مع تحول النظام الدراسي إلى الفصول الثلاثة، ومع التطور الإيجابي في استراتيجيات التعليم التي تستهدف المحافظة على مجهود الطالب واستعداده الذهني، ومع ردود الفعل المتعاقبة على النظام الجديد، والتي تشيد بنجاح هذا النظام الجديد في تخفيف التوتر والقلق النفسي الناتج عن الامتحانات..
مع كل الاعتبارات السابقة، لا يزال طلاب الصف الثاني عشر ينظرون للتجربة نظرة ترقب وقلق، ولم لا وقد وجدوا أنفسهم أمام الامتحان وجهاً لوجه ثلاث مرات سنوياً بدلاً من اثنتين، ولم تزل هناك بعض أعراض القلق والتوتر تصيب الطلاب في مرحلة ما قبل خوض الامتحان، يتساوى في ذلك الطلاب في كافة المراحل التعليمية وكل الأعمار والفئات السنية.والقلق من خوض الامتحان شعور طبيعي يساور كل طالب يبحث عن التفوق والتميز، هذا ما يؤكده خلفان الرويمة مدير مدرسة الخليج العربي المشتركة، ويضيف أن المدرسة تقوم بدورها في تقييم الطلاب من خلال الامتحان ثم تكافئ الطالب المتفوق دراسياً لتشجيعه، بينما لا تمارس ضغطاً على الطالب ليحقق مركزاً متقدماً، أو للحصول على مستوى من التحصيل، والمصلحة العلمية هي نجاحه الذي يعكس إذا حدث نجاح المدرسة والهيئة التربوية بها في القيام بدورها.
ويضيف الروينة أن الطالب الذي يبحث عن النجاح في حياته الدراسية لابد أن يشعر بالقلق، لأن شعور القلق يعني إحساسه بالمسؤولية والرغبة في القيام بدوره المنوط به في المجتمع، أما إذا زاد القلق عن المعدلات الطبيعية وإذا دخل دائرة المرض فيحتاج إلى استشارة طبيب نفسي للوصول بالطالب إلى بر الأمان، ويؤكد الروينة أن كل شخص حريص على مستقبله يشعر بالتوتر قبل الامتحان وقبل أي خطوة جديدة يخطوها في حياته، وهذه المسألة طبيعية تماماً.
طاقة محددة
يشير الروينة إلى دور الأسرة في تخفيف حدة التوتر لدى الطلاب الذي يسبق الامتحانات قائلاً إن هذا التوتر يمكن القضاء عليه إذا فهم أولياء الأمور أن لكل طالب طاقة استيعابية محددة، وهذه الطاقة يعتمد عليها في أداء الامتحان.
ولا يمكن زيادة هذه الطاقة بالضغوط أو الوعيد أو التهديد أو أي وسيلة أخرى، فقط على أولياء الأمور توضيح الأمور للطالب وتشجيعه معنوياً على خوض الامتحان بأفضل ما يمكنه من إمكانات للوصول إلى الهدف النهائي، بدون اللجوء لأية ضغوط لأن هذه الوسائل غير الطبيعية قد تقود الطالب إلى نتائج عكسية وقد تؤدي إلى فشل كل الجهود حتى بما فيها جهود المدرسة والمعلمون.
ويضيف الروينة أن حالات الرهاب التي تسبق الامتحانات تعتبر حالات فردية ولا ترتقي من وجهة نظره إلى أن نطلق عليها ظاهرة، إلا أن هذه الحالات تقودنا إلى التفكير في الحلول التي نتفادى بها اتساع رقعة من يعاني هذه الحالات.
كما أن الحلول العملية تكمن في توعية الأسرة بخطورة ممارسة الضغوط النفسية على الطالب خاصة الفترة التي تسبق الامتحان، ويؤكد على أن هناك فارقاً كبيراً بين الذكاء الفردي للطالب ومستوى تحصيله الدراسي، لكل منهما دعائم تختلف عن الآخر، بمعنى أن عدم حصول الطالب على العلامات النهائية لا يعني أنه محدود الذكاء، ولكن يعني أن تحصيله الدراسي أقل من زملائه، والعكس بالعكس، فالطالب ذو العلامات النهائية لا يعني بالضرورة أنه فائق الذكاء، ولكن يعني ذلك أنه يجيد التحصيل، وهكذا.
ارتباك الأسرة
وعن تجربته الشخصية مع أبنائه يقول عادل صالح إنه يتجنب قدر الإمكان نبرة التخويف أو الإلزام حتى لا يكون العبء النفسي على الطالب أثقل مما يجب أن يكون عليه، ويضيف أن مقتنع تماماً أن لكل طالب مستوى حقيقي ومستوى آخر يأمله منه ولي أمره، ولن يظهر في الامتحان إلا المستوى الحقيقي، إذ يظل المستوى الذي يتمناه ولي الأمر حلماً في خياله فقط ولا يستطيع الطالب تنفيذه إلا فيما ندر.
ويشير صالح إلى أن الامتحان لا يجب أن يسبب ارتباكاً في أوساط الأسرة لأن الطالب أو الطالبة يحتمي بهذه الأسرة من التقلبات المزاجية والنفسية، ويجب أن أكون عوناً لابني على فهم أبعاد المواد التي يستعد لخوض امتحانها.
كما أحاول أن أفهمه أن موضوع الامتحان يعتبر عادي جداً وحتى الكبار يخوضون امتحانات للوقوف على مستوياتهم في مجالات معينة، وأضرب له مثلاً بامتحان رخصة القيادة، وأوضح له أننا طوال الحياة نمر بامتحانات ولكن مختلفة الأنواع.
ويضيف عادل أنه يزرع دائماً في أبنائه الثقة في الله عز وجل أولاً ثم في القدرات الذاتية لكل منهم، ودائماً يقول لهم أننا نؤدي ما علينا ثم ننتظر النتيجة، وأن كلاً منهم أكبر من الامتحان ولا يجب أن يشعر بالخوف لأن هذا الشعور سوف يؤدي إلى تشتت التركيز، وبحمد الله تؤتي هذه الطريقة ثمارها ويحصلون على علامات أعتبرها مُرضية.
الأمر الواقع
ويقول عبد العليم محمد أن تجربته مع الامتحانات تختلف عن الغير، فهو يعتبر أيام الامتحانات فرصة للتعبير عن ذاته، ولا يشعر بأي أعراض للتوتر أو القلق لأنه يؤمن بضرورة حصوله على ما يستحقه، ومقتنع بأنه سوف يحصد ما سبق له أن زرعه بصرف النظر عن الكمية.
ويستنكر أن تتحول المنازل إلى مسرح للقلق والخوف سواء من جانب الطلاب أو أولياء أمورهم، وينصح الطلاب بضرورة الوصول إلى قناعة الأمر الواقع التي يفرضها الامتحان، وهي القناعة التي تعني أن القلق يعني الفشل والتعرض للأمراض النفسية والبدنية.
ويضيف أنه كان يستيقظ يوم الامتحان هادئ البال ويمارس عاداته اليومية دون أدنى اختلاف ويذهب إلى قاعة الامتحان قبل الموعد المحدد نربع ساعة فقط، ويبرر ذلك بأن الساعات التي تسبق الامتحان لابد أن يقضيها الطالب بعيداً عن قاعة الامتحان، فقط يحضر قبل الموعد بدقائق حتى لا تصيبه عدوى القلق التي تنتشر بين الطلاب الذين يقومون بمراجعة دروسهم في اللحظة الأخيرة، ويضيف أنه كان يتعامل مع الامتحان كأي نوع من أنواع التحديات التي نصادفها في الحياة، ودائماً كان يقنع نفسه أن الحياة العملية تضم تحديات أقسى وأصعب.
ويقول حامد حيدر أن الخوف من الامتحان شعور يصاحبه مع كل مرة يقترب فيها من موعد الامتحان، وكلما اقترب الموعد زاد الشعور بالقلق، وهو يفسر ذلك بأنه يشعر بالمسؤولية ولا يريد أن يخيب ظن أفراد أسرته خاصة وأنهم ينتظرون منه المستقبل المضيء ويتوقعون منه الوصول إلى المرحلة العملية من حياته وهو حامل أعلى المعدلات الدراسية، ويضيف أن أول أيام الامتحان هو الصخرة التي يتحطم عليها الخوف، بمجرد استلام ورقة الأسئلة والشروع في تسجيل الإجابات ينتهي الشعور بالخوف وينشغل بالبحث عن أفضل صياغة ممكنة للسؤال.
أساليب التعليم تزرع الخوف من الامتحانات
اعتبر الدكتور علي الحرجان اختصاصي الطب النفسي بالشارقة أن رهاب الامتحانات هو أحد أنواع القلق النفسي، يظهر لدى بعض الطلاب في توقيت متزامن مع أداء الامتحانات وتتراوح الأعراض ما بين خفيفة إلى بالغة، ويصاب الطالب أو الطالبة بهذه الأعراض نتيجة التعامل مع مسألة الاستذكار والامتحان بجدية بالغة وبحثه عن التفوق والكمال خاصة إذا كان الأهل في المنزل يدفعونه في هذا الاتجاه بقوة ويحفزونه لتحقيق مراكز دراسية متقدمة.
يضيف د. الحرجان أن أسلوب التعليم في المدرسة قد يؤدي إلى إصابة الطالب بهذه الأعراض إذا كان يعتمد على زرع روح المنافسة الشديدة بين الطلاب وتحميل الطالب مسؤولية الحصول على مركز متقدم، وفي هذه الحالة قد تكون شخصية الطالب من النوع مرتفع الاستعداد للإصابة برهاب الامتحان أو بالقلق بشكل عام، فيحدث تغير كيميائي في الجسم يؤدي إلى ظهور بعض الأعراض النفسية مثل اضطراب التركيز وارتفاع معدل إفراز العرق والتشتت في التركيز الدراسي وزيادة ضربات القلب وارتعاش في الأطراف وجفاف الفم وظهور المخاوف الشديدة من خوض الامتحان، وقد تؤدي هذه الحالة إلى رفض الطالب أو الطالبة دخول لجنة الامتحان بصورة مفاجئة أي في نفس يوم الامتحان أو قبله بيوم واحد.
ويضيف د. الحرجان أن العلاج يختلف تبعاً لشدة الحالة، فهناك حالات شديدة من الرهاب تحتاج إلى استخدام العلاج الدوائي لإعادة التوازن الكيميائي إلى المخ، وتستخدم في ذلك الغرض عقاقير علاج القلق والتوتر بجرعات منخفضة، وهي تحقق الهدف من استخدامها خلال أقل من ساعة، ولكن لا يمكن استخدامها إلا تحت إشراف طبيب متخصص.
أما الأشكال الخفيفة من إصابات رهاب الامتحان فيمكن علاجها ببعض تدريبات الاسترخاء ومن دون استخدام أية عقاقير، على أن الأهل يتحملون جزءاً من إجراءات الوقاية من الإصابة بهذه الأعراض، فلابد أن يقوم الوالدان بتفهم الجو الذي يحتاجه الطالب لأداء الامتحان.
ولا ينقلون إليه مشاعر القلق والتوتر وهواجس الفشل لأن هذه المشاعر تنتقل بالعدوى النفسية، كما يجب على الوالدين استبدال جو التوتر بأجواء احتفالية يذكرون فيها التفاؤل والنجاح، كما يجب أن يعرف الأهل أن لكل طالب طاقة وإمكانات.
وليس عليه إلا أن يؤدي ما عليه بصرف النظر عن ترتيبه أو مركزه الدراسي، كما يجب على الأهل القناعة بأن التحصيل الدراسي يعتمد على عدة عوامل ليس من الضروري أن تكون متوافرة كلها في الابن، وأي ضغوط عليه قد تؤدي إلى إصابته بأعراض القلق إذا أحس بأن المطلوب إنجازه أكبر من حدود إمكاناته.
أيمن حجازي

