رواية الكاتب الالماني ميشائيل كروغر (الكوميديا التورينية) المترجمة الى العربية عمل مميز وثري دون شك ولكنه في الوقت نفسه عمل صعب قد يكون (مرهقا) احيانا في بعض مجالاته. وربما كان من طبيعة عمل فكري نفسي من هذا النوع ان يسبب شيئا من التعب لقارئه الا ان قراءة هذا العمل في غير لغته الاصلية ودون تكيف ضروري بالعربية قد تكون سببا اضافيا في ارهاق القاريء.
في الرواية رحلة من نوع آخر الى عالم آخر وهي غوص في النفس البشرية وتعرية للفنان نفسيا وفكريا وتصويره احيانا بشكل مغرق في الانانية وعبادة الذات والاستخفاف بالآخرين الذين يبدو انه يعتبرهم خلقوا للدوران في فلكه اذا لم نقل (عبادته) بمعنى من المعاني. وهنا يجد القاريء تصويرا لمعاناة اشخاص تحمل سمات (جحيمية) من نوع آخر.
جاءت الرواية في 191 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف للفنان عادل كامل وصدرت عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في دبي بالتعاون مع مؤسسة شرق غرب في دبي ايضا. قامت بنقل الرواية الى العربية فاطمة عبد الهادي وهي جزائرية من مواليد المانيا وحائزة على شهادة الدبلوم للترجمة وعلى اجازة لتدريس الالمانية كما تعمل مترجمة ومترجمة محلفة في برلين. أما عملية تحرير الرواية (العربية) فقد قام بها الروائي والصحافي المصري سعد القرش والشاعر العراقي علي الشلاه.
انها عمل روائي يحفل بالفكري فالكاتب كما يقول سعد القرش يتمتع بسعة الخيال وبقدرة (على عجن الفلسفات والافكار) وبقدرة مميزة على اختصار كل ذلك.
البطل صاحب الصيت والذي تحول الى ما قد تصح تسميته (معبودا) لكثير من قرائه فتهافتت عليه النساء يبدو بعد عمل سنوات الزمن فيه وقد تحول الى شخص فارغ جاف من الداخل والى حالة تشبه الموت لكنه بقي محافظا على قدرته الساحقة في التحكم باصدقائه وصديقاته وجعل الجميع يخدم غايات يريدها هو.
انها علاقة اشبه بعملية تنويم مغناطيسي يسيطر فيها على النائم فيبقى هذا في حال من التبعية للبطل. انها صورة الفنان الذي نضبت قريحته وجف ابداعه فتحول الى طاغية على من حوله ليحافظ على صورته القديمة.
تبدأ الرواية من نهاية حياة رودولف الكاتب الالماني الذي اكتسب شهرة كبيرة والذي عاش في ايطاليا. عاش في تورين التي يصفها الكاتب بانها مدينة المنتحرين. لقد انتحر وأوصى بأن يتولى ادارة تركته الادبية صديقه الوفي راسما له بمكر خطا الزاميا في تحركه.
البداية في الكنيسة خلال مأتم الراحل. يقول الكاتب (يصعب التخمين كم من الناس كانوا موجودين في الكنيسة الصغيرة... المؤكد ان القاعة السفلية نصف الدائرية ممتلئة تماما. كان على الموت ان يحجم نفسه كي يتمكن من المرور... ليحصل على مكان ما...)
بعد الانتهاء من الرواية قد يجد القاريء نفسه امام قراءتين لبدايتها.. قراءة فعلية عن الموت ورائحته وقراءة رمزية عن كون حرق الجثة هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على رائحة الموت. ويبدو ان هذا ما فعله بطريقة او اخرى الصديق مدير تركة الكاتب الادبية.
في النهاية تبين للصديق ان الراحل رسم مخططا لسيرته وتجاربه اراد فرضها بعد وفاته. ومما اكتشفه الصديق في التركة رسائل عديدة من نساء دعونه الى علاقات فلبى منها ما لبى لكنه احتفظ بالرسائل التي يفترض ان تكون سرية وان تتلف وأراد نشرها بعد وفاته.
وكأن (الينبوع الجاف) الراحل يقول انه اذا لم تعد القدرة على الخلق والابداع متوفرة فلابد من الحفاظ على الذكر والشهرة من خلال فضائح تبقي له دور البطل. انها لرائحة تشبه رائحة الموت التي حدثنا عنها الكاتب في البداية. لكن الصديق قرر وللمرة الاولى كما يبدو الخروج على تحكم صديقه الراحل.
وقد قرر كذلك منع انتشار هذه الرائحة وعدم ارضاء انانية تريد ان تتحكم من داخل القبر. قرر الصديق اخفاء تلك الرسائل.
الرواية اذن ذات كثافة فلسفية وفكرية ضغطها الكاتب في عمله فجاء ما رواه في حالات عديدة جميلا ونفاذا. الان انه من نواح عديدة ايضا جاء مرهقا الى درجة.. فقصص معظم من في الرواية من اشخاص انما هي قصص رودولف.
وربما كان هذا جميلا تماما لو جرى من خلال كل شخص منهم.. رسم وجه معين او صورة محددة للبطل تتكامل في ما بينها. الا اننا كنا بين فترة واخرى نعود إلى ما سبق أو إلى نقطة بداية ما دون إضافة تذكر أو تستحق هذه الكثرة من الكلام شبه المكرر.
جورج جحا
