عندما استل تشارلز ديكنز ريشته في العام 1859 ليكتب تلك الكلمات: «لقد كانت أفضل الأزمنة.. لقد كانت أسوأ الأزمنة» في رأس صفحة نظيفة، فقد كان يخط بيده بعضا من أكثر الجمل الافتتاحية خلودا في تاريخ الأدب العالمي. لقد ساعدت جملة الأديب البريطاني الشهيرة في التمهيد لروايته المشهورة عن الحب، وسط اضطرابات الثورة الفرنسية.

لكن الفقرة الشهيرة التي استهل بها روايته «قصة مدينتين» ربما لا تخلد أكثر من ذلك، إذا لم يحدث تدخل عاجل.

وقد دشن متحف «فكتوريا وألبرت» البريطاني أخيرا حملة لجمع تبرعات للحفاظ على المخطوطات الأصلية لثلاثة من أحب أعمال ديكنز، بما فيها «قصة مدينيتن». وبعدما أنقذها صديقه جون فوستر من منزله، وصلت المخطوطات إلى متحف «فكتوريا وألبرت» في العام 1876، عندما أهدى فوستر، الذي كان وكيلا أدبيا، مكتبته إلى المتحف الوليد آنذاك.

ويأمل المتحف حاليا في استعادة بريق الأصول التي لا تقدر بثمن، والتي لا تزال مقروءة، رغم أنها مبقعة، وبها خطوط تحت الكلمات، مع حلول الاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية لميلاد ديكنز في العام 2012.

ويقول جون ميريتون نائب الحارس على الأعمال المكتوبة والمصورة في متحف «فكتوريا وألبرت»: «في الوقت الحالي لا يمكن لنا عرض تلك المخطوطات بأمان، لأنها هشة للغاية، وبها أضرار.

وآخر مرة أجريت لها عمليات ترميم كانت في الستينات، عندما أعيد تجليدها ووضعها في ما يسمى «كتب حارسة». لكن ورق التقوية الذي استخدم كان، للأسف، من النوع شديد الحموضة، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالأوراق الأصلية للمخطوطات».

كما أن بعض أجزاء المخطوطات لا يمكن قراءتها لأن الأوراق تم لصقها، مما يجعل من غير الممكن الاطلاع على الصفحات اليسرى أو الخلفية.

وإذا أمكن للمتحف، الذي يواجه مثل غيره من مؤسسات التراث القومي البريطاني خفضا في الميزانية، جمع تبرعات لا تقل عن 25 ألف جنيه استرليني، فسيكون بمقدوره، بحسب القائمين عليه، حماية المخطوط الكامل لرواية «قصة مدينتين»، وهي قصة الحب بين لوسي مانيت والارستقراطي تشارلز دارناي، بالإضافة إلى المخطوط الأصلي لرواية «ديفيد كوبرفيلد» التي تحظى باهتمام مماثل، والتي نشرت في العام 1850.

المخطوطة الثالثة تخص آخر روايات ديكنز، وهي رواية «لغز إدوين دروود»، المحيرة التي لم تكتمل. وإذا تم ترميم وحفظ هذه المخطوطة فسيكون بإمكان زوار المتحف والباحثين في أدب ديكنز دراسة ملاحظات المؤلف الشخصية وتعديلاته على النص، وربما أيضا استنباط حلول خاصة بهم لواحدة من أكثر القضايا إثارة للفضول في تاريخ الأدب، والتي لم تحل للآن.

ويقول ميريتون: «يمكنك رؤية التعديلات التي أجراها ديكنز على كل قسم من الزوايا. وهذه هي الصفحات التي كان يفترض أن يسلمها إلى الطباعين لتنضيدها، قبل أن تعاد إليه النسخ الأولية المصفوفة لتصحيحها. ولدينا بعض من هذه النسخ أيضا، ولذلك سيكون بوسع الزائرين تتبع عملية التحرير التي جرت آنذاك».

ويضيف ميريتون: «إن المخطوطات لم تكن في (جودة رائعة) على الإطلاق، حيث إنها كتبت من البداية بحبر (أيرون غال) -الذي شاع استخدامه في أوروبا من القرن الثاني عشر وحتى القرن التاسع عشر- على ورق أزرق متواضع النوعية، اشتراه المؤلف من شركة دبليو إتش سميث». لكنها تبقى على كل حال جزءًا مهما من تراث بريطانيا الثقافي.

الحفاظ على مخطوطات

ويقول ميريتون: «إنه لشرف عظيم أن تكون تلك المخطوطات من بين مجموعتنا، كما أن رؤية خط يد ديكنز غير الجيد هو مثار تشويق حقيقي لي». وقد جمع المتحف بالفعل أكثر من نصف المبلغ المطلوب للحفاظ على المخطوطات.

وإذا تمكن من جمع 25 ألف جنيه استرليني أخرى، فسيكون هناك أمل في وضع كل صفحة من الصفحات على ورق مقو آخر غير حمضي، بعد أن يتم برفق التخلص من الأجزاء المطوية بواسطة البخار.

وسيحتاج المرممون أيضا إلى التخلص من كل الوسائل القديمة لربط وتقوية الصفحات، وتنظيفها من خلال عملية ترطيب بخاري مكلفة. ويضيف ميريتون: «لقد تمكنا من الحفاظ على مخطوطات ديكنز الأخرى التي في حوزتنا، وبعضها في حالة مستقرة أكثر، لكن المال نفد».

وستستخدم الـ 25 ألفا الإضافية في دفع أجر مرمم اختصاصي، وشراء ورق قلوي جديد طويل الأمد، وصناديق حافظة، ووحدات تضمن الإبقاء على مستويات منخفضة من الرطوبة حول المخطوطات. ويساند كاتب السير الذاتية والمؤلف بيتر أكرويد حملة متحف «فكتوريا وألبرت» للحفاظ على المخطوطات، وقال أخيرا إنها: «كنز لا يقدر بثمن لبريطانيا وثقافتها».

ويعتقد مديرو المتحف أنه بالإضافة إلى عرض الريش والأحبار وأدوات الكتابة الأخرى التي استخدمها المؤلف خلال تجواله في بريطانيا، فإن المخطوطات المجددة يمكن أن توفر فرصة لا تضاهى لدراسة طريقة المؤلف في التخطيط والكتابة والتصحيح.

وإذا تم إكمال العمل، فستكون الكتب جاهزة للمشاهدة من خلال مواعيد مسبقة في مكتبة الفن الوطنية، وهي أكبر مكتبة مراجع تابعة للمتحف. وستشكل تلك المخطوطات أيضا جزءا من معروضات ديكنز في مكتبة الفن القومي في العام 2012، وعنصراً من عناصر معرض «ديكنز 2012»، والذي سيكون مهرجانا دوليا للاحتفالات.

دور الصديق

ويعتقد ميريتون بأنه من دون جهود فوستر، صديق ديكنز، الذي قام بتحرير صحف، إضافة إلى إعداده عملا من مجلدين عن حياة ديكنز في العامين 1872 و1874، فقد كانت تلك المخطوطات ستذهب إلى مكب النفايات الورقية، أو ربما كانت ستحرق. ويقول: «لا أعتقد بأن ديكنز كان سيحتفظ بها على الإطلاق لو ترك الأمر له. لم يكن مهتما بالأمر بهذه الدرجة». لقد كان فوستر هو الذي رأى قيمتها وأدرك، في رأيي، أنها ستساعد في عمل سيرة ذاتية في المستقبل.

إعداد- عصام بيومي