تجمعهم مع البحر وجبة شبه يومية من السمك الطازج، يأتون به من على الضفاف.. يفرحون ببركة صيدهم الطويل وهو يسير.. وتنفرج أساريرهم حينما تُثقل حبالهم المسترسلة فوق الماء.. وفي مرات كثيرة لا يملون وهم يعيدون الكرة مرات ومرات في تطعيم سنانيرهم بفتات من السمك أيضاً.

كل يوم لا يتركون فراغهم دون البحر، منهم الطالب والعامل والموظف وسوى ذلك، ولكل غرضه من الصيد، فالكثيرون من الآسيويين والعرب يأتون بهدف تأمين وجبة مرضية ومجزية، ومن العرب والمواطنين من يأتون لشغف الهواية وحسب، والمحصلة عموماً أكوام من البشر يتناثرون على ضفاف البحر في الإمارات الشمالية وهم يغازلون بسنانير صيدهم خيوط الشمس المنسدلة فوق اتساع الماء.

على كورنيش عجمان يجد العشرات من هواة صيد الأسماك ضالتهم وهم يتنقلون بمهارة وحذر فوق صخور عشوائية اعتلت مياه البحر وغاصت لعشرات الأمتار.. إنها ممرات صخرية تفتت صلابة الماء وتؤمن لكل من يرغب متعة حقيقية «لسرقة» بعض السمك التائه عن عمق البحر.

تواصلت مع تلك المجاميع البشرية لساعات، وقد غلب عليها الطابع الآسيوي.. أناس من الفلبين والهند وباكستان وبنغلادش ونيبال، إضافة إلى بعض الأجانب من الدول الأوروبية ناهيك عن أعداد أخرى من العرب والمواطنين؛ جميعهم يرمون بخيوط الصيد إلى البحر، ولكل منهم من الخير نصيب.

مائدة غداء

جو بال ورفاقه الستة يتشاركون في حمل الجنسية النيبالية مثلما يتقاسمون ما تظفر به أدوات صيدهم البسيطة من سمك صغير يجدونه لذيذاً على مائدة غدائهم اليومية.. بعضهم يتولى دفة الصيد واقفاً طوال الوقت، وآخرون لا يتوقفون عن تطعيم سنانير الصيد أملاً في مزيد من الرزق، وعلى إحدى الصخور الكبيرة تركوا كيساً بلاستيكياً تموت فيه كل سمكة تخرج من الماء إلى أيديهم.

سألتهم عما يجدونه من متعة وهم يتسمرون فوق تلك الصخور لساعات طويلة؛ فأجابوا بعربيتهم المعهودة أنهم في قمة السعادة.. كيف لا وهم لا يتكلفون في غالب أيامهم دفع آلاف الدراهم لملء «ترولي» الجمعية بشتى الأصناف من اللحوم والسمك والدجاج.. تكفيهم كما يقولون تلك الوجبات المتواضعة من السمك الذي يصطادونه.

عصفور البحر

أما هاني فرج، وهو شاب مصري الجنسية وموظف في إحدى الشركات الخاصة، فيقول إن مئات الأشخاص يأتون كل يوم من أجل صيد السمك من على تلك الصخور الزاحفة إلى البحر على شواطئ عجمان والشارقة.. وبالتأكيد فهم يصطادون ليأكلوا وهم بالتأكيد يضربون بعلاقتهم اليومية مع البحر أكثر من عصفور بحجر واحد.

ويضيف: لولا البحر لتاه هؤلاء الآسيويون في دروب كثيرة، فهم يتفاهمون مع البحر ويلقون فيه همومهم ومشكلاتهم قبل أن يصطادوا منه سمكاً، ففي عيونهم تلمح كماً من المشكلات والمنغصات، ومن البحر يستمدون قوة إضافية للتغلب على كبتهم، فهم يمضون جل فراغهم إلى جانب البحر.

ولا يتركونه إلا عندما يغالبهم التعب والنعاس، وتلك الملامح بالتأكيد تبقيهم في حالة ارتباط وثيقة مع البحر طالما أنهم يأخذون منه ما يقيتهم ويلقون فيه ما يزعجهم من الهموم والمشكلات.

هاني هو الآخر اعتاد المجيء إلى ذلك الممر الصخري بشكل شبه يومي، وفي كل مرة يأتي مرافقاً لصديقه محمد صبري الذي لا يمكن أن يقبل لنفسه يوماً دون الصيد من البحر، إنها الهواية التي لا يجدان لها بديلاً ممتعاً، وهي الدافع اليومي لزيارة البحر والانتظار على مقربة من شواطئه للظفر بأعداد محدودة من السمك، التي تظل الوجبة الرئيسية والمحببة لهما.

يقول هاني إنه يأتي إلى ذلك المكان بعد عصر كل يوم ليستمتع بمتابعة جموع الصيادين الهاوين لتلك العادة الجميلة وذلك قبل أن يصل صديقه المخلص للبحر وللصيد عند فترة الغروب ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل وهو يغازل بخيوط الصيد أسماكاً جائعة تتقاذفها الأمواج على مقربة منه، وفي النهاية يعود إلى البيت مؤمناً لنفسه وجبة اليوم التالي ومخلصاً ذاته من هموم العمل وتراكمات الالتزام والضجيج والزحمة طالما أن جليسه البحر.

متعة الصيد

وبالنسبة لحسن سبيل عبدالرحمن، وهو شاب مواطن، فالمسألة تختلف نسبياً، حيث يؤكد أنه يأتي إلى البحر باستمرار وتغريه كثيراً الجلسة على الصخور العائمة فوق الماء، مشيراً إلى أنه يهوى السباحة مثلما أنه يجيد هواية صيد الأسماك.

وفي أيام متقطعة من الأسبوع يحمل سنارة الصيد الخاصة به ويتوجه إلى البحر ليشارك جموع الباحثين عن السمك، وهو يفضل الصيد على شاطئ الشارقة أكثر نظراً لزحمة المكان في إمارة عجمان الذي يفضل أن يأتيه متفرجاً.

ويضيف حسن أن كثيراً من الجمهور يأتي إلى شواطئ عجمان والشارقة ودبي للاستمتاع بصيد الأسماك على مدار اليوم، وذلك أمر ممتع حيث تجد جموعاً من المختلف الجنسيات، ولكل غرضه من الصيد، والغالبية منهم يختتمون رحلة صيدهم اليومية بكميات محدودة من الأسماك ربما تكفيهم لوجبة يومية أو تزيد.

فوق الصخور

أما صديقه حمد علي عبدالله فيعتبر أن وجود مثل هذه الأماكن التي تسمح لهواة صيد الأسماك من الجمهور أمر جميل وممتع، حيث يتسابق العشرات كل يوم لحجز أماكن أفضل فوق تلك الصخور من أجل مردود أوفر من السمك، مشيراً إلى أنه يمارس تلك الهواية في كثير من الأيام وهو يجد متعة كبيرة في صيد بعض الأصناف المحدودة من الأسماك لا سيما «القبقوب».

الأهم بالنسبة لحمد أن البحر بمنافذه وشواطئه الممتدة على طول الإمارات الشمالية يؤمن لمرتاديه أجواءً ممتعة ومسلية، فهو يأخذ عنهم الهموم والأحزان ويهديهم البهجة والاسترخاء قبل أن يمن عليهم بخيراته من الأسماك التي ورغم محدوديتها تسد رمق الكثيرين.

فراغ مرهون

ذلك ما يؤكده رامي سامي الذي يعمل موظفاً في شركة خاصة، حيث يقول إنه لا يمكن أن يمر يوم دون أن يأتي حاملاً سنارته المتواضعة ليداعب بها أمواج البحر أملاً بالظفر بمتعة الصيد، لافتاً إلى أن فراغه اليومي مرهون للبحر مثلما هو الأمر مع أيام العطل والإجازات.

ويختتم رامي أن البحر أصبح جزءاً من حياته اليومية، وفي كل يوم تزيد علاقته مع ذلك الاسم، تماماً كما هو حال المئات من مختلف الجنسيات العربية والآسيوية والأوروبية الذين يبحثون عن متعتهم التقليدية وهم «يسرقون» بخيوطهم وسنانيرهم بعض الأسماك الزاحفة مع الموج.. إنها حكاية متعة تتكرر ومسلسل لا ينتهي.. أبطاله ثلاثة البحر والإنسان والسمك؛ يبقى اثنان ويموت واحد كل يوم.

متعة

البحر لا يخذل أحداً والصيد أرزاق

لا تغيب شمس يوم دون أن تودع فوق صخور البحر العشرات من الهاوين لمتعة صيد السمك، تتركهم ينتظرون لساعات ويتقاسمون الأرزاق من لج البحر، هكذا يقول رامي سامي وهو أحد المنتظمين في الصيد فوق الممرات الصخرية على شاطئ عجمان.

ويضيف أن الأمواج غالباً ما تحمل لجموع المنتظرين بشائر خير وهي تقرب السمك من خيوطهم المسترسلة فوق الماء، ويبقى الرزق تقديراً للمولى عز وجل، ففي بعض الأيام يعود الشخص بكيلو من السمك وأيام أخرى يصطاد خمسة كيلوات أو أكثر، وأيام قليلة لا يجد سوى سمكة أو اثنتين، وفي النهاية فالبحر لا يخذل أحداً.

ويوضح رامي أن السمك الذي تصطاده سنارته المتواضعة غالباً ما يكون من النوع الصغير الذي يسمى «بيجاما»، إضافة إلى القليل من الشعري، وبالتأكيد فإن جميع ما يجده من البحر يبقى لذيذاً إلى أبعد حد طالما أنه نتاج جهد طويل لا يبدو متعباً مع بحر مؤنس.

عنان كتانة