حينما أطلت على جمهور يُقدّر ببضعة آلاف من السكان المواطنين والمقيمين على أرض الدولة المجتمعين تحت مظلة احتفالات إمارة دبي بالذكرى التاسعة والثلاثين لليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، لم تحدث باسمها الفني الفارق الذي أحدثه صوتها الأوبرالي وهي تتغنى للمرة الأولى في حب الوطن والقيادة بلغة الفن العالمي الراقي المسمى «أوبرا».. إنها أوبرا إماراتية وطنية تمازجت فيها إبداعات محلية وأنغام عالمية حتى أضفت على الحدث حضوراً من نوع آخر.

سارة جاسم القيواني الفتاة الإماراتية التي لم تجتز بعد مرحلة العشرينات من عمرها وهي تقترب كثيراً من الظفر بشهادة الدكتوراه في التاريخ السياسي وتاريخ المرأة في الشرق الأوسط من واحدة من أعرق الجامعات البريطانية، وجدت أخيراً فرصتها الأولى في إطلالتها الأوبرالية التي لطالما أرادتها .وهي طالبة صغيرة على مقاعد الدراسة في مدرسة لطيفة للبنات في دبي، وفي تلك الأثناء وجدت معلمة الموسيقى في صوتها موهبة صارخة قد تمسي به سارة واحدة من نجوم الأوبرا العالميين، إلا أن الرياح وفي مرات لا يستهان بها قد لا تأتي بما تشتهي السفن؛ وذلك تحديداً ما حصل مع سارة التي لم يكن بمقدورها أن تصارع العادات والتقاليد الإماراتية أو أن تتنحى قليلاً في دراستها التي أخلصت لها منذ نعومة أظفارها.

روح عالمية

في أوبرا «كلنا خليفة» تماهت سارة القيواني بحيوية النجوم على مسرح ترقبه آلاف العيون وتحيط به آذان كثيرة، فللمرة الأولى في دولة الإمارات تسطع أوبرا (محلية بروح عالمية) متغنية بالوحدة والإنجازات التي شهدتها الدولة تحت ظلال القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وإخوانهما أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، حتى تبوأت الدولة مكانة إقليمية ودولية مرموقة ومشهودة.

سارة القيواني التي أخلصت منذ سنوات عمرها المبكرة للدراسة والموسيقى، تقف الآن على مسافة قصيرة جداً من نيل شهادة الدكتوراه، وهي من قبل أتمت في مدرستها ثماني مراحل دراسية في فنون الموسيقى العالمية، ناهيك عن كونها عازفة متميزة على آلتي البيانو والكمان، حيث تقول إنها حظيت بشرف الغناء بثوب الأوبرا الوطنية الهادفة وفي مناسبة مشهودة هي الأعز والأغلى على نفوس الإماراتيين والعرب عموماً.

وتلك المحطة القصيرة والمهمة في حياتها المهنية والفنية، عوضتها عن سنوات عديدة من الاحتفاظ بفنها الذي أجادته هواية وموهبة وتعليماً في الإمارات وفي بريطانيا، سواء كان ذلك في العزف أو في قراءة وكتابة النوتات الموسيقية أو في التدرب على الغناء الأوبرالي الذي يعد واحداً من أرفع وأسمى الفنون الغنائية في المجتمعات المتقدمة، كيف لا وصاحب هذه الموهبة قد يمنحها من عمره سنوات عديدة قبل أن يعتلي مسرح الأوبرا، كما توضح سارة.

كلنا خليفة

في دبي حيث تكاتفت الجموع للاحتفال بذكرى الاتحاد، كانت لسارة إطلالة مختلفة وهي تصر على الحضور الأوبرالي الأول والمتميز في ظل احتفالات ضخمة وجدت بمناسبة اليوم الوطني لدولة الإمارات..

بدأت سارة بأداء أوبرالي عالمي باللغة الإيطالية وتحديداً بأغنية «الأميو»، فتفتحت أعين الحضور وسكنت آذانهم على أنغام غنائية وصوت عذب يمتد في أفق حديقة فندق بارك على مقربة من برج خليفة الأعلى في العالم، قبل أن تنتقل لأداء أغنية أوبرالية وطنية حملت اسم «كلنا خليفة»، وتمازجت فيها الكلمات مع الألحان الوطنية والمعبرة.

وتوضح سارة أنها لم تباشر الغناء الأوبرالي من قبل لشدة حرصها على أن هذا النوع من الغناء لا بد أن يظل راقياً وسامياً، وهو بحاجة إلى جمهور ذواق ومتحمس للفن والموسيقى العالميين، لكنها وحينما اعتلت خشبة مسرح الاحتفالات بمناسبة اليوم الوطني، بدت الفرصة مواتية بالنسبة لها لمخاطبة جمهور إماراتي وعربي وأجنبي جاءوا لتجديد الولاء والانتماء لدولة الإمارات واتحادها وقادتها، فحينما انطلقت بصوتها الأوبرالي الذي يحظى بتصنيف عالمي رفيع حسب مؤشرات الفن والغناء الأوبرالي في بريطانيا، وجدت انبهاراً وتجاوباً سريعاً من الجمهور الذي التفت سريعاً إلى فقرة فنية وطنية لم تدخل ضمن الأجندة المتوقعة للحضور ولم تخطر على بال أحد من المتواجدين.

حلم الأوبرا

تلك التجربة الرفيعة والكم الهائل من المديح والإطراء الذي وجدته سارة القيواني بعد أن أنهت فقرتها الأوبرالية المتشبثة بروح الوطن والاتحاد، أحيت فيها الأمل للاقتراب من حلمها في جعل الأوبرا فناً يروق للمواطنين والعرب .

كما هو الحال بالنسبة للأوروبيين، لا سيما وأنه يعتمد على أداء فني وموسيقي كلاسيكي من الصعب على الكثيرين إجادته دون تعب وعناء يمتد لسنوات عديدة، وبحكم أن الجمهور الإماراتي كان أكثر المعجبين بالأداء الأوبرالي للفتاة الإماراتية تلك، فذلك تطور يمنحها الثقة في أن تقترب أكثر من حلمها الفني الذي لطالما احتفظت به في داخلها وهي طفلة على مقاعد الدراسة.

حالة التفاؤل التي حظيت بها سارة بعد تجربتها الأوبرالية الوطنية الناجحة عززت فيها روح الطموح والإصرار التي كما يبدو للعيان ظلت شبه مدفونة تحت أكوام من التردد والإحجام عن ممارسة مثل هذا النوع الراقي من الفن الموسيقى خوفاً على ضياع مغزاه في حضرة جمهور لا يقدر مسمى الأوبرا.

لكن المردود الإيجابي الذي وجدته فقرة سارة الفنية والوطنية على خشبة مسرح احتفالات اليوم الوطني دفعت لديها طموحاً أكبر في أن تسعى بجدية ربما تكون أوفر حظاً للوصول إلى حلم إنشاء مركز موسيقى للفن الراقي يكون على هيئة دار للأوبرا في دبي والإمارات، لكون مثل هذا الفن كما تقول لا يصلح أن يؤدى في الفنادق أو في الأماكن الأخرى التي تصلح لفعاليات فنية عديدة.

«شامل هاوس»

في حياتها الأكاديمية والفنية، حظيت سارة القيواني بدراسة العديد من التخصصات، بدأت بالكيمياء ثم التجارة والإدارة التجارة من جامعة «إمبريال كولج لندن»، ثم ماجستير ودكتوراه في العلاقات الدولية والتاريخ السياسي وتاريخ المرأة في الشرق الأوسط من جامعة «إل إس إي» في لندن، ناهيك عن محطاتها الدراسية والتدريبية العديدة في فنون الموسيقى الكلاسيكية وفي فن الأوبرا تحديداً، لا سيما وأنها تمتلك صوتاً غنائياً يرتقي حسب وصف الأخصائيين العالميين إلى خشبة المسرح الأوبرالي عن جدارة واستحقاق..

وكل هذه المسميات منحتها الثقة والمعرفة والثقافة والصبر واحترام الغير كما تؤكد، خاصة وأنها قادرة على أن تغني بالعديد من اللغات العالمية، كما أنها تجيد التحدث بأربع لغات هي العربية والإنجليزية والفارسية والفرنسية، وكما توضح سارة فإن الموسيقى تزيد من قدرة الشخص على التركيز والصبر والكفاءة والإبداع.

كل تلك المعارف التي جمعتها سارة القيواني في حدود عشر سنوات من عمرها، منحتها الثقة في السير قدماً في حياتها المهنية، حيث عادت مؤخراً إلى دبي وأنشأت منتجها الفني والتجاري والأكاديمي الذي حلمت به طويلاً، وهو «شامل هاوس» الذي تطمح من خلاله إلى إنتاج مشاريع فنية ووطنية ضخمة تخدم بها بلدها الإمارات، وتعزز فيها روح المحبة والتفاهم والانسجام، وقد بدأت مؤخراً القيام بمهمات فنية متنوعة عبر منتجها الجديد في عالم التجارة والأعمال.

والجدير ذكره أن سارة ستعود قريباً وفي غضون أيام قليلة لتسلم شهادة الدكتوراه من بريطانيا والتي تحدثت فيها عن تاريخ المرأة في الشرق الأوسط خلال مسيرة ممتدة على مدى ألف عام.

الولاء للقيادة والوصول إلى العالمية والريادة

وقع اختيار اللجنة المنظمة لفعاليات احتفالات إمارة دبي بالذكرى السنوية التاسعة والثلاثين لليوم الوطني لدولة الإمارات تحت عنوان «كلنا خليفة» على الفتاة الإماراتية سارة جاسم القيواني لأداء فقرة فنية غنائية مختلفة تخدم فكرة الاحتفال الوطني بشعار الولاء للقيادة والالتزام بالعالمية والريادة.

وأدت سارة أوبرا وطنية بحضور نجومي لافت وبإحساس تداخلت فيه الملامح العالمية مع البصمات المحلية، وهو ما حاز على كمية كبيرة من الإعجاب والفخر لدى الجمهور من مختلف الأطياف، لا سيما وأن الأغنية الأوبرالية الفريدة جاءت باللغة الإنجليزية، ونجحت كلماتها المنتقاة في مداعبة شعور مكنون في حب الوطن والقيادة، وطرق أحاسيس إماراتية وعربية وحتى أجنبية، لا سيما وأنها نطقت على لسان واحدة من مبدعات الفن العالمي الرفيع «الأوبرا» وبذلك تمكنت إمارة دبي وبوسيلة الغناء الأوبرالي من إيصال رسالة عالمية مضمونها الحب والولاء والانتماء وغلافها المحلية والعالمية.

دبي ـ عنان كتانة