تمت برمجة الكمبيوترات للعب الشطرنج منذ خمسينات القرن الماضي، غير أنها لم تنجح في التغلب على أساتذة الشطرنج العظام إلا في أواخر الثمانينات، ومنذ ذلك الحين، استقطبت الألعاب الأخرى مثل «البوكر» و«غو» و«جبردي» اهتمام الباحثين الاختصاصيين في الذكاء الاصطناعي.
ويقول الباحث «دان كلين» من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا إن: «لعبة الشطرنج تعد لعبة صعبة لأنها تتطلب النظر في المستقبل، ولعبة البوكر كذلك لأن المعلومات التي تحتويها ناقصة، والألعاب الأخرى صعبة لأن على المتنافس أن يتخذ قرارات سريعة»، غير أن اللعبة الجديدة التي تمت في مختبرات الجامعة تتطلب هذه المعايير كلها.
لعبة الفضاء الإلكترونية الجديدة تدعى «ستار كرافت»، حيث يلعبها البشر على الجهاز، وهي ذات وقت واقعي في ما يتعلق بالأحداث المثيرة التي تقدمها، غير أن القادة من كلا الجانبين في اللعبة هم عبارة عن روبوتات معقدة وتتسم بذكاء اصطناعي عال، وقد جرت مسابقة، أخيراً، في جامعة ستانفورد، تنافس فيها 28 متنافساً، وتهدف اللعبة في نهاية المطاف إلى اختبار قدرة الآلات على ممارسة الذكاء الاصطناعي.
ويكمن سر الجذب في تلك اللعبة للباحثين في تعقيدها الكبير، فعلى اللاعبين التنافس من أجل تأمين المصادر المختلفة لتشكيل الجيوش والقتال في جو من التحالفات والإثارة، ويمكن للجيش الواحد أن يحتوي على 200 وحدة مستقلة، كل واحدة لها نقاط قوتها وضعفها المختلفة، مثل ملابس الإخفاء والطيران وتحرك الأجسام عبر التخاطر.
وهي تختلف عن الشطرنج، حيث إن الوحدات المختلفة غير ثابتة ضمن مربعات، وإنما هي دائمة الحركة في أوضاع عشوائية، والانشغال لمدة ثانية واحدة عن اللعبة قد يكون سبباً في إلحاق الخسارة باللاعبين الآليين المشاركين.
وعلى تلك الآلات الذكية أن تتفاعل مع الواقع الموجود في اللعبة، في ما يتعلق بتعددية الأهداف في وقت واحد والتصرف حسب إملاءات الوقت، والتعامل مع معلومات ناقصة، أضف إلى هذا، فإن باحثي الذكاء الاصطناعي في لعبة الشطرنج قد وضعوا برنامجاً يدرس جميع الاحتمالات للحركات والحركات المضادة، وهذا ما لا ينطبق على لعبة «ستار كرافت»، كما يوضح «ديفيد بيركت»، أحد أعضاء الفريق المشارك في البرنامج.
والسبب في ذلك يعود إلى أن اللعبة الجديدة لا تعطي أدواراً للاعبين مثل الشطرنج، لأن الوحدات العسكرية دائمة الحركة والبناء والاستطلاع والقتال، ولا يستطيع الخصوم بالمقابل التنبؤ بحركة العدو المقابل لهم ونواياه حتى يبدأ القتال الحقيقي.
ويقوم أساس هذه اللعبة وغيرها في الأصل الأول على كتابة نص للإنسان الآلي يقوم بتطبيقه، وفي هذه المرحلة فإن الروبوت يمكنه الفوز فقط بالمصادفة، لأن البرنامج الذي تم تزويده به لم يمنحه أي نوع من الذكاء الاصطناعي، وهذا كان شأن الألعاب في مراحلها الأولى، غير أن المنهج الجديد يعتبر أكثر تعقيداً ويدعى اختصاراً «إف إس إم».
وهي آلية استخدمها اختصاصيو الذكاء الاصطناعي في صنع ألعاب الفيديو، وضمن هذا المنهج يمتلك الروبوت سلوكيات مستقلة، التي يمكنه الاختيار منها بحسب على المدخلات التي يتم تزويده بها، خذ مثلاً الأشباح في لعبة «باك مان» الكلاسيكية الشهيرة، فهي خليط بين المطاردة والتخفي، وهذا يعتمد على الشبح، وما إذا تناول حبة القوة المضاعفة أم لا.
غير أن منهجية «إف إس إم» تعتبر محدودة، فهي تحتاج دوماً لتدخل بشري من أجل تبديل السلوكيات بحسب الحالة، لأن هذا يعني أن الإنسان الآلي قد يخسر بسهولة، إذا تعرض لموقف لم تتم برمجته على مواجهته.
أما المنهج الثالث فيقوم على تدريب الإنسان الآلي على اللعبة عن طريق إعادة اللعب لآلاف الساعات، من أجل مساعدة الإنسان الآلي على اكتشاف أي الطرق والاستراتيجيات هي أقرب للفوز في المعركة، بناء على ظروف اللعبة، وهذا المنهج الجديد يعتمد على أسلوب التدريب عن طريق التجربة والخطأ، وهو الأسلوب نفسه الذي يتعلم به اللاعب البشري لعبة كمبيوتر معينة، وهذا يؤدي إلى أن يتعلم الروبوت من أخطائه، ومن أخطاء الآخرين.
