في كل يوم يطل على مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة يجتمع أبناؤه في غرفة لا يزيد طولها على ستة أمتار وعرضها عن الخمسة، في وسطها وضعت طاولة كبيرة عليها ألواح خشبية صماء.

وقد توزعت حولها العديد من الآلات الكهربائية التي تستخدم عادة في أعمال النجارة، وما أن تلج «الورشة» حتى يقابلك العم رضا علي المسؤول عنها بابتسامة كبيرة تتناسب مع كبر سنه، ويبدأ بعبارات الترحيب اللطيفة.في الغرفة ذاتها اعتاد عدد من طلبة المركز على الاجتماع في كنف العم رضا، ليتعلموا منه طرق قص الخشب وإعداده بأشكال مختلفة، في المقابل اعتاد عليهم العم رضا ويعاملهم كأولاده، خاصة وأن لكل واحد منهم طريقة خاصة في التعامل تختلف عن الآخرين.يجتمع في هذه الورشة كل صباح 30 طالباً نصفهم من البنات لمدة ساعة ونصف يتعلم فيها الأولاد مبادئ النجارة، فيما تتعلم الفتيات أعمال الديكور وهو ما يجعل أعمالهن مكملة لما ينجزه الأولاد.

ثلاث سنوات وعن هذه الورشة يحدثنا العم رضا، حيث يقول: «بدأنا العمل في قسم التأهيل المهني قبل ثلاث سنوات، وفيه نتعامل مع الفئة العمرية ما بين 14 - 20 عاماً ممن يعانون من إعاقات مختلفة مثل متلازمة داون والتعلم البطيء والتخلف الدراسي.حيث ينضم هؤلاء الطلبة إلينا بعد إنهائهم للتأهيل الأكاديمي، وبدورنا نقوم بتعليمهم طرق النجارة المختلفة والصباغة والتعامل مع الآلات الكهربائية المختلفة، إلى جانب التعرف على أدوات القياس المختلفة واستخدامها». وأضاف: «أول ما نبدأ به مع الطالب بعد دخوله القسم هو تدريبه بشكل تدريجي على التعامل مع الأرقام، ونقوم في البداية بتعليمه من 1- 5.

وبعد إتقانها ينتقل إلى المرحلة الثانية وهي من 5 - 10 وهكذا حتى يتعرف ويتقن جميع الأرقام، ونتعمد تعريفه على هذه الأرقام لأن الأعمال الخشبية تعتمد على قياسات معينة، إلى جانب أن الطالب يجب أن يتعرف عليها لأن جميع الآلات الموجودة لدينا مزودة بأدوات قياس .

وبالتالي يجب على الطالب التعامل معها أثناء عمله على أية آلة». يتعامل العم رضا في هذا القسم مع مختلف الطلبة المعاقين من أبناء مركز راشد، وقال: «إنهم لا يتشابهون في قدراتهم، فبعضهم سريع التعلم والبعض الآخر بطيء، ولذلك يخضع كل واحد منهم إلى برنامج تدريب معين تطول مدته أو تقصر بحسب قدرات الطالب العقلية والجسدية».

الأمن والسلامة

في قسم التأهيل المهني يتعلم الطلبة في البداية كافة شروط الأمن والسلامة التي تحفظهم أثناء تعاملهم مع المعدات الكهربائية واليدوية التي يحتاجونها لإنجاز أعمالهم الخشبية المختلفة، بعد التأكد من فهمهم لكافة هذه الشروط يتم تعليمهم طبيعة المعدات الموجودة في القسم والتي يبلغ عددها نحو 46 آلة، وكيفية العمل عليها في البداية وهمياً، ومن ثم أثناء تشغيلها ويتم تعليمهم كيفية العمل عليها بحذر ويتم استعراض العديد من الأمثلة أمامهم لتوضيح خطورة هذه المعدات في حالة عدم انتباههم لها.

ويؤكد العم رضا إنه على الرغم من أن بعضهم يأخذ وقتاً طويلاً في التعلم إلا أن بعضهم استطاع أن يتقن العمل على هذه المعدات وأن يكون محترفاً، وذكر لنا أمثلة عديدة مثل طارق السراج وأحمد الشيخ المصابين بمتلازمة داون.

وعادل عبد القادر المصاب بطيف متلازمة داون، وخالد عتيق المصاب ببطء التعلم، حيث تلقى هؤلاء الأربعة تدريبا نظريا وعمليا بشكل فردي مكنهم من العمل بشكل كامل في أعمال النجارة.

بنات وصبيان

لعل أكثر ما يلفت النظر في هذا القسم أنه لا يقتصر فقط على الذكور وإنما يشمل أيضا الفتيات، حيث يتعلم فيه نحو 15 فتاة على أعمال الديكور، ويكون عادة عملهم مكملاً لأعمال الذكور، وحول ذلك يقول العم رضا:

«نقوم بتعليم الفتيات أعمال الديكور المختلفة، حيث يقمن عادة بوضع القماش داخل الصناديق التي يصنعها الشباب إلى جانب زخرفتها لتناسب الإكسسوار الذي صنعت لأجله، وتستطيع كل فتاة منهن إنتاج على الأقل قطعة واحدة يوميا»، وأردف:

«نهدف إلى تعليم الفتيات هذه الحرفة ليستفدن منها مستقبلا في حياتهن العادية، خاصة وأن هذه الأعمال لا تتطلب منهن جهداً عضلياً، وإنما تساهم في تفتيح آفاقهم وترفع من مستوى إبداعهن، كما نقوم أيضا بتعليمهن طرق تنسيق الزهور الصناعية والطبيعية بحيث يتمكنّ من العمل فيها مستقبلاً سواء في بيوتهن أو حتى في إحدى المحلات التجارية المتخصصة».

أعمال هؤلاء المعاقين تراوحت بين العلب المخصصة للمحارم الورقية وحواجز الأرابيسك الخشبية والإطارات، وعلب الإكسسوارات وكذلك العديد من القطع التراثية مثل المندوس ومداخن العود وغيرها الكثير والناظر لأعمالهم قد لا يصدق أنها من إنتاجهم، علما بأن هذه الأعمال يتم بيعها في العديد من المعارض التي يقيمها أو يشارك فيها المركز، وقد يفوق ثمن بعضها الثلاثة آلاف درهم.

إصرار على الإبداع

أثناء جولتنا في قسم التأهيل المهني كان عادل عبد القادر منشغلاً بتجهيز إحدى القطع الخشبية التي تبين لنا فيما بعد أنها علبة للمحارم الورقية، اقتربنا منه وحاولنا متابعة عمله، لم يخجل من وجودنا وإنما أصر على استكمال ما بدأه، حاولنا سرقة بعض الوقت منه، ليحدثنا عن هذه المهنة فقال: «بدأت قبل مدة في هذا العمل وأنا أحبه كثيراً حيث تعلمت فيه كيفية قص الخشب وطرق القياس المختلفة، ومن خلاله أصبحت لي مهنة جيدة أعيش منها مستقبلا».

أما طارق السراج فقال: «أحب الصبغ كثيراً وقد تعلمت كيف أقوم به بعد الانتهاء من قص الخشب وتركيبه، وقد قمت بإنتاج العديد من القطع الخشبية مثل الصناديق وعلب المحارم الورقية، عموماً أحب هذه المهنة كثيرا»، في المقابل قال أحمد الشيخ:

«علمني العم رضا الكثير من طرق قص الخشب والقياس وطرق إعداد القطع الخشبية، وعلمني على جميع الآلات الموجودة في الورشة وقد أصبحت أتقن العمل عليها دون خوف ولكن أكون حذراً جداً أثناء عملي عليها»، ومن جانبه قال خالد عتيق:

«أحب العمل في هذه الورشة، وقد تعلمت فيها الكثير من الأشياء وطرق النجارة، وحالياً أصبحت أتمكن من صناعة العديد من الأشكال والصناديق الخشبية، وحاليا أصبحت لي مهنة جيدة تفيدني كثيراً في المستقبل».

تأهيل المعاقين للاعتماد على أنفسهم

لا يقتصر عمل مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة بدبي على تعليم الأطفال المعاقين، وإنما يعمل على تأهيلهم وإعدادهم، بحيث يمكن الاعتماد عليهم مستقبلاً في إحدى المهن أو الدوائر التي يعملون بها، ويعتبر قسم التأهيل المهني أحد أهم الأقسام الموجودة في المركز.

حيث يهدف من خلاله تعليم الأطفال المعاقين طرقاً مختلفة من قص الخشب وصباغته، وإخراجه ضمن أشكال مختلفة، مثل صناديق المندوس والمداخن وحواجز الارابيسك الخشبية وغيرها.

ومن جهة أخرى يقوم هذا القسم الذي يحتوي على 46 آلة كهربائية ويدوية بتعليم الفتيات على طرق الديكور، حيث يقمن بإضافة اللمسات الفنية النهائية على منتجات الأطفال، وبحسب القائمين على القسم فإن معدل الإنتاج اليومي لكل فتاة ما بين قطعة إلى قطعتين على الأقل.

يذكر أنه قبل السماح للأطفال بالعمل على أي من هذه الآلات يتم تدريبهم بشكل كامل على كافة شروط الأمن والسلامة التي تضمن سلامتهم أثناء العمل، وقد استطاع القسم أن يؤهل أربعة شباب تأهيلاً كاملاً.