منذ زمن قديم ونحن نتعلم بأن «العقل السليم في الجسم السليم»، وان الرياضة بوابة واسعة للحصول على جسم صحي وسليم قادر على مواجهة الأمراض ومقاومتها، ولكن يبدو أن البعض قد فهم الرياضة بأنها عبارة عن عضلات «منفوخة» يقصد منها جذب الانتباه وإدخال الرهبة في قلوب الآخرين.
ومن المتعارف عليه بأن الوصول إلى عضلات «منفوخة» يتطلب وقتاً طويلاً من التدريب، وذلك لأن العضلة تتمدد بحدود معينة وتكبر إلى حدود معينة وبعد ذلك تتوقف، ولكن ما نلحظه اليوم أن العديد من الشباب خاصة المراهقين منهم استطاعوا الحصول على عضلات منفوخة بوقت قصير.وذلك بعد تناولهم لعدد من الهرمونات الكيميائية التي تعمل على «نفخ» العضلات بطريقة ملحوظة، والمشكلة أن العديد من هؤلاء الشباب لا يدركون بأن مثل هذه الهرمونات قد تكون بداية لطريق الموت المفاجئ أو الإصابة بعدد كبير من الأمراض الخطيرة، وهو ما يتطلب منا الوقوف طويلا أمام هذا الواقع وتوخي الحذر، خاصة وان الكثير من الشباب من مرتادي الصالات الرياضية أصبحوا «مهوسيين» بهذه المواد نظرا لأثارها الواضحة للعيان.
خطورة هذه الهرمونات لا يتوقف عند نفخ العضلات بصورة غير طبيعية، وإنما يكمن في الأمراض التي قد تسببها ومن أبرزها العقم وتحويل الشخص إلى عدواني لا يحتاج لأكثر من دقائق لاستفزازه، بالإضافة إلى أنها تقود إلى أمراض الكوليسترول وتحول الجسم إلى عرضة دائمة للإصابة بالجلطات القلبية والدماغية.
عدم معرفة
وعن رأيه في هذه الهرمونات، قال «غويلوم ماريول»، كبير المدربين لدى «تكنوجيم»: «بالتأكيد أن الأشخاص الذين يتناولون مثل هذه المواد بهدف تكبير عضلاتهم سيشهدون آثاراً جانبية عديدة في المستقبل، وقد يكون تقلب المزاج والسلوك العدواني والشعور بتهج في الجلد من أقل هذه الآثار، إلى جانب أن انتشار الدمامل والحبوب يعتبر أمراً شائعاً بين مستخدمي هذه المواد، لأن الجسم بمجرد تناولها سيعطي إشارة إلى الدماغ لإيقاف إنتاجها الطبيعي.
وبتقديري أن الخطورة في هذا الموضوع تكمن في عدم معرفة الشباب للخطر الذي يتربص بهم نتيجة لتناول الهرمونات وما تسببه من أمراض والتي عادة ما تظهر في المستقبل»، وقال:
«يجب على المتدرب أن يدرك بأن تكبير العضلات يحتاج إلى وقت طويل من التدريب المستمر الذي يعمل على تمديد العضلة بشكل تدريجي حتى تصل إلى أقصى حدودها لتتوقف بعد ذلك، إلى جانب التغذية الصحية، حيث يجب على الرياضي تناول ما بين 4 ؟ 5 وجبات يومياً.
ولكن المشكلة التي نلمسها في الصالات الرياضية أن الكثير من الشباب يسعون إلى تكبير عضلاتهم بأقل وقت زمني ممكن وهذا غير معقول، وهو ما يدعوهم إلى التوجه لتناول الهرمونات التي تعمل على نفخ العضلات بصورة غير طبيعية، علما بأن تناول الهرمونات والمنشطات أمر محظور على الرياضيين، وإذا اكتشف تناول احدهم لأي كمية مهما كانت صغيرة يتم معاقبته واستبعاده من البطولات، وأحيانا كثيرة تؤدي إلى الطرد بحكم الاتفاقيات الدولية التي تحظر ذلك».
تصنف هذه الهرمونات ضمن قائمة الممنوعات وبالتالي لا يمكن الحصول عليها من الصيدليات إلا بوصفة طبية دقيقة تبين مدى حاجة المريض أو الشخص لها، وقد أكدت بعض الدراسات أن هذه الهرمونات قد تسبب الإدمان وبالتالي يجب الإقلاع عنها بشكل فوري.
وبالتأكيد أن الرياضة تلعب دوراً مهماً في مساعدة الشخص للإقلاع عنها، وحول أبرز البرامج الصحية التي يمكن للشاب الاعتماد عليها للحصول على جسم سليم بعد الإقلاع عن هذه الهرمونات، قال ماريول:
«بلا شك أن التوقف عن تعاطي هذه الهرمونات يكون صعبا في بدايته، وقد يحتاج الشخص إلى المساعدة الطبية إلى جانب ضرورة وقوف عائلته إلى جانبه حتى يتمكن من التخلص من آثارها، وننصح كل من يتوقف عنها بضرورة الانضمام إلى مجموعة جديدة من الأصدقاء والابتعاد عن الصالات الرياضية التي قد يتوفر فيها من يشجع على استخدام الهرمونات.
كما ننصحه بممارسة رياضة مختلفة وبعيدة عن رفع الأثقال لأن ذلك سيساعده على الابتعاد عن كل الأشياء التي كانت تحضه للعودة إلى تعاطيها مرة أخرى، كما يجب على الشخص إتباع نظام غذائي جيد وغني بالمواد التي تعمل على تخليص الجسم من الشوائب الكيميائية نتيجة تعاطي الهرمونات».
ودعا ماريول الشباب للتدرج في حمل الأثقال لتجنب إصابة العضلات بالإجهاد أو التمزق، كما دعاهم إلى ضرورة تناول البروتينات والكربوهيدرات والدهون غير المشبعة الأحادية والأحماض الأمينية والتي تتوفر أنواع مختلفة من الأغذية.
مواد كيميائية
في المقابل، يعرف لنا الدكتور أمين الشوابكة، اختصاصي الأمراض العصبية في مستشفى ميد كير بدبي الهرمونات بالقول: «هي عبارة عن مواد كيميائية مصنعة تشابه في عملها، عمل الهرمونات الموجودة في الجسم .
وهي مواد غير طبيعية وتختلف عن بعضها البعض، وأشهرها هرمون «التستستيرون» الذكري الذي يعمل على إضفاء صفات الذكورة على الجسم ويساعد على نمو الأعضاء الذكرية وتضخيم الصوت ونمو الخصيتين والعضلات، وكذلك هرمون «الأناباليك ستيرويد» الذي يشبه عمل هرمون النمو الذي تفرزه الغدة النخامية في الدماغ، ومن أهم وظائفه إضافة الطول والنمو الطبيعي للجسم».
وحول أبرز هذه الآثار قال د. الشوابكة: «أثارها تختلف من سن لآخر، فإذا تناولها شخص تحت سن 16 عاماً، فإنها ستؤثر بشكل مباشر على نمو المراهق الطولي وتسبب حالة من توقف النمو نتيجة لدخول الهرمونات المصنعة إلى الجسم والذي يقوم اتوماتيكيا بإرسال إشارات للدماغ بعدم إفراز الهرمون الأصلي بسبب وجود هرمون مشابه له، وهو ما يعني توقف الدماغ عن إفراز الهرمون طبيعياً.
ويجدر بنا العلم بأن هرمون النمو المصنع لا يعمل على تطويل الجسم، ولكنه يؤثر في نمو العضلات ويعمل على تضخيمها من خلال تسريع نمو الألياف العضلية»، وأضاف:
«إذا كان الشخص اكبر من 16 عاماً، فالهرمونات تؤثر على عدة أجزاء من الجسم، بدءاً من الجهاز التناسلي للرجل، لأن هرمون «التستستيرون» المصنع يؤدي إلى ضمور في الأعضاء التناسلية .
ويمكن أن يؤدي إلى العقم، وضعف في أداء وعمل الخصيتين، كما تؤثر هذه الهرمونات على الجهاز العصبي، حيث تحدث تشجنات عصبيه وتهيج عصبي بأن يكون الشخص عصبياً طوال الوقت، كما يعمل على تقوية السلوك العنيف لدى متعاطي الهرمون، وأشارت بعض الدراسات إلى أن متعاطيها يكون شارد الذهن طوال الوقت، ويمكن أن تؤدي إلى إصابته بانهيارات عصبية».
كما دعا إلى تشديد الرقابة على الصالات الرياضية التي قد توفر بيئة خصبة لتعاطي الهرمونات، ومنعها من العمل حتى لا يؤثر ذلك سلبا على الشباب.
أنواع عديدة من الهرمونات و«غروث» الأغلى ثمناً
عديدة هي الحالات التي تأثرت نتيجة لتناولها الهرمونات المختلفة، والتي كانت تبحث في يوم من الأيام عن عضلات «مفتولة» وعملت على تغيير جسمها من خلال هذه الهرمونات، ويعتبر الشاب خالد آل علي، إحدى الحالات التي فتحت صدرها لنا وتحدثت عن خطر الهرمونات التي يتناولها الشباب، خاصة.
وأن لخالد باع طويلة في الصالات الرياضية، حيث بدأ بالتدريب وارتياد الصالات الرياضية منذ العام 1986، وبقي منتظماً في ذلك حتى العام 1997، حيث اضطر إلى التوقف لفترة عن التدريب بسبب إصابته بحادث، وما أن تعافى منه حتى عاود التدريب مرة أخرى.
وهو يعمل حاليا على تدريب عدد من الشباب ويساعدهم في وضع برامج تدريبية خاصة بهم، كما تمكن خلال هذه الفترة من تكوين خبرة عالية في مجال الهرمونات ومدى تأثيرها على الشباب، خاصة وأنه جرب بعضها بنسب بسيطة جداً، وتوقف عن ذلك، وهو يعمل حالياً على توعية الشباب وحضهم للابتعاد عن الهرمونات التي قد تودي بحياتهم في لحظة من اللحظات.
يقول خالد عن تجربته: «أحياناً كثيرة أشبه الهرمونات التي يتناولها الشباب بالسيارة التي يتم تزويدها، فالهرمونات تؤثر كثيراً على الجسم بالضبط كما يؤثر التزويد على السيارة ويقلل من عمرها الافتراضي، وذلك لأن الهرمونات تعمل على مضاعفة طاقة الجسم، وفي الوقت ذاته تعمل على إضعافه من الداخل خاصة إذا استمر الشاب في تناولها على فترات طويلة».
وأردف: «أعرف الكثير من الحالات التي تضررت كثيراً نتيجة لتناولها الهرمونات، فهناك من اضطر إلى الخضوع لإجراء عملية جراحية في كتفيه نتيجة لوجود صديد فيها وذلك اثر تناوله للهرمونات، وهناك من أصيب بالعقم، وفي بعض الحالات أدت إلى الوفاة.
واعرف شباب ما زال يعانون من مشكلات في الكلى والكبد وغيرهم الكثير، والمشكلة التي نعاني منها هو جهل الشباب بهذه الهرمونات وبخطورتها وكثير منهم يتطلع إلى تكبير عضلاته بأي طريقة كانت».
هرمونات الصالات
وحول أبرز أنواع الهرمونات التي يتناولها الشباب في الصالات الرياضية قال خالد: «هناك أنواع عديدة مثل «بي كابوترابين»، «سوستانون»، وهرمون «غروث» (النمو)، و«هورس»، و«ايكي بويز»، وغيرها ولكن أشهرها هو هرمون «غروث» (النمو).
وهو يعتبر الأعلى سعراً بينها، ويقوم الشباب بحقنه في البطن وتحديداً أسفل القفص الصدري، ويصل ثمن العشر حقنات (بحجم 200 مل للواحدة) إلى 2000 درهم أو أكثر في بعض الأحيان، ومعظم هذه الهرمونات تأتي من الصين ومصر وباكستان والهند وتايلندا.
وأغلب الشباب يتناول هذا الهرمون قبل دخولهم للبطولات، لأنه يساعد على حبس السوائل وعدم خروج الطعام من الجسم، في المقابل هناك هرمونات عادية يتراوح ثمنها ما بين 60 ؟ 70 درهماً للإبرة الواحدة، ويجب أن يُحفظ الهرمون في مكان بارد طوال الوقت».
وأشار خالد إلى أن معظم مدربي الصالات الرياضية هم الذين يحضون الشباب على تناول الهرمونات، خاصة وأن بعضهم يعمل على ترويج هذه الهرمونات بينهم نظراً لما تدره من دخل إضافي عليهم.
، وقال: «أعتقد أن السبب الرئيسي الذي يجبر المدربين على ذلك هو ضعف رواتبهم وبالتالي فإن ترويج الهرمونات يساهم في مضاعفة دخلهم الشهري لثلاث مرات، وخطورة الموضوع لا تكمن في تناول الشباب للهرمونات فقط، وإنما في الأماكن التي يتناولونها فيها.
والتي غالباً ما تكون غرفاً تفتقر لأساسيات النظافة والصحة، بالإضافة إلى أنه لا يُعرف إن كانت الحقن المستخدمة معقمة أم لا، الأمر الذي قد يضاعف من خطر الهرمون، إلى جانب أنهم لا يحرصون على إعطاء الشاب الفيتامينات اللازمة التي تعمل على تنظيف الكبد والكلى من آثار الهرمون بعد الانتهاء من كورس الهرمونات.
القانون الاتحادي يحظر الاستيراد العشوائي للمستحضرات الطبية
شهدت الإمارات في يونيو الماضي عملية ضبط لمحاولة تهريب 33 ألف حقنة هرمونات حاولت شركة إدخالها إلى الدولة عبر مطار أبو ظبي الدولي تحت مسمى أقمشة، وصنفت تلك الشحنة تحت ما يندرج علمياً باسم «الأندروجنيات»، وتحمل تصنيف الهرمونات الستيروئيدية المذكرة.
ويتمثل تأثيرها الابتنائي في ما يتصل بالبروتين والنمو، ويستخدمها بعض الرياضيين الذين يمارسون رياضة كمال الأجسام من الجنسين، وهي تعتبر من أخطر المنشطات، لأنها سريعة المفعول على زيادة ضخامة العضلات والتنشيط البدني. ومن أبرز آثارها اختلال التوازن الهرموني وتحفيزه للميول العدوانية.
وتوضح المادة 40 من القانون الاتحادي لسنة 1983 في شأن مهنة الصيدلة والمؤسسات الصيدلانية، بأنه لا يجوز لأي شخص أن يستورد أدوية أو مستحضرات صيدلانية أو مواد كيماوية من أي نوع، ما لم يكن مالكاً لمستودع أدوية مرخص، وحصل على إذن باستيرادها من وزارة الصحة، وفق أحكام هذا القانون.
كما أنه لا يجوز التخليص جمركياً على الأدوية أو المستحضرات الصيدلانية أو المواد الكيماوية المستوردة ما لم يكن إذن الاستيراد مرفقاً بمعاملة التخليص وفقاً للقانون.
اتفاقية دولية لمكافحة المنشطات الرياضية
اعتمد المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو بالإجماع في دورته 33 والمنعقدة في العام 2005 الاتفاقية الدولية لمكافحة المنشطات في مجال الرياضة، وكانت هذه أول اتفاقية لمكافحة تعاطي المنشطات تأخذ الطابع الدولي.
وكان الغرض من الاتفاقية هو تنسيق الجهود المبذولة على امتداد العالم في سبيل مكافحة المنشطات، وإيجاد إطار قانوني يساعد الحكومات على استئصال تعاطي المنشطات في الأنشطة الرياضية المختلفة، بالتعاون مع المجتمع الرياضي.
ودعت الاتفاقية إلى ضرورة تقييد توافر واستخدام العقاقير والوسائل المحظورة على اللاعبين، إلا إذا ثبت استخدامها لأغراض طبية، كما دعت إلى ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الاتجار بها، ودعت إلى تسهيل عملية مراقبة تعاطي المنشطات، وتشجيع البرامج الوطنية في مجال مكافحة المنشطات، وشددت الاتفاقية على ضرورة توقيف المساعدات المالية التي تقدم إلى اللاعبين والى الطاقم الرياضي في حال انتهاكهم لنظام مكافحة المنشطات.
غسان خروب

