ما يعرفه الكثيرون عن الفنان الإسباني خوان ميرو أنه رسام يجيد رسم المناظر الطبيعية ذات الطابع الحلمي الغامض، غير أن قلة هي التي تعرف الجانب الآخر من هذا الفنان، وهو أنه فنان وطني معتز بانتمائه إلى قطالونيا، ومتمسك بموقفه الناقد للحكم في إسبانيا.
وهذا ما ستكشفه جلياً المعروضات الفنية في معرض تيت اللندني الشهير لأعمال الفنان الإسباني الذي توفي عام 1983، والذي يعد أول معرض شامل لأعمال خوان ميرو في بريطانيا منذ عام 1964.
كما يمكن لزائر المعرض الذي سيحمل اسم «خوان ميرو: سلم الهروب»، الذي سيفتتح في أبريل المقبل، أن يتبين بجلاء مدى تأثر ألوان ميرو بأميركا الوسطى، التي سافر إليها في صباه وزار عدة دول فيها، حيث يرى النقاد أن تلك الفترة أثرت كثيراً في اختياره للألوان.
أوائل أبداعاته
المعرض سيضم 150 لوحة لميرو ستبهر زواره، معظمها لم تزر بريطانيا من قبل، ومن بين تلك اللوحات لوحة المزرعة التي رسمها عام 1921، وتعتبر من أوائل إبداعاته الفنية، لدرجة أن الروائي الأميركي الشهير إرنست همنغواي اشترى تلك اللوحة، في وقت لم يكن يملك ثمن شراء ملابس له ولزوجته الأولى هادلي، مقابل 5000 فرانك، وتبرعت بها أرملته وزوجته الرابعة ميري لصالح المعرض الوطني للفنون في شيكاغو.
وتعكس لوحة المزرعة اهتمام ميرو الكبير بالطبيعة وانغماسه فيها، ويصف الناقد ماثيو غيل ذلك بأنه محاولة من ميرو لفهم ما يعني أن تكون قطالونيا، وهذه اللوحة بالإضافة إلى لوحات أخرى مثل «رأس مزارع قطالوني»، التي رسمها في عام 1925، تكشف عن وعي ميرو الكبير باستقلال قطالونيا.
بدأ ميرو حياته الفنية رساماً للمناظر الطبيعية، لكنه في عام 1934 سافر إلى باريس، وهناك تعرف الى السوريالية وروادها، وانضم إليها، ويعتقد مؤرخو الفن أن ميرو تأثر في أفكاره بمسقط رأسه قطالونيا الإسبانية، حيث كانت تلك المنطقة وعاصمتها برشلونة التي كانت تنادي بنبذ الواقع من الفن والجنوح نحو الحلم والخيال، والتحليق في عالم اللاشعور.
لكن مع ازدياد الاضطرابات السياسية في إسبانيا واقترابها من الحرب الأهلية، بدأت ميول ميرو السياسية تميل إلى الجانب العسكري، حسبما يرى النقاد، على الرغم من أن اللوحات لم تكشف عن صور ورموز سياسية واضحة للعيان.
ويرى الناقد الفني ماثيو غيل أن لوحة «حياة صامتة وحذاء قديم» التي أبدعها ميرو في عام 1937، قدمت رموزاً للحرب الأهلية الإسبانية، ومنها شوكة الطعام البادية في اللوحة التي توشك أن تنغرز في تفاحة بعنف.
وتبرز لوحات ميرو أيضاً شغفه بالفن الشعبي الإسباني، لأنه كان يرى فيه النقاء، حيث قال عنه مرة: «كان على الدوام يسحرني إذ لا توجد فيه المساحيق التجميلية أو الخداع، لهذا فإنه يتجه مباشرة نحو القلب»، وبسبب هذه النزعة للحياة الفطرية والبساطة كانت لوحات ميرو في غالبيتها تعكس المظاهر الطبيعية للريف الإسباني، وإن احتوت على طابع خيالي.
ويقول النقاد إن خوان ميرو تفرد عن غيره من فناني السوريالية بنزوعه نحو التبسيط والاختزال، لهذا تخلى عن الرسم تبعاً لمقتضيات المفاهيم الفنية السابقة، وتخلى عن خط الأفق، الذي اعتاد الكلاسيكيون استخدامه لتقسيم اللوحة إلى مستويين بصريين، كما تخلى عن المساحات المبنية، وتحولت اللوحة عنده إلى فضاء مسطح، ما يجعل عين الناظر إلى لوحاته تنحرف عن النقطة المركزية لتصبح مشدودة إلى الفضاء الكلي، الذي ترتسم عليه الخيالات البعيدة عن المناخات الواقعية.
ابتكار
ميرو لم يكن رساماً فحسب، وإنما كان نحاتاً أيضاً، وساهم هو وبابلو بيكاسو في ابتكار فن جديد في النحت يدعى النحت التركيبي، لكن في الوقت نفسه فإن هناك اختلافاً كبيراً بين بيكاسو وميرو، فبيكاسو كان يبتكر الأشياء، مثل أن يصنع رأس ثور من مقود دراجة هوائية.
لكنه لم يكن يبحث مثل ميرو، الذي أوجد لغة خاصة به في النحت، فقد كان يستخدم قطع الأشجار المتفسخة والعلب المعدنية والحصى الصغيرة، ويجعل منها منحوتة فنية، لهذا قال صديقه خوان براتس: «عندما أجمع أنا الحصى تبقى حصى، لكن عندما يجمعها ميرو فالأمر مختلف». لهذا سيضم المعرض بعض منحوتاته، ومنها منحوتته الشهيرة سلم الهروب.
شهرة
ميرو، الذي كان يعيش في فرنسا ويعمل مع السورياليين، عاد إلى إسبانيا في عام 1940، حيث عاش في حالة من النفي الداخلي، كما يصفها الناقد الفني ماركو غرين بيرغ، أما شهرته في الخارج فقد اتسعت وازدهرت، واستمر مع هذا في ممارسة نشاطاته السياسية، ويمكن رؤية ذلك في سلسلة أعماله المسماة آمال الرجل المشجوب، التي قدمها عام 1974، وفيها يبرز شجبه لإعدام الثوري سلفادور بويغ آنتيك خنقاً.
رغم وجود هذه التعددية الفكرية والفنية في نفس ميرو، فإن الجانب الأبرز في فنه هو الطبيعة، حيث كان يقول: «أرى في مشغلي ما يشبه حديقة خضار بيتية، فأدوات الرسم تشبه نباتات الحديقة.
وأنا وسط كل هذا كالبستاني»، وهذه المقولة ألهمت القائمين على معرض آركين في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، الذي أقيم قبل سنوات احتفاء بمرور 117 عاماً على ولادة ميرو، تسمية المعرض: «ميرو.. بستاني الفن»، حيث جاء العنوان متناسباً مع أكثر من 100 لوحة ومنحوتة تم عرضها تضم في ثناياها تأثيرات الطبيعة التي لا تنتهي على الروح البشرية.
إعداد: يوسف جباعته
