أظهرت دراسات كثيرة أن الطاقة الذرية تستطيع تعزيز فرص البقاء على قيد الحياة، وتشفي أجسامنا من الأمراض بصورة أسرع من وسائل العلاج التقليدية. ويطالب الخبراء الآن بإعادة التفكير بعلاقتنا بهذه الطاقة.

ففي غضون العقود الستة الماضية تمثل رد فعل العالم الوحيد على الإشعاعات بالخوف منها. وأعقبت القنبلتان الذريتان، اللتان ألقيتا على ناغازاكي وهيروشيما، أربعة عقود من الحرب الباردة، ورافق ذلك التهديد بالإبادة النووية.

وتبدو فكرة الطاقة الإشعاعية كأداة قتل راسخة في أذهان الناس بقوة. وقد أثارت حمولة قطار من النفايات النووية تم نقلها بين فرنسا وألمانيا في الآونة الأخيرة احتجاجات واسعة شارك بها أكثر من 3000 متظاهر، مما أثار موجة متزايدة من الخوف. وهناك تعليمات محددة استوعبها الجميع جيدا: تجنبوا الإشعاعات بأي ثمن!.

وللتعقيب على الفيلم الكلاسيكي «دكتور سترينج لوف»، الذي قام ببطولته الممثل الراحل بيتر سيلرز، يقول الباحثون إنه حان الوقت الآن للتوقف عن القلق وتعلم حب الإشعاعات النووية، وهناك أدلة متزايدة تؤيد وجهة نظرهم.

ففي الآونة الأخيرة، أظهر الدكتور بوب بيري، وهو استشاري أشعة في مستشفيات ليدز التعليمية ببريطانيا، الأدلة التي تدعم وجهة نظره في هذا الشأن من خلال محاضرة ألقاها في جمعية الطب الملكية في لندن تحت عنوان: «توقفوا عن القلق من الإشعاعات فهي مفيدة لكم». وقال إن هدف مهمته هو استعادة المنظور الصحيح المتعلق بالجدل الإشعاعي.

والكل يعرف أن الإشعاع يدمر الكائنات الحية بمستويات مرتفعة، وهناك إجماع علمي على ذلك. ولكن ماذا عن المستويات المنخفضة؟ الاعتقاد التقليدي السائد أنه يحدث ضررا أيضا، ولكن بصورة أقل.

وعلى مدى 60 عاما فإن وجهة النظر الرسمية تنص على وجود علاقة مباشرة بين كمية الإشعاع والأضرار التي تسببها. ولكن يشكك بعض العلماء بذلك، ويفترضون أن التعرض للإشعاع يعقبه في الواقع رسم بياني منحنٍ يشير إلى توفير كميات صغيرة من الإشعاع لفوائد تصل إلى ثلاثة أضعاف المضار، تبدأ الإشعاعات بعدئذ بإحداث أضرار كبيرة.

والدليل الصارخ على ذلك يتمثل بأطباء الأشعة وفنييها، فهم يمضون حياتهم المهنية بالتعرض للإشعاعات المختلفة، سواء أشعة إكس، أو الأشعة المقطعية، وغيرها، لذلك نتوقع أن تكون لديهم نسبة مرتفعة من الإصابات بالسرطان، لكن على النقيض من ذلك فإن إصاباتهم هي الأقل مقارنة مع الاختصاصيين والأطباء الآخرين، ومتوسط أعمارهم أعلى منهم.

وباستخدام إجراءات الوقاية الحديثة، فإن الجرعة الحقيقية التي يتعرض لها أطباء الأشعة أعلى بنسبة طفيفة من مستوى الجرعة التي يتعرض لها الناس العاديون. وقد يكون هذا قدرا كافيا ليوفر لهم مزايا تجعلهم متفوقين على غيرهم من الأطباء.

وقارنت دراسة مشابهة في الولايات المتحدة بين العمال الذين يعملون في سفن تسير بالوسائل التقليدية، وأخرى تعمل بالطاقة النووية.، ولوحظ أن نسبة الوفيات لدى المجموعة الأولى تزيد كثيراً عن المجموعة الثانية، مما يدل على زيادة حصانة عمال السفن النووية.

إذن كيف يكون للإشعاعات تأثير مفيد؟ هناك أدلة علمية جيدة تقول إنه بينما تقتل الجرعة العالية من الإشعاع الخلايا الحية، فإن الجرعة الصغيرة منها تحفز الحمض النووي «دي إن إيه» على إصلاح الآليات الضرورية للمحافظة على الخلايا طوال بقاء الكائن على قيد الحياة، ويُعتقد أيضا أن الجرعة المنخفضة من الإشعاعات تخفض عدد الأيونات الحرة في الخلية، والتي تساهم في تدمير الحمض النووي والمادة الوراثية.

وعلاوة على ذلك يعتقد أن الإشعاعات تحفز الموت المبرمج، أو التدمير الذاتي للخلايا المعطوبة، قبل أن تتحول إلى خلايا خبيثة وتسبب السرطان.وعلى أي حال ومنذ العام 2000 تم تشديد التشريعات والقوانين المتعلقة بالوقاية من الإشعاعات في بريطانيا، بعكس الولايات المتحدة، ونصت تلك التشريعات والقوانين على وجوب عدم إعطاء المرضى أية جرعات إشعاعية غير ضرورية، ومع ذلك فإن المخاوف لا تزال على أشدها.

ترجمة: عمر حرزالله