يتناول الكثيرون مشروبات الطاقة، بدعوى أنها تساعدهم على زيادة التركيز، وترفع من قدرات ووظائف الجسم الحيوية، فيتمكنون من أداء المهام المنوطة بهم، من دون أن يعتريهم تعب أو وهن، وكأنها تمنحهم «أجنحة يطيرون بها فوق متاعبهم».

ولا يعلم معظم الناس حقيقة المخاطر الصحية التي تنجم عن الإفراط في تعاطي هذه المشروبات، إلى درجة أن بعضهم يتناول في اليوم الواحد ثلاث أو أربع جرعات، مما يجعلهم مدمنين غير قادرين على الاستغناء عن هذه المشروبات.

ومن العوامل التي تؤدي إلى انتشار مشروبات الطاقة، على نطاق واسع، أنه لا توجد محاذير تحول دون تداولها، حيث تباع في جميع محلات المواد الغذائية، ولا توجد قيود تتعلق بها، إلا عبارة «لا يجوز بيعها لمن دون سن الثامنة عشرة» وهي عبارة يمكن القول بأنها من باب رفع العتب، لأن «راعي البقالة» لا يأبه لها في معظم الأحيان.

ومؤخراً منعت عدد من الدول تداول مشروبات الطاقة نهائياً مثل كندا واستراليا، في حين قررت بلدان أخرى مثل سوريا وفرنسا، أن يقتصر بيعها على الصيدليات فقط، فلماذا لا تتخذ الهيئات المعنية بالرقابة على الأغذية مثل هذه القرارات؟

وما هي المخاطر الصحية الناجمة عن الإفراط في تعاطي هذه المشروبات، على مختلف أجهزة الجسم؟ وما مدى صحة المقولات التي تذهب إلى أن بعض مشروبات الطاقة تسبب الإدمان؟.. هذه الأسئلة وغيرها هي ما يحاول التحقيق التالي الإجابة عنها.

في البداية يقول عمار محمد خالد «مندوب مبيعات»: إن طبيعة عملي الشاقة، تقتضي أن أكون يقظاً منذ وقت مبكر في الصباح، وحتى وقت متأخر نسبياً من الليل، وقبل نحو ثلاث سنوات بدأت أتعاطى مشروباً شهيراً من مشروبات الطاقة، مما ساعدني كثيراً على تأدية مهام عملي من دون أن يعتريني التعب أو الخمول.

كنت في البداية أتناول عبوة واحدة في فترة الظهيرة، ولكن الجرعة بدأت ترتفع، إلى درجة أنني أتناول حالياً ثلاث عبوات يومياً، بواقع واحدة في الصباح ثم في الظهيرة وقبيل المغرب بقليل، هذا فضلاً عن المنبهات الأخرى كالشاي والقهوة.

ويضيف: منذ نحو ثلاثة أشهر وبعدما تناولت المشروب الذي اعتدت عليه، شعرت بتسارع ضربات قلبي، وأصبت بالتعرق الشديد والصداع، مما دفعني إلى التوجه إلى أحد أقسام الطوارئ، وهناك أعطاني الأطباء إبرة لتقليل سرعة النبض ولمعالجة حالة الضغط المرتفع الطارئة، ومازلت حتى الآن أتابع الأطباء شهرياً.

ويقول أشرف ناجي «موظف في أحد المطاعم»: قرأت بعض الأخبار عن الأضرار الصحية التي تنجم عن تعاطي مشروبات الطاقة، وقد حاولت التوقف عنها، غير أن محاولاتي باءت بالفشل.

وأضاف: التوقف عن تعاطي هذه المشروبات أدى إلى إصابتي بالصداع وآلام عظام الظهر، وهو الأمر الذي تسبب في عدم قدرتي على تأدية مهام عملي، ودفعني إلى العودة إليها مضطراً.

ويقول حسين مصطفى «مسؤول علاقات عامة»: بعد انتهاء دوامي أحرص يومياً على ممارسة رياضة كمال الأجسام، وفي كثير من الأحيان، أضطر إلى تناول مشروبات الطاقة، للتغلب على شعوري بالكسل والخمول قبل التمرين. كما أتناول هذه المشروبات في أيام الإجازات لأنها تساعدني على السهر، وممارسة النشاطات التي تروق لي مثل الصيد ولعب كرة القدم.

ويرى أنه ليس مدمناً لهذه المشروبات، لأنه لا يتعاطاها بشكل يومي، أو في مواعيد محددة، مشيراً إلى أن بعض الشباب يتعاطون في اليوم الواحد أكثر من أربع جرعات.

ورداً على سؤال حول المخاطر الصحية لهذه المشروبات يقول: لا أعتقد أن هذه المشروبات ذات خطورة حقيقية، ولو كانت كذلك لبادرت الأجهزة المعنية برقابة الغذاء في الدولة إلى منع تداولها، مضيفاً إن الخطر الحقيقي يكمن لا شك في زيادة استهلاك هذه المشروبات، أما إن كان الأمر يقتصر على علبة أو علبتين، فلا ضرر «حسب تعبيره».

مفتاح الإدمان

ويتطرق محمد المحمودي «تاجر» إلى تجربته مع هذه المشروبات قائلاً: من واقع تجربتي الشخصية، أستطيع أن أزعم بأن هذه المشروبات تسبب إدمان الجسم عليها، شأنها شأن القهوة والسجائر والمخدرات.

فقبل نحو ثلاث سنوات، بدأت أتعاطى مشروباً من هذه المشروبات بشكل دائم، مما تسبب في شعوري بصداع دائم، وارتفاع في ضغط الدم، ولما راجعت الأطباء نصحوني بالابتعاد عنها، حتى أتخلص من هذه الأعراض.

ويتابع: حينما توقفت عن هذه المشروبات، تعرضت لأعراض يمكن تسميتها بأعراض انسحابية، فقد كنت أشعر بالدوار والوهن وانخفاض القدرة على التركيز، كما أصبت بالأرق وانخفاض الشهية وفقدت بعض الوزن، غير أني لم أستسلم للأمر، وعقدت العزم على التخلص تماماً من هذه المشروبات وعدم العودة إليها.

ويضيف: لم أتناول مشروبات الطاقة منذ أكثر من عامين، والأكثر من ذلك أنني توقفت أيضاً عن تناول المشروبات الغذائية، واستبدلت هذه العادات الغذائية الضارة بتناول العصائر ومنتجات الألبان المختلفة، وما أستطيع تأكيده أنني لا أعاني من الخمول والكسل ولا من أية متاعب صحية أخرى.

ويؤكد أيهم طعمة «مستثمر» أنه لا يتعاطى مشروبات الطاقة على الإطلاق، كما لا يتناول المشروبات الغازية أيضاً.

ويقول: أمتلك مشروعين استثماريين في إمارة أبوظبي، وأقسّم ساعات العمل عليهما، ولكني رغم ذلك أحرص على أن يحظى جسمي بالقسط المناسب من الراحة، ولا أشق على نفسي إلى الدرجة التي تنهكني وتستنفد قواي.

ويتابع: قد يكون مفاجئاً للكثيرين أيضاً، أني لا أحتسي الشاي أو القهوة، ولا أشعر خلال ساعات العمل بالخمول أو الكسل، وأحسب أن السر في ذلك يكمن في أني أميل إلى التوازن في كل شيء، في ساعات النوم، وفي ساعات العمل، وفي نمط التغذية، وما إلى ذلك من أشياء.

شعبية متزايدة

من جانبه يقول الدكتور سمير غويبه مسؤول الإعلانات الصحية في وزارة الصحة: إن الدراسات الاقتصادية تكشف أن حجم تداول مشروبات الطاقة في منطقة الخليج العربي، يبلغ حوالي نصف مليون درهم إماراتي سنوياً، مما يؤكد أن هذه المشروبات ذات شعبية متزايدة في المنطقة، وأن نسبة كبيرةً من المستهلكين يتعاطونها على نطاق واسع.

ويضيف: قبل تناول مخاطر تعاطي هذه المشروبات يجب أن نطرح السؤال حول مكوناتها، فهي عبارة عن مواد غازية، تضاف إليها مواد منبهة من أهمها: الكافيين والثيوفيللين وجذور الجنسنج.

وتلجأ بعض الشركات إلى إضافة بعض الأحماض الأمينية، وتسبح كل هذه المكونات في محلول الجلوكوز سريع الامتصاص.

ورداً على سؤال عما إذا كانت هذه المشروبات تمنح الطاقة، يقول الدكتور غويبه: إن تأثير مشروبات الطاقة مماثل لتأثير القهوة، فهي تحتوي على حوالي 80 ملليجراماً من الكافيين، مما يمنح متعاطيها شعوراً بالنشاط، ومن ثم تتدفق الأفكار إلى دماغه.

ويتمكن من مواصلة مهامه وأعماله... غير أن ما يغيب عن الكثيرين، أن هذا النشاط مؤقت، وأن هذه المشروبات لا تحتوي على مواد مغذية تفيد الجسم، ولا تملك الشركات المنتجة لهذه المشروبات أية دلائل علمية على وجود فوائد لتعاطي مشروباتها، وكل ما يروج في هذا الصدد يدخل في إطار الدعاية الجوفاء.

من جهته طالب الدكتور أحمد يوسف المدير الطبي للمركز الوطني للتأهيل، استشاري الطب النفسي، بحظر بيع مشروبات الطاقة على محالات البقالة والمواد الغذائية، وقصر بيعها على الصيدليات.

مع ضرورة إلغاء عبارة «مشروبات الطاقة» المكتوبة على عبواتها، واستبدالها بعبارة «مشروبات منبهة» وذلك لكون العبارة الثانية أكثر صدقاً، وتعبيراً عن حقيقة أن معظم هذه المشروبات غنية بالكافيين، ولا تحتوي إلا على أقل القليل من المواد الغذائية المفيدة.

وقال: إن الإفراط في تناول هذه المشروبات، شأنه شأن الإفراط في تناول أية مواد منبهة، يؤدي بالضرورة إلى تدمير الجهاز العصبي، ويسبب في حالات متقدمة الوقوع بين براثن الإدمان، ومن ثم الإصابة بالأعراض الانسحابية في حال التوقف عنها.

موضحاً أن نسبة كبيرة من الشباب يتعاطون مشروبات الطاقة بجرعات كبيرة، ويقوم عدد كبير من مدمني المواد الكحولية بخلطها مع الخمور، وهو تصرف ذو خطورة بالغة، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى أزمات قلبية.

تجاوز الخمول

وتؤكد لميس الدربي خبيرة تغذية في أحد المستشفيات الخاصة أن التوازن الغذائي وتناول الخضروات والفواكه والألياف يبدد الشعور بالإرهاق والخمول، ومن ثم لا يضطر الإنسان إلى تناول مشروبات الطاقة.

وتقول: ثمة سؤال يجب أن يطرحه كل إنسان على نفسه، ألا وهو: لماذا أصاب بالخمول؟

إن الإجابة على هذا السؤال تحمل في طياتها، الحلول التي تكفل استئصال المشكلة، فالخمول يرجع إلى مسببات واضحة، منها على سبيل المثال:

عدم الحصول على قسط وافر من النوم، ووجود أعراض الأرق، واتباع عادات غذائية خاطئة مثل الإفراط في شرب القهوة والتدخين والسمنة وفقر الدم، وكذلك تناول الغذاء المشبع بالدهون فقير الجودة وعدم تناول الألياف والخضروات والفواكه.

وما لا شك فيه، أن التغلب نهائياً على مشكلة الخمول، لن يتحقق بغير استئصال مسبباته، وتغيير السلوكيات الصحية والغذائية والعادات غير السليمة التي تسبب المشكلة.

دراسات عالمية تؤكد مخاطر مشروبات الطاقة

رصد مركز السموم في شيكاغو قد سنة 2005 وجود 265 حالة تسمم بالكافيين جراء تعاطي مشروبات الطاقة، وقد دخلت 20 حالة من هذه الحالات إلى أقسام العناية المركزة، بعدما عانوا من اضطرابات النوم، والتشنجات والتعرق والإسهال وآلام الصدر.كما وردت تقارير عن حدوث حالات وفاة نتيجة خلط مشروبات الطاقة بالمشروبات الكحولية.

ويطلق التمثيل الغذائي لهذه المشروبات موادّ نيتروجينية تؤدي إلى إجهاد الكبد والكلى وتسبب خللاً في توازن الدم، كما أكدت دراسة قامت بها الجمعية الطبية الكندية لشؤون التغذية أن مركب «تورين» الموجود في مشروبات الطاقة يقلل من فعالية الجهاز العصبي لدى الإنسان.

وأضافت الدراسة: إن ارتفاع مادة الكافيين في هذه المشروبات يمثل خطرا مضاعفاً على المراهقين والأطفال حيث تؤدي إلى ازدياد نبضات القلب عن المعدل الطبيعي، لتصل أحياناً إلى 150 نبضة في الدقيقة، إضافة إلى زيادة تدفق الدم للعضلات حيث تصل نسبة الكافيين إلى20 ضعفاً عمّا هو موجود في المشروبات الغازية.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى