في مبادرة ريادية تعد الأولى من نوعها في تطبيق المعايير الوطنية لرعاية الطفولة، أطلقت جمارك دبي في شهر أبريل عام 2009، أول حضانة نموذجية للأمهات العاملات بهدف توفير دور حضانة لرعاية الأطفال الموظفات العاملات في المؤسسات الحكومية في دبي، ودعم المرأة الإماراتية في مجال عملها، وتخفيف أعبائها النفسية مما ينعكس إيجابا على إنتاجها واستقرار عائلتها.
حيث تعد الحضانة الأولى من نوعها على مستوى الدوائر الحكومية وفق أفضل المعايير العالمية المتبعة في التنشئة السليمة والصحية في ظل بيئة تعليمية وتحفيزية آمنة للطفل، كما صممت بشكل يوفر بيئة محببة للأطفال تلبي احتياجاتهم، وتحفز نموهم الجسدي، والفكري، والاجتماعي، والأهم أنها جزء من مبادرات الجمارك الخلاقة لترجمة الدور الاجتماعي إلى جانب دورها الاقتصادي المتميز.
وتهدف جمارك دبي من خلال هذا المشروع الوطني إلى دعم وتمكين الأمهات العاملات في مواقع عملهن المختلفة، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة للإماراتيات عن طريق إشراكهن في برامج تدريبية تؤهلهن للعمل في حضانات الأطفال في المؤسسات الحكومية والذي يتم بالتعاون مع عدد من الجهات المختصة في الدولة لضمان تطبيق المشروع على مستوى حكومة دبي.
دعم المرأة
وفي هذا الإطار دعت مريم الشامسي ـ مديرة الحضانة- كافة الدوائر الحكومية أن تحذو حذو جمارك دبي وأن تسعى إلى دعم دور المرأة في سياق تطبيق رؤية حكومة دبي الإستراتيجية وبشكل يضمن اعتماد أفضل الممارسات العالمية والنماذج المطبقة في العالم لدعم المرأة كشريك أساسي في عملية التنمية، وتمكينها من تحقيق الانسجام والتوازن بين عملها وعائلتها، وقالت:
حرصاً من دائرة جمارك دبي على الاستمرار في تحقيق الاستقرار الوظيفي لموظفيها في كافة المجالات التي تسهم في رفع درجة رضائهم، وولائهم المؤسسي، وتلبية لاحتياجات الرعاية الأسرية والمجتمعية لموظفيها، بادرت جمارك دبي إلى إنشاء حضانة لرعاية واحتواء أبناء العاملات فيها منهم دون سن رياض الأطفال، تضم غرفة للممرضة، وغرفة للرضاعة، ومطبخ للأطفال.
وفصلين دراسيين يتميزان باحتوائهما على ديكور وأثاث مخصص للأطفال، وأجهزة تعليمية حديثة، ومساحات داخلية وخارجية كافية تتناسب مع عدد وأعمار الأطفال والألعاب، كما أننا نعتمد تدابير الأمن والتغذية والعناية الصحية التي تكفل سلامة الأطفال وحمايتهم من المخاطر المختلفة، حيث اتخذنا جميع الاحتياطات اللازمة لمنع العدوى، وانتشار الأمراض مع وضع التدابير المناسبة للتعامل مع الإصابات والأطفال المرضى.
وتحدثت الشامسي عن الكادر الوظيفي المؤهل الذي كان له دور كبير في جعل الحضانة واحدة من أبرز الحضانات على مستوى دبي، وقالت: لدي ثماني موظفات متخصصات في تعليم الأطفال، وممرضة متمرسة، ومشرفة عامة على الحضانة، بالإضافة إلى كادر طبي محترف يتكون من طبيب عيون، وطبيب أسنان، وطبيبة أطفال، مهمتهم الكشف على الأطفال مرتين كل شهر.
وحول التغيير الذي أضافته الحضانة على حياة الأمهات العاملات في الجمارك، قالت الشامسي: أضافت الحضانة لمسات سحرية فعالة ومؤثرة على حياة الموظفات، حيث قللت تسربهن من الدوام وغيابهن المتكرر عنه، وهدر وقتهن في التواصل مع البيت للاطمئنان على الصغار، كما ساعدت الحضانة الأمهات على التراجع عن تقديم استقالاتهن، والشعور بالأمان والاستقرار، وزيادة ولائهن وإنتاجهن، والتزامهن بمواعيد الحضور والانصراف، وهذا أمر أسعدني كثيرا.
وأوضحت الشامسي أن وجود الرقابة الطبية الدورية في الحضانة ساهم في الكشف عن الحالات المرضية المبكرة عند الأطفال، وقالت: أستعين بكادر طبي مؤهل وعلى درجة عالية من الكفاءة، مهمته متابعة صحة الأطفال والكشف عليهم بشكل دوري، لأننا نهدف إلى توفير بيئة صحية ذات رعاية اجتماعية متميزة للأبناء، وقد ساهم ذلك في زيادة الرضا الوظيفي لدى الموظفات.
حيث شعرن أن هناك اهتماما كبيرا من قبل الإدارة والقادة بتوفير بيئة عمل إيجابية وملائمة لهن كان لها الفضل في التقليل من قلقهن على أطفالهن في الحضانات الخاصة أو مع المربيات، وأنهن قادرات على الموازنة بين العمل والمنزل.
مشكلات وحلول
واجهت الشامسي صعوبات عديدة في الأشهر الأولى لافتتاح الحضانة، ولكنها تمكنت من وضع حلول مناسبة معتمدة على خبرتها كأم، وعلى أفكارها المبدعة، وقالت: نستقبل الأطفال ابتداء من عمر الشهرين، وقد كان تردد الأمهات على الحضانة في الشهور الأولى كثيرا.
وذلك لإحساسهن بعدم الأمان والثقة بالكادر الوظيفي، ولكننا تغلبنا على هذه المشكلة المتوقعة من خلال الاتصال بالأم بين ساعة وأخرى وإعلامها بحالة الطفل، وتصويره وإرسال صوره الحديثة إلى الأم عبر بريدها الإلكتروني، كذلك تغلبنا على مشكلة انتقال العدوى بين الأطفال من خلال إرسال قرار إداري من قبل الحضانة إلى الأمهات، يلزمهن بمنع إحضار الطفل المصاب بأي مرض معدي إلى الحضانة.
ومن الأمور التي صدمتني كثيرا هي إحضار الأمهات لوجبات غير صحية لأبنائهن، وأذكر أن إحداهن أرسلت «الكبة» مع طفلها ليتناولها على وجبة الفطور، وأخرى أرسلت مشروب غازي و«شيبس» مع طفلها، وقد عالجت هذه المشكلة من خلال تحمل الحضانة لمسؤولية إعداد وجبة غداء مفيدة ومليئة بالعناصر الغذائية مقابل خمسين درهماً شهريا لكل طفل.
الانتظام في دفع الرسوم الشهرية للأطفال، كان الشيء الوحيد الذي لا تلتزم به الكثير من الموظفات رغم التعميمات الإدارية، وقالت الشامسي: لم نحسب أي حساب لمشكلة الاستهتار والتهاون في دفع الرسوم الشهرية التي تبلغ 300 درهم فقط لكل طفل، حيث عانينا كثيرا من تقصير الأمهات وعدم التزامهن بدفع الرسوم في البداية، ولكننا عالجنا هذه الأزمة المالية بقرار إداري يلزم الأمهات بتسديد رسوم الطفل كل ثلاثة أشهر كدفعة واحدة.
ومن المشكلات التي واجهناها أيضا، تأخر الأمهات في أخذ أبنائهن ظهرا، وهذا أجبرني على تطبيق نظام المناوبة بين المعلمات يوميا، كما أن بعض الأمهات يجلبن أطفالهن صباحا غير مكترثات بمظهرهم الخارجي، ونظافتهم البدنية، وهذا استدعى تذكيرهن عبر تعميم إداري، بأن مدرسات الحضانة لسن خادمات، وأن عليهن الاعتناء بأطفالهن كثيرا.
خطط ذكية
أعدت الشامسي خطة تعليمية ذكية ساهمت في تحسين النواحي الفكرية والعلمية لدى أطفال الحضانة البالغ عددهم 31 طفلا، وقالت: نقوم كل شهر بتعليم الأطفال حرف من حروف الهجاء باللغتين العربية والإنجليزية، كما نعرفهم على لون معين، وننظم لهم رحلات ترفيهية إلى الحدائق، ونقوم بإشراكهم في الفعاليات والاحتفالات المتنوعة، وقد شارك أطفال الحضانة مؤخرا في اليوم العالمي لمحاربة الفقر والجوع.
حيث قاموا بتوزيع «البسكويت» و«السيرلاك» والحليب على موظفي الجمارك، بالإضافة إلى تحفيظهم السور القرآنية القصيرة وترديدها سويا كل صباح مع المعلمات، وكم كنت سعيدة حين أخبرتني إحدى الأمهات التي تخرجت ابنتها من حضانة الجمارك، أن الإدارة المدرسية قامت بإدخالها «كي جي تو» بدلاً من «كي جي ون» نظراً للقدرات الرائعة التي أظهرتها، وقدرتها على التحدث باللغتين العربية والإنجليزية بطلاقة خلال المقابلة.
وتركز الشامسي على تطوير حس الإبداع في نفوس جميع العاملين في الحضانة، وقالت: لدينا اجتماع شهري لمناقشة الاقتراحات واعتماد القرارات، وقد طالبت جميع الموظفات باقتراح أفكار مبدعة تضيف المزيد من المرح والفائدة والتسلية إلى أجواء الحضانة، ونجحت بفضل الله في تفجير طاقاتهن الكامنة.
حيث نظمت الممرضة دورة «المسعف الصغير» لأبناء موظفي الجمارك، وقد حظيت بإقبال كبير ونجاح باهر، كما اقترحت إحدى المعلمات تنظيم محاضرات للأمهات حول تربية الطفل وسلوكه، وهذا شجعنا على تنظيمها على مستوى الجمارك بشكل عام.
أمهات عاملات
قالت غنى الماطري ـ موظفة في دائرة التعرفة الجمركية- ساهمت أنشطة الحضانة في تطوير شخصية أطفالي بشكل واضح، كما زودتهم بجرعة كبيرة من المهارات وعلمتهم كيفية تحمل المسؤولية والتعامل بلباقة مع الآخرين، وبالنسبة لي فقد ساعدتني على التركيز أكثر في عملي، واحترام مواعيد الدوام.
وأصبحت جمارك دبي هي المؤسسة التي يُحسد عليها موظفيها.. هذا ما أكدته الماطري وقالت: تتمنى العديد من زميلاتي في دوائر ومؤسسات حكومية أخرى العمل في الجمارك فقط من أجل حضانتها، كما أخبرتني بعض الموظفات أن فكرة الحضانة شجعتهن على الحمل والإنجاب والتراجع عن تقديم الاستقالة والجلوس في المنزل.
أما أنيسة علي ـ موظفة في الجمارك- فأوضحت أن ابنتها سارة تحظى برعاية كبيرة من قبل موظفات الحضانة المؤهلات، وهذا يجعلها مطمئنة عليها طوال الوقت، وقالت: نظافة مرافق الحضانة رائعة، وأنا معجبة جدا بمتابعة الممرضة المستمرة للأطفال، لأنها هذا الشيء غير متوفر للأسف في معظم الحضانات الخاصة.
أزمات الربو
وأكدت ممرضة الحضانة أماني المنياوي أن التعامل مع الأطفال بشكل عام يحتاج إلى صبر كبير للسيطرة على زمام الأمور، وكسب ثقتهم ومحبتهم وصداقتهم، وقالت: أطلب من أولياء الأمور عادة إحضار شهادة الميلاد، وشهادة التطعيمات الخاصة بالطفل، كما أهتم بمعرفة الأمراض الوراثية المنتشرة بعائلة الطفل، والأطعمة التي تثير حساسيته، وقد كان التعامل مع أزمات الربو عند الأطفال الذين يبلغون من العمر ثلاثة أشهر من أبرز التحديات التي واجهتني، لأن عملية متابعتهم تتطلب الدقة والتركيز.
وعن كيفية تعاملها مع ارتفاع درجة الحرارة عند الأطفال، قالت المنياوي: اتصل بوالدة الطفل مباشرة وأخيرها بين أن تأخذه بنفسها إلى المستشفى أو تبقيه في الحضانة وأعطيه خافض الحرارة بنفسي ريثما ينتهي دوامها، ولكن غالبا ما أقوم بإعطاء الأطفال العلاج المناسب نظرا لانشغال الأمهات الكبير بأداء مهامهن الوظيفية.
مقترحات لتطوير حضانات المؤسسات الحكومية
تم إطلاق المشروع الوطني للحضانات تحت رعاية ودعم سمو الشيخة منال بنت محمد بن راشد رئيسة مؤسسة دبي للمرأة، والذي يهدف إلى توفير مراكز لرعاية الأطفال في كل دائرة ومؤسسة حكومية من خلال تطبيق دليل المعايير الوطنية لرعاية الطفولة الذي تم إعداده بشكل دقيق جداً حتى يتناسب مع خصوصية وثقافة دولة الإمارات، لتلبي تلك المعايير احتياجات المرأة الإماراتية العاملة وأطفالها.
وقد عبرت الأمهات عن رضاهن الكبير عن حضانة الجمارك وما تقدمه من خدمات من خلال الدراسة التي أجرتها مريم الشامسي مديرة الحضانة، حيث اعتبرنها المكان المثالي لأطفالهن واقترحن توفير عدد أكبر من المربيات والمشرفات وعاملات النظافة، كما طالبن بزيادة البرامج التعليمية لتفادي ملل الأطفال.
وتكبير مساحة الحضانة ليتسنى زيادة عدد الأطفال، وتخصيص يوم مفتوح للأطفال ما بين 2-4 سنوات ليتمكنوا من التعبير عن أنفسهم بحرية، ليس هذا وحسب بل اقترحت الموظفات التركيز بشكل أكبر على اللغة الإنجليزية، وتزويد الحضانة بمنطقة لعب خارجية، وتوفير تلفاز لأطفالهن، وتزويدهن بتقارير شهرية عن أطفالهن.
ريما عبدالفتاح
