطع الكهربائي الأرضي لحماية الدوائر الكهربائية من الالتماس وقطع الكهرباء عن الجهاز.
موضحاً أن القاطع الأرضي يستشعر تحرك الكهرباء من الخط الساخن إلى الأرض، فالقواطع تساعد على تعزيز عامل السلامة ولكن ليس منعها، ولا بد من أخذ الاحتياطات اللازمة في هذا المجال.
فترة الأمطار
وذكر الهاجري أنه من المعروف في فترة الأمطار تكون هناك انقطاعات كهرباء داخلية في المنازل والشقق السكنية بسبب الأمطار التي تسبب أحياناً خللاً خاصة في الشبكات الكهربائية الداخلية للمباني المكشوفة والمعرضة للأمطار مثل جرس المنزل والأبواب الأوتوماتيكية وبرادات مياه السبيل.
فتسقط عليها الأمطار مباشرة، وعلى اعتبار أن الماء موصل جيد للكهرباء، فمن الواجب إطفاء الكهرباء عن النقطة المتضررة في أي حال وطلب المشورة من الأشخاص المختصين في هذا المجال، ولا ننصح بالاستعانة بالشخص غير المختص بالتمديدات الكهربائية لأن الأمر يتطلب خبرة والتزام بالاحتياطات ومعرفة أساليب التعامل مع الخطوط الكهربائية والأجهزة الخاصة للتأكد من سلامة الشبكة.
وشدد على ضرورة اخذ الاحتياطات اللازمة في التعامل مع الأجهزة الكهربائية المكشوفة، والتأكد من وجود الماء بشكل صحي والتأكد من سلامة الأجهزة والتوصيلات الكهربائية الكافية لبرادات مياه السبيل والقواطع مع التأكد من عدم تسرب المياه وأهمية التصريف الصحيح للمياه المستهلكة.
وطالب الهاجري بضرورة إنشاء جهة تتولى إعطاء التصاريح لبرادات مياه السبيل وتقنين الأمر ودراسة الموضوع عن كثب والتأكد من سلامة الأجهزة مع وجود صيانة دورية لها.
خطر حقيقي
وأفاد المهندس رضا سلمان ؟ مدير إدارة الصحة والسلامة العامة ببلدية دبي أن برادات مياه السبيل تشكل مصدر خطر حقيقي، ويفترض على أصحاب البرادات منذ البداية تحمل مسؤولية الصيانة والمحافظة عليها بشكل جيد، على اعتبار أن كل شخص مسؤول عن ما يقدمه للناس ويتحمل كافة الاشتراطات التي يتطلبها البراد من صيانة ونظافة وغيرها.
وأوضح أن اختصاصات إدارة الصحة والسلامة العامة تدخل ضمن التفتيش على المنشآت المهنية كإجراء دوري تقوم به الإدارة، أما المساكن والفلل الشخصية فإن المسألة لا تذهب بخصوصية الأمر كبلدية على اعتبار أن برامج الإدارة لا تراقب الفلل بل تغطي القطاع التجاري على وجه التحديد.
وعلى الرغم من ذلك إلا أن البلدية تحرص على توعية الناس حول الحفاظ على البرادات، مشيراً إلى أن العدد الأكبر من الخزانات التي يوفرها الناس يقومون بإيلائها الأهمية ويحرصون على توفير مياه سبيل نظيفة للناس، ولكن في حال وجود الحالات للتبليغ عنها فإن البلدية مستعدة لاتخاذ الإجراء اللازم والنظر في الأمر، وذلك عبر الاتصال على الرقم 800900، كما تتواصل إدارة الصحة والسلامة العامة على التنسيق مع قسم رقابة الأغذية في البلدية للتأكد من سلامة المياه.
خدمات الإسعاف
وأفاد الدكتور عمر السقاف ؟ استشاري طب طارئ ومدير إدارة الدعم الفني بمركز خدمات الإسعاف بدبي أهمية الالتزام بمعايير السلامة عند التدخل للإنقاذ الشخص الذي يتعرض للماس الكهربائي، حيث يتوجب التأكد من سلامة الموقع حتى لا يكون المنقذ «المصاب الثاني» الذي يتعرض للصعق الكهربائي، مشيراً إلى أن من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى حدوث المخاطر في الأجهزة الكهربائية التيار الموصول للمياه باعتباره موصلاً جيداً للكهرباء، وتآكل التوصيلات الكهربائية بفعل الرطوبة وتأثير الجو الحار عليها، ففي حال عدم صيانتها بصفة مستمرة، فإنه سينتج عنها مخاطر عند الاستخدام وأبرزها الماس الكهربائي.
وأكد على أهمية الاستعانة بجسم عازل للكهرباء عند محاولة إنقاذ الشخص المصاب مع ضرورة فصل التيار الكهربائي، ولا يتوجب لمسه على اعتبار أن الشحنات الكهربائية تدور على دائرة قطبية تدفع التيار الكهربائي أو تسهل عملية انتقاله نحو المواد الموصلة للكهرباء وليست العازلة له، أي أنها تشكل قوة تجاذب من جسم إلى آخر، مناشدا الأشخاص غير الملمين بالإسعافات الأولية بطلب المساعدة من الإسعاف فورا.
وأوضح أنه من المعروف أن الماس الكهربائي يخلف حروقاً كهربائية في جسم المصاب، لذا ينبغي تجنب ملامسة جسم المصاب حيث أن الشحنات الكهربائية لا تزال موجودة فيه، وبعد التأكد من سلامة المكان واستجابة الشخص المصاب، لا بد من التدخل لإجراء عملية إنعاش القلب للأشخاص المخولين أو للخاضعين لدورة في الإسعافات الأولية مع ضرورة عدم استخدام الأشياء الحادة عند إسعاف الشخص المصاب، بل الاستعانة بالمواد العازلة ومن ثم ينبغي إشعار أصحاب البرادات، قائلاً إن أنواع الإصابات بالماس الكهربائي تتمثل في حدوث حروق لمدخل ومخرج التيار الكهربائي لجسم الإنسان، جنباً إلى جنب مع التسبب لحدوث السكتة القلبية في بعض الحالات.
وطالب الدكتور السقاف أصحاب البرادات بضرورة صيانتها واستبدالها حسب الاستهلاك، وإنشاء بناء على الثلاجة لأن الهدف منها تقديم مياه نظيفة للناس وليس التسبب بحوادث مأساوية أو مميتة، ومن الضروري الالتزام بالصيانة والنظافة ومراعاة شروط سلامتها وتجنب أخطارها.
الاهتمام بالبرادات
وطالبت أم محمد ـ مواطنة بإيجاد جهة مخولة للاهتمام ببرادات مياه السبيل لتكون مغطاة وفق نظام معين وحماية مستخدميها من التعرض لمخاطر التسمم والتماس الكهربائي خاصة بالنسبة للأطفال والعمال، وذلك باعتبار أن عدم الاهتمام بها يؤدي إلى اختلاط مياه السبيل بالصدأ جنباً إلى جنب مع فرصة حدوث الماس الكهربائي لحظة ملامسة الشخص لصنبور المياه، قائلة إنه لا بد من تولي جهة ما مهمة تقنين هذه الظاهرة الآخذة بالانتشار بين المواطنين.
وذلك من خلال عمل إحصائية لعدد الثلاجات المتوفرة في الحي السكني الواحد وإيجاد آلية لتنظيم الظاهرة من خلال وضع معايير قائمة على الاهتمام بالبرادات وتوفير نظام معين لتغطيتها بالطوب على سبيل المثال، أو إظهار الصنبور من جدار المنزل على أن تكون الثلاجة داخل المنزل لحمايتها من أشعة الشمس، مع أهمية تقديم إرشادات لأصحاب البرادات حول استخدامها وتقديم مياه شرب نظيفة للناس.
سلطان.. كاد أن يذهب في «شربة ماء»
واقعة حية هزت أسرة الطفل المواطن سلطان البالغ من العمر 4 سنوات، الذي قالت والدته بأن الله كتب له عمراً جديداً بعد حادثة خطيرة أصابته جراء اقترابه من براد مياه السبيل في منزل أحد معارفهم في الشارقة، وذكرت أنها بينما كانت على رأس عملها في إحدى الحدائق ومع اعتيادها على اصطحاب أبنائها للعب مع أصدقائهم من الحي السكني المقابل للحديقة التي تعمل فيها.
حيث سمعت صراخاً دفعها نحو مصدر الصوت الذي فاجأها لتكتشف أن ابنها الكبير قادم باتجاهها ويحمل أخاه الصغير سلطان الذي كان فاقد الوعي، فانطلقوا لأقرب مستشفى (مستشفى القاسمي)، والقلق يملؤها من حالة ابنها الذي لم يكن يستجيب لأي نداء.
وفي المستشفى تبين أنه تعرض لماس كهربائي ولكن ومن خلال فحصه احتار الأطباء في حالته التي أظهرت أن موضع خروج الكهرباء كان من القدم ولم يكتشف مكان دخولها على اعتبار أنه لا توجد علامة في يده تبين تعرضها للكهرباء، وبعد أن استعاد سلطان وعيه أشار إلى انه لم ينوِ شرب الماء ولكنه توجه إلى البراد لغسل رجليه بعدما لعب مع أصدقائه.
حيث لم يلمس صنبور البراد، وكانت المياه آنذاك راكدة أسفل البراد وأمامه، كما أنه لم يكن مرتدياً حذاءه وقت أن وطأت قدمه المياه التي من المؤكد أنها كانت مشحونة بالكهرباء وأدت إلى تعرضه للماس الكهربائي، حيث سقط على الأرض من قوة الكهرباء وأدت إلى حدوث ضربة في رأسه وفقد الوعي على أثرها.
وأضافت أن ضغطه كان مرتفعاً، وألقت اللوم على الأطباء الذين أشرفوا على حالة ابنها باعتبارهم اعتمدوا على إجراء فحوصات للقلب والكلى فقط وذلك لإيمانهم بأن الكهرباء تؤثر على القلب والكلى فقط دون الاهتمام بباقي أجزاء الجسم.
حيث أنها اكتشف تعرضه لضربة في الرأس بعد خروجها من المستشفى وأخذه لعيادة أخرى حيث ارتطم رأسه بقضبان من الحديد كانت على الأرض لحظة سقوطه، جنباً إلى جنب مع عدم اهتمامهم بتنظيف مكان الجرح وعدم إعطائها موعداً للمراجعة أو لتغيير الضمادات، حيث اكتفوا بالقول أنه يعاني من جرح سطحي فقط دون الحاجة إلى تغيير الضمادات، ما ادخلها في دوامة أخرى بعد خروجه من المستشفى، وأخذه إلى عيادة أخرى لتنظيف مكان الجرح.
وكردة فعل على ما أصاب سلطان، ذكرت والدته أن برادات المياه باتت تشكل له خوفاً شديداً، وأصبح يتخوف من الاقتراب منها ولا يشرب من أي براد، كما أنه يشتكي من وجع في رأسه بين الحين والآخر، متوجهة بالنصح لجميع أصحاب البرادات للمحافظة عليها والانتباه على تسليك الكهرباء وتوصيلاتها باستمرار، وبدورها أصبحت أكثر حذراً في التعامل مع الثلاجات سواء في منزلها أو في المكان الذي تعمل فيه حفاظاً على سلامة الأشخاص.
دبي - نادية إبراهيم

