رحل الأديب المغربي أدمون عمران المليح عن عمر يناهز الـ 93 ولم يكن ينقطع أبداً عن القراءة والكتابة. وكان حتى آخر أيامه يجلس أمام عتبة البناية التي يسكنها في شقته الكائنة في شارع بين الويدان بحي أكدال بالرباط، لا يفارقه الكتاب، وظل وفياً لهذا الفن الذي اكتشفه مؤخراً وخاض غماره وأبدع فيه في عمر الستين.
مرّ بكوكبنا زمن، كان المناضل الحقّ، يتلقّى مقابل كفاحه، جزاء لا يقلّ عن النفي من الوطن أو الحرية أو الوجود حتى. والروائي المغربي إدمون عمران المليح، من أولئك المناضلين الذين قاسَوْا الأمرّيْن من أجل ما دافع عنه من مبادئ وقِيَم كانت لا تلقى الترحيب خلال السنوات السوداء التي عرفها عالمنا إبّان الحرب الباردة، بل وتحمّل من أجلها شتى أشكال القهر والقمع والمعاناة.
وهو من المفتخرين بجنسيتهم المغربية، بالرغم من أصله اليهودي، ومن المناهضين للمشروع الصهيوني برمّته، ومن المدافعين عن جميع القضايا العادلة في العالم وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني في نضاله المقدس ضدّ الغطرسة الإسرائيلية.
كل هذا يجعل من هذا المناضل الفذّ أسطورة حيّة في التاريخ السياسي والأدبي المغربي والعالمي، ذلك التاريخ الذي سيحتلّ فيه إدمون عمران المليح المقام المحمود الذي يصبو إليه كل من يؤمن بالقيم النبيلة ويكافح من أجل ترسيخها.
في سنواته الأخيرة، عندما توفيت زوجته الأستاذة في السوربون ماري سيسيل ديفور، لم يتمكن من البقاء في باريس لأنها كانت أحد أسباب بقائه في عاصمة النور، لذا سكن في شقته بالرباط، وتفرّغ للعمل الأدبي. ولم يكن عمره يسمح له بنشاطات أخرى تميّز بها عبر السنوات. كان حينها «يحبو» نحو المائة أي تجاوز التسعين.
إن التجربة كوّنت لديّه قناعة مفادها أن الأدب يمكن أن يمضي بعيداً جداً إن هو تخلّص من أغلال الإيديولوجيات والصراعات السلبية المعيقة لتطور البشرية والمهينة لكرامتها.
«ولا يعني ذلك الحياد لأن الأدب قيمة فنية وجمالية وفكرية، على درجة سامية من النبل، لا تستطيع معه الانحطاط إلى حضيض العدوانية والرعونة. لذا فالأديب يلزمه الاشتغال داخل الحدود التي تسطّرها القِيَم التي تحكم مجاله، وإن هو تخطّاها أوقع نفسه وقلمه في المحظور».
من الطريف أن أدمون عمران المليح كتب الرواية في عمر تجاوز فيه الستين. «أما عن الرواية التي كتبتُها وأنا في مرحلة متأخّرة من العمر، فهي رواية تخلّقت وأثمرت خلال سنوات معينة من حياتي، ولم يَحِنْ قطافها سوى في تلك السن المتأخّرة، ربما لأنّ مشاغل وهموم أخرى استغرقتني قبل ذلك».
كان البعض يتساءل: لماذا يكتب أدمون عمران المليح باللغة الفرنسية؟
لأنه ببساطة لا يجيد الكتابة إلا باللغة التي يتقنها وهي الفرنسية، حيث نشر مقالاته في مجلات رصينة مثل: جريدة «اللوموند» و«مجلة الأزمنة الحديثة» و«دراسات فلسطينية» وغيرها. ولم يكن يجيد العبرية بل رفض أن تترجم أعماله إليها.
دبي ـ شاكر نوري
