عندما تم الإعلان للمرة الأولى عن عمليات تجديد مسرح شكسبير الملكي في ستراتفورد أبون آفون تساءل أحدهم عن سبب خفض عدد المقاعد بمقدار 400 مقعد، وقال إنه من المؤكد أن ذلك كان ضد مفهوم (سهولة الوصول) و(الفن للجميع). وقال مايكل بويد المدير الفني في شركة شكسبير الملكية: هذه ليست كرة قدم، من المفترض أن يكون بمقدورك سماع ما يقوله الممثلون.


لقد كان الحجم الهائل للمسرح العتيق يمثل مشكلة، منذ فترة طويلة. كانت المسافة عظيمة بين خشبة المسرح والصف الخلفي، حيث كانت أقوى الحناجر في أداء دور الملك لير أعجز من أن تصل بصوتها إلى الجالسين فيه.

ويقول راب بينيتس من شركة (بينيتس أسوشيتس) وهي الشركة الهندسية المسؤولة عن عمليات التجديد التي تكلفت 112 مليون جنيه استرليني أو ما يعادل 177 مليون دولار ربما يكون ذلك القول ملفقا. لكن أحد الممثلين قال إن التحدث بصوت مرتفع من المسرح القديم، يشبه إلقاء خطاب على مستمعين في كاليه الفرنسية من فوق صخور دوفر البيضاء البريطانية.

ورغم أن مسرح سوان الملاصق له أجريت له عمليات تطوير أيضاً، فإن التغير الأهم على مجمع المسارح، الموقر بشدة وإن لم يكن محبوبا على الدوام، على ضفاف نهر آفون طرأ على المسرح الرئيسي، الذي كان يحتوي 1400 مقعد، والذي صممته إليزابيث سكوت في العام 1927. فقد تم هدمه وحل مكانه مسرح أريد له أن يكون على طراز عصر شكسبير، ولكن بطريقة تحاكي العصر الحديث.

ويعني ذلك أن القوالب الحجرية القديمة والخرسانة الحديثة، سيوجدان جنباً إلى جنب، إضافة إلى ألواح خشبية قديمة لكنها قطعت حديثا. كما أنه سيكون هناك مسرح مخترق لصفوف الجمهور. وسيكون الممثلون الآن على بعد 15 متراً عن الجمهور في الصفوف الخلفية، وليس 27 متراً كما كان الوضع في السابق. وسيعني ذلك وداعا لأسلوب الأداء الانفعالي القديم. فقد تركزت معظم أعمال التجديد، التي استغرقت ثلاث سنوات ونصف السنة ، على تجهيز القاعة الرئيسية الجديدة لتتسع لألف متفرج، حيث سيحيط المشاهدون بخشبة المسرح من ثلاث جهات.

ويقول بينيتس على الرغم من أنه مدرج، فإن المسرح القديم كان بعيداً بطريقة تثير الاستغراب، وغير جذاب. فقد أدار ظهره إلى البلدة، حيث تظهر قوالبه الحجرية في الشوارع. ويسمي السكان المحليون مبنى سكوت باسم مصنع المربي. وبرغم غرفه وردهاته المميزة بطراز آرت ديكو، فإنه يتخذ بالفعل مظهر مبنى صناعي من ثلاثينات القرن الماضي.

ويحتفظ المجمع بتاريخ معقد. لقد سمي مسرح شكسبير التذكاري لدى افتتاحه في العام 1879، وكان وقتها قطعة متوهجة من العمارة القوطية الفيكتورية حتى دمره حريق في العام 1926، وتم افتتاحه مرة أخرى في العام 1932. وقد تم بناء مسرح سكوت على طراز آرت ديكو على تلك الأجزاء التي نجت من الدمار في الحريق. وعلى مدى أكثر من عقدين من الزمان يحتضن المجمع الآن مسرح سوان، الذي يحظى باحتفاء كبير، والذي يحتوي على 450 مقعداً، وكان قد تم إنشاؤه داخل حوائط دمرتها النيران. ومع استخدامه لإنتاج مسرحيات شكسبير الأكثر حميمية، ومسرحيات معاصريه، فقد تحول مسرح سوان إلى النموذج لمسرح شكسبير الملكي المعاد بناؤه.

وكانت شركة شكسبير الملكية قد خططت لهدم المجمع بكامله والبدء ببنائه من جديد. ولكن في العام 2003، تغيرت الأوقات والموارد المالية والطموحات والفنيات والاتجاهات المعمارية، في الوقت الذي تسلم فيه بويد زمام الأمور. وتم اختيار تجربة تميل أكثر إلى فكرة (كما تجدها أنت): تم دمج اثنين من مسارح شكسبير وسط موجة من المعمار الذي يهتم بالمشاعر، مما أدى إلى خلق كيان كلي مقنع ومؤثر. وعلاوة على ذلك، سيتم جعل المسارح القديمة تحكي قصة البلدة، وتفتح أبوابها للجمهور، بغض النظر عما إذا كانوا قدموا لمشاهدة مسرحية من نوع الملك لير، أم لا.

لقد تم تجريد مبنى سكوت من كل التراكمات اللاحقة، وتم تزويده بمدخل جديد للجمهور، يمتد ليصبح رواقاً طوبياً واسعاً يربطه مع المبنى الأكثر قدما. ويعتلي قسم مبنى سكوت الآن مطعم جديد به برج مشاهدة بارتفاع 36 متراً، وزينت واجهته بقوالب طوب مصنوع يدوياً. ويقول بينيت ( إن هذه الأعمال الحضرية التي تخطف العين، تعمل بمثابة مرساة تربط أسطولا من المباني المسرحية).

كما أنها تعمل كالصاري العملاق، أو سارية العلم، لتجذب الانتباه بفخر إلى المركز الأم لشركة شكسبير الملكية. الإطلالات من الأعلى من خلال فتحات زجاجية تنقسم إلى أربعة مناطق وكل موقع محلي يرتبط بشكسبير نفسه.

المدخل الجديد عند قاعدة البرج يقود الزائرين إلى ورواد المسرح نحو رواق بينيت وإلى ردهة المدخل الأصلي من طراز آرت ديكو، الذي يعد الآن مجرد مكان جيد التهوية. وتتدفق تلك الفضاءات بسلاسة لتكون ردهة ثانية. في هذا المكان يمشي الزائر فوق ألواح الساج الخشبية من المسرح القديم، ما يعني أنه يسير فوق الألواح الخشبية نفسها التي سار عليها أوليفييه قبل ذلك بسنوات.

يعطي مسرح شكسبير الملكي نفسه، وهو قلب المشروع، انطباعاً بالإعجاب به وبحبه. وتحيط ثلاثة طبقات من المقاعد المنجدة والمكسوة بقماش من اللون الأحمر بالمسرح المتعمق. هذا الشعور هو جارف وحميمي في الوقت نفسه، كما أنه مثير وصارخ، ويأتيك من النظر إلى تلك الروافد المنصوبة من الصلب والأخشاب غير المصقولة. وتتضافر عوامل الصوت والإثارة لتكمل الشعور. ولكن سيكون علينا، رغم ذلك، الانتظار حتى الربيع المقبل، عندما يبدأ تقديم المسرحيات على هذا المسرح، حتى يتسنى لنا الحكم عليه بطريقة سليمة.

منطقة الكواليس شاسعة، وبها غرف تبديل ملابس ذكية تشرف على نهر آفون، وتقوم شرفاتها بالتخفيف من قسوة المنظر الخارجي للقوالب الحجرية. وفي الحقيقة، فإن المجمع، وخاصة برجه، يمتلك الخاصية الجمالية المتنوعة الغنية بالألوان، التي يمكن أن تتميز بها بلدة إيطالية شبه خيالية، حيث يمكن أن تدور بها أحداث مسرحية لشكسبير. فهناك مسرحان على الطراز الفيروني. وتظهر مجموعة المباني بمظهر جميل معا، ويتمتع الرواق بالقوة والسحر. ويبدو المجمع كبلدة في حد ذاته، وبالأحرى بلدة تتناغم مع محيطها.

لقد أبلى بينيتس وفريقه بلاء حسنا من أجل تقديم الكثير من الأنماط والطرز، مثل القوطي والآرت ديكو والحديث ومحاولة دمجها في كل واحد، وخاصة كل ما يوجد فيه الصلب المنصوب والصلب الصدأ والصلب السلس كالخشب المصقول. أشياء عظيمة تستحق أن تحدث هنا، ويجب أن تلقى خطب شكسبيرية عصماء. والآن سيكون بالإمكان الاستماع لتلك الأعمال في مقاعد رخيصة.

وقد شملت عملية التجميل التي أجريت لمسرح شكسبير الملكي أكبر المسارح التابعة لشركة شكسبير الملكية دمجا دقيقا للمظاهر الأصلية للمبنى. كما يتيح البرج الجديد بارتفاع 36 مترا، والذي تم تشييده بدلا من برج آخر انهار في حريق، الفرصة لمشاهدة معالم شكسبير الخالدة في ستراتفورد.

كما شملت التجديدات تخصيص مساحات عرض جديدة وإقامة مطاعم ومقاه تهدف لاجتذاب عشاق المسرح والسائحين على السواء للمدينة الصغيرة التي تجتذب ثلاثة ملايين زائر سنويا. وقالت فيكي هيوود، المديرة التنفيذية لشركة شكسبير الملكية إن المهم الآن أنه أصبح هناك بيت معاصر للتفسير المعاصر لأعمال شكسبير، وإن فكرة المسرح تعتمد على الانغماس في تجربة الأداء التي تشاهدها.

إعداد ـ عصام بيومي