يقال إن الشرارة الصغيرة قادرة على خلق نيران كبيرة تلتهم كل ما يصادفها، ولعل ذلك ما حدث مع محمد عمر الماجد، الذي تردد اسمه عالياً في سباق الراليات التي أمضى فيها نحو 17 عاماً، ليخرج منها لتكوين تجارته التي بدأها بمجال قطع السيارات ليتحول منها إلى صناعة سيارات الصحراء، والسبب أنه بحث في يوما ما عن سيارة صغيرة تناسب عمر ابنه، ولم يجد في السوق ما كان يبحث عنه، لتكون تلك الشرارة التي أشعلت فيه نار خوض هذه التجربة.

على الطريق العام الواقع بالقرب من المنطقة الصناعية في الراشدية تقع صالة عرض سيارات محمد عمر الماجد التي فضل تسميتها بأسماء عربية، ورغم صغر مساحة تلك الصالة إلا أنها تضم عددا من السيارات التي تم تجهيزها لتتمكن من مواجهة رمال الصحراء، «البيان» تواجدت في صالة الماجد والتقته فيها، حيث فتح لها قلبه ليقص على مسامعنا حكايته مع عالم صناعة السيارات الصحراوية.

بداية القصة... وعن بدايته بهذا المشروع قال الماجد: «هناك عدة أسباب أولها أنني من هواة السيارات، والآخر دخولي مجال التجارة بعد أن تركت سباق السيارات، والذي أعطاني الفرصة للتعامل مع مجموعة كبيرة من قطع غيار السيارات، وقد أعطتني مشاركاتي في سباق السيارات خبرة كبيرة في ميكانيكا السيارات. وكذلك معدات السلامة الخاصة بالسيارات، وبسبب كوني متسابقاً أحرص دائماً على أن تكون السيارة التي أنتجها أن تكون مطابقة لمواصفات السلامة المطلوبة التي اطلعت على القوانين الدولية الخاصة بها بعد دخولي في مسائل تنظيم الراليات، وبالطبع فكل ذلك ولد لدي خبرة كبيرة في هذا المجال». وأضاف: «بدأ مشروعي التجاري بمشغل متكامل لتصنيع إكسسوارات السيارات، وكان لدي مصنع كامل التجهيزات لإنتاج الواجهات الحديدية للسيارات (الصدامات).

وكان المشغل يمتلك كافة المعدات الخاصة بثني الحديد والحدادة وكذلك مصنع خاص للطلاء، وكان هذا المشغل منتجاً ونصدر إنتاجنا إلى إفريقيا ودول الخليج بالإضافة إلى السوق المحلي، ولكن المنافسة الشديدة في السوق المحلي وظهور العديد من الورشات الصغيرة التي تعمل في هذا المجال وتقدم نفس السلع بجودة متدنية قد أثرت سلباً على مصنعي بعد هبوط نسبة المبيعات.

واضطرتني إلى ترك هذا المجال والتوجه إلى صناعة السيارات، أما السبب الثاني فهو حاجة ابني إلى سيارة صغيرة، وقد بحثت حينها عن سيارة صغيرة تعمل على البترول وتناسب الأطفال، ولكن ما وجدته حينها كان مستوردا من أوروبا وغالي الثمن.

بحيث يتجاوز سعر السيارة مبلغ 20 ألف درهم في ذلك الوقت، وهو ما دعاني إلى البدء بتصنيع سيارة صغيرة لولدي، وقد نالت تلك النسخة إعجاب الجميع الذين اقترحوا علي إنتاجها تجارياً، وبالفعل بدأت بإنتاج كمية تجريبية منها واستطاعت أن تحقق نجاحاً ملحوظاً في الأسواق، خاصة وأنه يمكن للأطفال بعمر 12 سنة قيادة هذه السيارات والتي تم تجهيزها بالكامل من حيث حزام الأمان والأضواء الأمامية والإشارات الجانبية بالإضافة إلى الفرامل».

وتابع: «لم أقصد أن تكون هذه السيارة مجرد لعبة فقط وإنما إكساب الطفل الوعي المبكر حول القيادة وطرق السيطرة على السيارة، خاصة أنه يمكن للأطفال استخدامها في المناطق المفتوحة والحدائق والساحات الداخلية للبيوت، وسعرها لا يتجاوز 12 ألف درهم».

الفايتر أو المقاتل

لم يتوقف محمد عمر الماجد في صناعته للسيارات عند حدود سيارات الأطفال التي يطلق عليها اسم «جونير»، ولكن تعدى ذلك إلى صناعة سيارات الصحراء، وقد ساعده في ذلك الخبرة المتراكمة لديه نتيجة لمشاركاته المتعددة في الراليات، حيث أصبح قادرا على معرفة ما الذي تحتاج إليه السيارة في الصحراء ومدى قوة تحملها، ونتيجة لتجربته السابقة قرر الماجد دخول هذا السوق بقوة ليبدأ بإنتاج سيارة «الفايتر» أو «المقاتل».

وحول هدفه من صناعة هذه السيارات قال الماجد: «بدأت بصناعة السيارات الصحراوية من الصفر، وسبب توجهي إلى فئة السيارات الصحراوية هو أن هذه الشريحة مفقودة في السوق، إلى جانب أنها لا تحتاج إلى مصانع كبيرة تشبه مصانع السيارات العادية، كما أن الصحراء تشكل عامل قوة بالنسبة لنا نحن لأننا نعيش في بيئتها منذ آلاف السنوات ونعرفها جيداً، بالإضافة إلى أن صناعة السيارات تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، وأنا لا أستطيع ذلك بإمكانياتي الحالية».

لم يكن وجود الفايتر سهلاً، وإنما جاء نتيجة لخبرة تمتد لعشر سنوات سابقة في هذا المجال، فالماجد يحرص قبل أن يقوم بإنتاج أي سيارة أن يتأكد بنفسه من كل شيء فيها ثباتها ومتانتها وكل معايير السلامة فيها، وحول ذلك قال: «نحن نقوم بوضع التصميم اللازم لأي سيارة نريد إنتاجها، فكل شيء في السيارة يتم تصميمه تحت إشرافي، وبعد اختبار السيارة نقوم بترحيلها إلى الصين حتى يتم عمل كافة الرسومات الهندسية لها والاختبارات الالكترونية التي تتم على الكمبيوتر للكشف عن وجود أية مشكلات في السيارة.

رغم أننا نحرص على حل كافة المشكلات قبل الوصول إلى الصين التي يتم فيها إنتاج سيارة تجريبية، يتم اختبارها وسط الصحراء التي تبعد نحو 2000 كم عن المصنع، وعادة تستغرق التجارب مدة أسبوع كامل، وأقوم بتجربتها شخصياً بحيث أختبر مدى قوتها وتحملها للقيادة الصعبة، لأن ذلك يساعدنا على التعرف على مشكلات السيارة إذا وجدت، وأعتبر هذا الجزء من مرحلة إنتاج السيارة من اختصاصي، وأسعى جاهداً إلى أن يكون المنتج بجودة عالية وأن يكون السعر في متناول اليد».

طاقة إنتاجية

رغم أنه يقوم بإنتاج 80 سيارة شهرياً، إلا أن الماجد يعتمد في إنتاجه على حجم المبيعات والتوقعات لحجم استيعاب السوق التي تتم وفق دراسات وأبحاث تقوم شركته بإجرائها في السوق المحلي والدولي، وحول ذلك قال الماجد: «في بداية عملنا كانت دبي هي مقر التصنيع والإنتاج، ولكن طاقتنا الإنتاجية كانت محدودة ولم تمكنا من الخروج إلى السوق الدولي، وهذا هو سبب توجهنا إلى الصين التي ارتفعت فيها طاقتنا الإنتاجية.

بحيث أصبحنا قادرين على دخول السوق الدولي، فإلى جانب السوق المحلي تمكنا من دخول السوق السعودي، والكويتي، والقطري، والإيراني والصيني بحكم تواجدنا فيها، وحالياً نعمل على دخول السوق الأميركي والذي نتوقع أن يسحب كميات كبيرة من هذه السيارات»، وتابع: «تكتسب سياراتنا رواجاً جيداً في الإمارات، ولكن بحسب توقعاتي أن السوق الإماراتي لن يدوم طويلاً ونتوقع ألا يزيد على عشر سنوات، وسيكون بعد ذلك ضعيفا بسبب تقلص المساحات الصحراوية فيها نتيجة للزحف والتوسع العمراني».

«الفايتر» و«الزاجل» و«الوسمي» أسماء عربية قريبة جدا من قلب محمد عمر الماجد الذي فضل أن يطلقها على سياراته الصحراوية التي ينتجها، وهي تختلف عن بعضها في قوة المحرك والسعة، فسيارة الفايتر تعتبر اقتصادية من ناحية السعر، وتحتفظ بأداء جيد في الصحراء وحجمها صغير ويتم نقلها بسهولة.

وتصل قوة محركها إلى 130 حصاناً، أما «الزاجل» فهي تخدم فئة ثانية من الشباب من أولئك الذين يريدون سيارة قوية بحجم متوسط، وقوتها تصل إلى 300 حصان، وتستوعب راكبين فقط، أما «الوسمي» فهي فئة مختلفة بمحركاتها الأربعة، وقد تم تصنيعها لتناسب العائلات ولذلك فهي كبيرة الحجم حيث تستوعب ما بين 4 -5 أفراد، وسعرها يبدأ من 180 ألف درهم ولا يزيد على 220 ألف درهم.

تحديات

رغم أن سيارات الماجد استطاعت أن تدخل عدداً من الأسواق الإقليمية والدولية بالإضافة إلى المحلي، إلا أن صناعة هذه السيارات لا تزال تواجه بعض التحديات، والتي قال فيها الماجد: «بالنسبة لنا أبرز التحديات التي تواجهنا هو محدودية السوق والتي نعمل على حلها من خلال التوسع الخارجي.

أما التحديات الأخرى فهي تكمن في عدم وجود بيئة صناعية مرنة تخدم المواطن والمصنع الإماراتي، وبلا شك فإن هذه البيئة متوفرة للمصنع الأجنبي ولكنها لا تناسب بأي حال من الأحوال المصنع الإماراتي ولذلك أتمنى أن يكون هناك تسهيلات أكبر للمصنع الإماراتي بحيث يتمكن من توسيع طموحاته وصناعاته في كافة مناطق الدولة بما فيها المناطق الحرة، وأعتقد أنه ما زال بإمكاننا خلق البيئة الصناعية التي تناسب المواطن وتساعده على تحقيق طموحاته».

ومن جهته دعا الماجد الشباب الإماراتي والعربي إلى ضرورة البدء في تنفيذ رغباتهم وطموحاتهم مهما كانت صغيرة، معتبراً بأنه ما زال الخير فيهم، وقال إنه بدون الإرادة لا يمكن الانجاز، ونتيجة لإيمانه بقدرة الشباب المواطن فقد اعتاد الماجد أثناء قيامه باختبار سياراته على توجيه الدعوة إلى عدد من خبراء السيارات وسائقي الراليات المحترفين، والشباب الذي يحبون الصحراء والقيادة فيها إلى تجربة سياراته وإدلاء آية ملاحظات عليها والتي تفيده في عملية تحسين جودة المنتج.

طموح

اتصالات عديدة لاقتحام الأسواق العالمية

اكتسب محمد عمر الماجد خبرته في عالم السيارات خلال الفترة الطويلة التي أمضاها في عالم سباق وتنظيم الراليات، حيث أتاحت له تلك الفترة الاقتراب من ميكانيكا السيارات والتعمق فيها، والاطلاع على كافة القوانين الدولية المتعلقة بأمور السلامة والأمان التي يجب أن تتوفر في سيارات السباق.

ونتيجة لذلك تمكن من دخول عالم التجارة في هذا الجانب، إلا أنه اضطر إلى تغيير نشاط شركته من تصنيع الواجهات الأمامية للسيارات إلى صناعة السيارات الصغيرة والصحراوية، وتمكن من تحقيق النجاح في هذا المجال نظراً لاحتياجات السوق الذي يقوم بدراسته بشكل دائم للتعرف على متطلباته، وبالتالي تغطيته بهذه النوعية من السيارات، كما تمكن من دخول عدد من الأسواق الإقليمية والدولية بغية رفع طاقته الإنتاجية من هذه السيارات.

وتوقع الماجد ضعف طلب السوق المحلية على هذه السيارات بعد عشر سنوات، وذلك نتيجة لما تشهده الدولة من توسعات عمرانية على حساب المناطق الصحراوية الموجودة فيها، وهو ما دعا الماجد إلى القيام باتصالات عديدة لخلق أسواق جديدة تستوعب إنتاجه من هذه السيارات مثل السوق الأميركي الذي يتوقع أن يستوعب كميات كبيرة من إنتاجه.

غسان خروب