في فيلم الخيال العلمي «الهاوية» وضع البطل خوذة مليئة بالسائل، للوصول إلى أعماق بعيدة في البحر، ولم يخطر ببال أحد من مشاهدي الفيلم، على امتداد العالم، أن مثيل تلك الخوذة سيصبح حقيقة واقعة اليوم، فقد تمكن المخترع «آرنولد لاندي».
وهو جراح قلب ورئة متقاعد كان يعمل سابقاً في كلية الطب التابعة لجامعة تكساس بالولايات المتحدة، من اختراع نظام تنفس عبر السوائل لمساعدة الغواصين على الوصول إلى أعماق أبعد في المحيط، في اتجاه مغاير ربما لما يسعى إليه معظم الباحثين والمخترعين، وهو إيجاد طرق لإبقاء الغواصين تحت الماء لفترات أطول.
ويقول لاندي عن اختراعه إنه سيسمح للغواصين بالغوص إلى الأعماق السحيقة، دون أن يتعرضوا لمرض تخفيف الضغط، والذي ينتج عن ذوبان غازات النيتروجين والهيليوم في دم الغواصين، خاصة في حال وقوعهم تحت ضغط العمق الكبير للمحيط.
لهذا فإن صعد الغواص إلى السطح بسرعة، لأي سبب كان، فإن تلك الغازات تنتفخ على شكل فقاعات داخل أغشية الغواص، وتسبب له آلاماً مبرحة في المفاصل وشللاً، لهذا، فإن تنفس سائل حامل للأكسجين سيؤدي إلى إحداث توازن مع غازي النيتروجين والهيليوم، ويلغي خطر نقص الضغط.
وقد طرحت فكرة التنفس عبر السوائل بالنسبة للغواصين لأول مرة في الستينات من القرن الماضي، فالشعيرات الدقيقة في الرئتين يمكنها أن تتقبل الأكسجين المذاب في السائل إذا كان الغاز متحركاً وغير ثابت، غير أن الجسم البشري غير قادر على تنفس السائل بالسرعة الكافية لاستنشاق كميات كافية من الأكسجين، وزفر ما يكفي من ثاني أكسيد الكربون، لهذا تم التخلي عن الفكرة.
لكن لاندي لديه حل لتجاوز هذه المشكلة، فقد صمم نظاماً يتنفس الغواص من خلاله، عبر خوذة خاصة يضعها، سائلاً حاملاً للأكسجين يدعى «بيرفلوركربون».
ومن أجل مساعدة الغواص على جذب ودفع السائل عبر التنفس، فإن عليه أن يضع جهاز تهوية حول صدره، يتصل بمضخة تزيل الضغط عن الصدر لمساعدة الرئتين على تأدية الشهيق والزفير بسهولة.
غير أن الخوذة الجديدة لن تتخلص من ثاني أكسيد الكربون، وإنما النظام سيساعد الغواص على فعل ذلك مباشرة، عن طريق مجرى الدم عبر خيشوم اصطناعي مثبت على بدلة الغواص، على شكل غشاء يسمح بنفاذ الغازات، وبعد ذلك يتكفل أنبوب قسطرة مزروع في الوريد الفخذي، بإخراج الدم خارج الجسم من أجل تنقيته في الخيشوم الاصطناعي، وهذا شبيه بوظيفة القلوب والرئات الاصطناعية، ويتم امتصاص ثاني أكسيد الكربون عن طريق مادة خاصة، وبعد ذلك يعود الدم إلى الجسم مرة أخرى.
لكن هل سيستطيع الغواصون التنفس عبر سائل؟ هذا السؤال في موضعه حقاً إذ إن نظام الارتجاع اللاإرادي لدى الإنسان سيؤدي به إلى السعال مباشرة لرفض السائل، لكن لاندي يؤكد أن هذا الأمر من الممكن تجاوزه مع التدريب، وإن لم يجد ذلك فيمكن استخدام عقار لجعل القناة الهوائية أقل حساسية للسائل.
يقول «توماس شافر» من مستشفى أطفال «دوبونت» في ولاية ديلاوير، الذي يبحث في مجال التنفس عبر السوائل منذ السبعينات، إن الفكرة عملية جداً، وإنه تمت تجربتها بنجاح على الثدييات الأخرى، وقد وضع شافر غاز «بيرفلوركربون» في رئات الحيوانات.
وأرسلها إلى أعماق تزيد عن 300 متر تحت سطح البحر، ثم قام بتقليص الضغط عنها في أقل من ثانية واحدة، وهذا يعني الموت المؤكد بالنسبة لكل الثدييات، لكن الحيوانات لم تعان من أية مشكلة.
لكن السؤال المرعب هنا هو: ماذا يحدث يا ترى لو تقيأ الغواص وهو يضع تلك الخوذة المخيفة في الأعماق السحيقة؟ لا شك أن مشكلات كثيرة ستحدث، كما يعترف شافر.
وهو يقول إن هناك شائعات غير مؤكدة حول تجارب قامت بها البحرية الأميركية على بحارتها، في الثمانينات من القرن الماضي، تتعلق بالتنفس عبر السوائل، وإنه سمع تلك القصة من صديق كان يعمل في البحرية شهد تلك التجارب بنفسه، غير أنه رفض أن يتحدث عنها في العلن.
