تشكل المضادات الحيوية الدرع الوحيدة التي تحمينا من هجمات البكتيريا الخطرة، ولم يفكر الإنسان في ابتكارات جديدة منذ سبعين عاماً على هذا الصعيد، لأن المضادات الحيوية تكفلت بالقيام بمهمة صد الالتهابات والأمراض عنا بفعالية إلى حد كبير، غير أن الأجيال الجديدة من البكتيريا لم تعد تستجيب للكثير من تلك المضادات، خذ مثلاً بكتيريا «أن دي أم-1»، التي سميت هكذا على اسم الإنزيم الذي تفرزه البكتيريا.
وهو قادر على تدمير المضادات الحيوية، فهي لا تستجيب سوى لنوعين من المضادات الحيوية، أحدها له تأثيرات جانبية بالغة السوء، والآخر فعال لكن بشكل جزئي فقط، وهناك نوع آخر من البكتيريا يدعى «إم آر أس أيه» لا يستجيب سوى لخمسة أنواع من المضادات الحيوية.
لكن التهديد الحقيقي الذي تواجهه أجسامنا لا ينحصر في البكتيريا المقاومة للمضادات نفسها، وإنما في انتشار تلك المقاومة عبر اختلاط تلك الأنواع بأنواع أخرى من البكتيريا والتقاط تلك الأنواع لجزء من الحمض النووي لتلك البكتيريا العنيدة المحتوية على جين مقاومة المضادات، فعندما تم التعرف، لأول مرة، على بكتيريا «إن دي إم-1» كانت تعيش في القناة الهضمية للمرضى بكتيريا أخرى، تدعى «إي كولي»، وكانت مقاومة لكل أنواع المضادات الحيوية، وربما تكون «إن دي إم-1» قد اكتسبت العناد منها .
وفي دراسة أجراها فريق من علماء الوبائيات بقيادة دكتور تيم والش من جامعة كارديف البريطانية تبين أن مرض الكوليرا أصبح من المتعذر علاجه بسبب اتصال البكتيريا المسببة له بجين بكتيريا «إن دي إم-1»، وهذا ما دفع القائمين على الدراسة لكتابة مقالة بعنوان:
«هل هذه هي نهاية المضادات الحيوية؟»ويجيب والش عن هذا السؤال بـ «نعم» حيث أنه يرى أنه سيأتي وقت على الإنسان تصبح فيه كل أنواع البكتيريا مقاومة للعلاجات الراهنة، فعلى سبيل المثال، يتعذر علاج المصابين ببكتيريا «إن دي إم -1» في الوقت الحالي، ولا أمل يبرز في الأفق لحل هذه المشكلة.
وحتى لو تم ابتكار عقاقير جديدة، فإنها ستكون حلاً مؤقتاً فقط، لأن البكتيريا ستعتاد المضاد الجديد بعد فترة من الزمن، وتطور نفسها لمقاومته، ويضيف والش أن العالم بحاجة الآن لخمسة إلى عشرة أدوية للقضاء على «إن دي إم-1»، وبدون ذلك فإن الأدوية التي كانت تضمن إجراء العمليات الجراحية دون حدوث التهابات ستصبح جزءاً من التاريخ خلال عشرين عاماً فقط.
لهذا فإن علماء الأحياء المجهرية يعدون لذلك المصير المحتوم من اليوم، ويراكمون العقاقير لمواجهة البكتيريا المقبلة، أما دكتور دانيال كادوري من جامعة طب نيوجيرسي فيلتمس منهجاً آخر، وهو مقاومة البكتيريا بالبكتيريا.
حيث يعكف في مختبره على «تدريب» أنواع من البكتيريا لافتراس أنواع أخرى مسببة للالتهابات، ويسعى للتعرف على الأنواع المفترسة للأنواع الأخرى وتصنيفها، ليتم استخدامها في المستقبل في مهاجمة الالتهابات.
وتعتبر هذه البكتيريا الضارية أقرب شبهاً بالطفيليات منها بالحيوانات المفترسة، فهي تجد أجناساً من البكتيريا ذات طعم مميز بالنسبة لها، فتسكن داخلها، وتتغذى على أحشائها، وبمجرد أن تنتهي من هذا تنقسم قبل انتقالها إلى الخلايا المجاورة، وتموت دون أن تلمس أياً من خلايا الإنسان.
هذه الطريقة في العلاج لها فائدة أخرى أيضاً، فالمضادات الحيوية تشجع البكتيريا على تطوير أجيال مقاومة للعقاقير، لكن هذا الأمر لا يحدث عند العلاج بطريقة كادوري.
غير أن السؤال الملح هنا هو: هل تنجح الاستراتيجية الجديدة في العلاج بالقضاء على البكتيريا العنيدة، مثل «إن دي إم-1» ؟ يجيب كادوري بالقول: «إن هذا ممكن، وذلك عن طريق دمج هذه الإستراتيجية بأنظمة العلاج الأخرى، أي أنه يمكن القضاء على 99% من الالتهاب الأولي عن طريق البكتيريا ذاتها، ثم يمكن اللجوء للمضادات الحيوية الفعالة لإكمال المهمة» ، ويرى كادوري أنه بهذه الطريقة لن تتمكن البكتيريا من تطوير نفسها لأن أعداءها في هذه الحالة أصبحوا متعددين.
