لم يتخيل السباك الإسباني خوزيه مارتينيز، البالغ من العمر 24 عاماً، إمكانية أن يفقد مهنته الأثيرة مؤقتاً، ويتجه للعمل في الحقول، وتحديداً في قطاف زهور الزعفران البنفسجية، إلا أنه وبسبب فقدانه لعمله الأصلي، عمل في موسم قطاف الزعفران في منطقة «لا مانشا» الإسبانية، وإن كان قصيراً، من أجل كسب بعض المال.

«أنا على استعداد لأن أعمل في أي شيء، ولا أعلم كم سيعطونني أجراً على ذلك، لكني أظن أنه لن يقل عن 7 يورو في الساعة، وهذا أفضل من لا شيء»، قالها مارتينيز وهو يلف أصابعه برقة حول النبتة مخافة تخريب بتلات الزعفران، وما يحتويه ميسمها من كنوز حمراء.

لقد فجر الركود العالمي فقاعة النهضة العقارية الإسبانية، وأثر بشكل كبير في سوق العمل، ورفع نسبة البطالة إلى 20؟، لكنه بالمصادفة قدم خدمة كبيرة لمحصول هش ومنسي، ألا وهو الزعفران.

وتعتبر خيوط الزعفران الذهبية معلماً مهماً، في سهول لا مانشا، التي تتسم بارتفاع درجات حرارتها، والمشهورة أيضاً باحتضانها لمغامرات دون كيشوت الأسطورية، والتي فقدت أحلام البناء بسبب الأزمة المالية العالمية، كما فقدها من قبل فارسها الخيالي.

وقد ذبلت تجارة الزعفران، الذي يزهر في أبريل من كل عام لمدة أسبوعين، ويتم حصاده في أواخر الخريف كما تذبل أوراقه الهشة، إلا أنها، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، عادت لتزدهر من جديد.

وخوزيه مارتينيز هو واحد من القادمين الجدد والكثر الذين قدموا إلى موسم الحصاد المزدهر، للعمل في حقول تديرها عائلات بعينها، ورث الأبناء فيها المهنة عن آبائهم، إلا أن عدداً من منتجي الزعفران السابقين، الذين تركوا زراعته، وسافروا بحثاً عن عمل في مجال العقارات، يبحثون الآن عن طريقة للرجوع إلى تلك الزهور الثمينة، وهناك مزارعون آخرون أغرتهم أسعار الزعفران العالية وغير المسبوقة، فوسعوا نطاق زراعتهم، حيث إن الكيلو الواحد من الزعفران يباع، في الوقت الحاضر بـ 3000 يورو.

حتى التسعينات من القرن الماضي، كان نحو 60؟ من العائلات في لا مانشا يزرعون الزعفران، غير أن المدخول من وراء تلك النبتة لم يكن كافياً لإعالتهم، والكثير منهم لجأ إلى إخفاء كميات الزعفران التي أنتجها في الخزائن أو في أماكن سرية ليتم بيعها في أيام العسر، وكأنما هي سبائك ذهبية.

لكن وفي موجة ارتفاع دخول العاملين في العقارات في المدن، هجر كثير من مزارعي الزعفران مزارعهم، ليعملوا في البناء، وفي عام 1999، لم يبق في لا مانشا سوى أربعين مزارع زعفران فقط، وتدنى الإنتاج إلى 100 كيلو فقط في العام الواحد، كما تدنت الأسعار بشكل كبير، لأن الكثير من بائعي الزعفران صاروا يعمدون إلى خلط الزعفران الإسباني ذا القيمة العالية بزعفران رخيص مستورد من دول أخرى.

غير أن إنتاج النبتة الذهبية عاد للازدهار مجدداً، بعد أن وضعت منطقة لا مانشا قوانين وأسساً تفصيلية تحكم هذه الزراعة، حددت من خلالها كل الأمور المتعلقة باللون والنقاء وترتيب مياسم الزهرات، حتى إنه تم إعطاء كل مزارع رقماً معيناً يظهر على ملصق عبوات الزعفران، وهذا الإجراء قلص محاولات النصب والاحتيال التي كان يقوم بها بعض البائعين.

اليوم هناك أكثر من 440 مزارعاً يعملون في المنطقة، كلهم مرخصون من قبل الحكومة، وينتج هؤلاء، ومعظمهم عائلات، 1500 كيلو من الزعفران سنوياً، يباع الكيلو الواحد ب3000 يورو، وهذا السعر أكبر بنسبة الضعفين عما كانت عليه الحال قبل أربع سنوات، ويمكن أن تصل العبوة ذات العشرة غرامات إلى 102 يورو، وبهذا فقد حق لأهل لا مانشا أن يعودوا للحديث مجدداً عن «الذهب الحقيقي».

إعداد: يوسف جباعتة