نظمت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية مساء أول من أمس معرضاً استردادياً وندوة تشكيلية عن الفنان العراقي الرائد نوري الراوي الذي تحدث بإسهاب عن تجربته الفنية والتي تمتد على أكثر من ثمانين عاماً.
حضر افتتاح المعرض عبد الحميد أحمد أمين عام مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية والدكتور محمد المطوع عضو مجلس الأمناء ، كما حضره الفنان محمد يوسف رئيس مجلس إدارة جمعية الفنانين التشكيليين في الإمارات و الكاتب والباحث محمد صالح القرق وعدد من المثقفين والإعلاميين و المهتمين بالفن.
وقد جال الحضور في المعرض يستمعون إلى الفنان نوري الراوي الذي تنقل بين مجموعة من لوحاته التي تعود لمراحل مختلفة من حياته حيث القباب والطيور والوجوه الحارة إلى جانب ملامح بعيدة لمدن حاضرة في ذاكرة الفنان .
وعلى الرغم من أنه يعترف بأن المعرض الحالي كان تجميعياً، وأجزاء متفرقة من فنه، لأن لوحات كثيرة له تعرضت للنهب والسرقة شأنها شأن كنوز العراق الثقافية أثناء حرب الاحتلال الأميركي، لكن هذه اللوحات تمثل عصارة تجاربه، فهي تشتمل على مختلف مراحل الفنان. حتى أن بعض لوحاته انتزعت من جدران بيته، وجيء بها إلى المعرض مثل لوحات تعود إلى ما قبل عام 1958.
وكان الفنان متزمتاً إزاء بيع لوحاته ولكنه في عمر الـ 84 يجد لا مناص من بيع جزء منها لتدبير أحوال المعيشة. واللوحات هي كل ما يمتلكه الفنان في هذا العالم. وتكاد المفردات التي بدأ بها لوحاته تتكرر في لوحاته اللاحقة وهي: القباب والطيور والوجوه ولكن الشخوص اختفت من لوحاته لأنه يؤمن بأن الأهم لديه ليس هو رسم الإنسان بقدر ما أبدعه الإنسان، وخاصة في تكوين المدينة، وهي طاقاته التي أفرزها في محيطه الخارجي.
فقد يجذبه التكوين الكلي للمدينة الذي يعتبرها تعبيرات مجازية وليست واقعية. ولم يهتم نوري الراوي بالتوجهات الجديدة في الفن مثل الأساليب التجريبية التي استخدمها بقية الفنانين، بل ظل ملتزماً بالاتجاه الواقعي الرمزي الذي أبدع فيه. لذلك يُعد الراوي أحد أهم الفنانين الكلاسيكيين المجددين في الفن العراقي والعربي. وأصبح فيما بعد مصدراً لاستيحاءات الفنانين الشباب.
ضربات الفرشاة تسير مع نبضات القلب
قدم الفنان نوري الراوي محمد يوسف، الذي استعرض محطات من تاريخ حياته الفنية والشخصية. ثم تحدث عبد الكريم السيد عن بعض ذكرياته عن المرحلة التي عاش فيها في العراق ما بين 1965 و 1974، وهو فلسطيني، إذ اعتبرها مرحلة مزدهرة بالنسبة لتاريخ الفن التشكيلي العراقي. وكان جبرا إبراهيم جبرا قد عرّف به بالفنان نوري الراوي.
وأشاد بمدينة الطفولة التي تعلق بها الفنان نوري الراوي وطائر البراق الذي يتكرر في لوحاته. واستعرض نوري الراوي أيام طفولته وصباه وشبابه في التعرف على الفن والحياة منذ نعومة أظافره.
شبّه الفنان تلك المرحلة ب«الجاهلية» لأنها كانت تفتقر إلى أبسط المقومات«ولكننا ننهل من الفن والأدب والعلم والثقافة مع الطلبة الآخرين. كنا نتبارى في القراءات». ثم تحدث عن المرحلة المتوسطة وتأثره بأستاذه رشاد حاتم الذي قاد طلبته إلى الانفتاح على الفن من خلال كتاب ضخم يحتوي على تاريخ الفنون منذ القرون الوسطى.
ثم جاءت مرحلة دار المعلمين التي قادته إلى الرسم بشكل تلقائي. وتحدث عن لقائه بالمستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسينيون الذي كان في زيارة إلى بغداد عام 1937 في فندق«مود» وهو في الرابعة عشرة من عمره.
«كان هذا الوعي المبكر هو الذي قاده إلى اكتشاف ذاته الفنية، من خلال تربيتنا على قراءة(المناهل) و(الرافدين) و(الأديب) و(الرسالة) كما أشار إلى قراءته لديوان عمر الخيام في 12 ترجمة». وفي عام 1945قام برسم جدارية في مدينته راوه من الصباغ المتوفرة.
ثم تحدث عن فلسفة القباب في لوحاته، وتأثره بمنارة «الجامع الكبير» الذي كان يتخيل الملائكة تحوم من حوله. ويحتل محي الدين بن عربي مكانة متميزة في أعماله الفنية. كما وتحدث عن معماري انجليزي قام بزيارة جامعة المستنصرية وأشاد بعبقرية الأمة العربية وقباب المساجد.
ومن خلال أسئلة الجمهور والمنصة، قال نوري الراوي: إن «الكون هو مهد الرسم واللون موسيقى حياتي» وقال إن الشخوص اختفوا من لوحاته، لصالح التكوين العالم للمدينة، والطاقة الروحية التي يتحلى بها الإنسان.
وبعد ذلك، انتقل الفنان نوري الراوي للحديث عن التجمعات الفنية مثل جمعية الرواد وجماعة بغداد للفن الحديث ولكنها لم تكن تصارعية بقدر ما كانت صداقية. وأشاد بجواد سليم الذي اعتبره عبقري الفن العراقي. وركز في خاتمة محاضرته على طريقته في مزج الشعر بالموسيقى والتشكيل والخيال. واللون بالنسبة له كالموسيقى. وضربات الفرشاة تسير مع بنضات القلب.
دبي ـ شاكر نوري
