الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 في محاولة جادة لاستعادة بعض من حالات الحنين للماضي، للأيام الجميلة للمعارك الفكرية، للثقافة الراقية أقدمت الهيئة المصرية العامة للكتاب في مصر على اعادة طبع المجموعة الكاملة لاعداد مجلة الرسالة الجديدة «ابريل 1954 ـ أكتوبر 1958» في خمسة مجلدات صدر منها الجزء الاول مؤخرا، يأتي اهمية اصدار المجلة من كونها تكشف لنا عن بعض ملامح الحياة الثقافية في فترة بداية ثورة 1952 خاصة بعد توقف عدد من المجلات الأدبية المؤثرة مثل الرسالة 1933 ـ 1953 والثقافة 1939 ـ 1953 والكتاب 1945 ـ 1953وهو توقف لافت أحدث أثره في المناخ الثقافي العربي ككل، لذا عملت الثورة على اتاحة الفرصة لشباب الكتاب لاثبات وجودهم واعلان تجاربهم الجديدة في الشعر والقصة والمقال عبر قنوات جديدة للتعبير من بينها مجلة الرسالة الجديدة التي رأس تحريرها أديب الثورة يوسف السباعي وقد تضمنت الترويسة صدورها شهريا عن دار التحرير للطبع والنشر، كما تضمنت أسماء هيئة التحرير التي تتألف من المدير العام أنور السادات، رئيس التحرير يوسف السباعي، سكرتير التحرير عبدالعزيز صادق، ويتفق على الاعلانات مع شركة النيل للاعلان وتضمنت الترويسة ايضا تحديد اهتمامات مجلة الرسالة الجديدة: أدب وثقافة وفن. أول اعداد الرسالة الجديدة صدر في ابريل 1954 افتتاحية لرئيس التحرير عمل فيها على تأييد الثورة واهدافها الفكرية لذا نجده حرص على حشد الكثير من الاسماء اللامعة للقيام بهذا الدور، ففي حوار مع سلامة موسى في العدد الرابع يسأله المحاور: ما الشخصية العربية التي نالت تقديرك أكثر من غيرها؟ يجيب سلامة موسى: «أبوالعلا المعري. وهناك من يؤثرون عليه: المتنبي، ولكني أدلك على امتحان يسير يوضح مركز كل منهما فانهما لو كان يعيشان بيننا هذه الأيام لكان المتنبي في خدمة فاروق والمعري في خدمة الشعب! وشبان الثورة الذين أحبهم الآن في عصرنا هم هؤلاء الشبان المتواضعون الذين وضعوا رؤوسهم على أكفهم وأنقذونا من الطاغية فاروق وأني اعتقد انهم يكتبون اليوم تاريخ مستقبلنا الذي أؤمن بأن ابناءنا وأحفادنا سوف يمجدونه. وعلى صفحات العدد الأول من المجلة بدأت المعارك الفكرية ففي رسالة بعنوان «ليس عندنا أدب» موقعة من الدكتور أحمد فؤاد الأهواني تساءل فيها عن الادب: أين هو الأدب الذي تتحدثون عنه؟ اني لأمسك بمصباح ديوجين وأفتش عنه نهارا التمسه فلا أجده، لا أثر لقصة قصيرة أو تمثيلية أو قصيدة أو ملحمة أو دراسة أدبية أو سيرة شخصية لا اثر لشئ من هذا كله في الحياة الأدبية المصرية الحديثة اللهم الا بعض القصص تظهر بين حين وآخر لا تهز المشاعر ولا تغذي النفس ويرجو د. الأهواني في نهاية الرسالة النقاد بألا يقسوا على الادباء حتى لا يهجروا الكتابة. يوسف السباعي ردا على الاهواني على نفس الصفحة بعنوان قاس. «بل ليس عندنا من يقرأ الأدب»! أبدى فيه دهشته من اتهامات الاهواني الظالمة ودعاه بدلا من الامساك بمصباح ديوجين ـ الذي فتش به عن الأدب في رابعة النهار ـ ولم يهده الى أي كتاب ـ دعاه الى الامساك ببضعة قروش والذهاب الى أي مكتبة ـ ليلا أو نهارا ـ وشراء بعض انتاج الادباء الشبان الذين اتهمهم بسطحية الكتابة وحدد له بعض من الكتب لشرائها: زقاق المدق، السراب، بداية ونهاية، بعد الغروب، شمس الخريف، شجرة اللبلاب، أرض النفاق، السقا مات. وفي افتتاحية العدد الثالث انبرى السباعي مرة اخرى للدفاع عن القصة وكتابها بعدما هاجمها الدكتور رشاد رشدي بقوله: «القصة التي ترسم جوا والتي تصور الحياة بشطريها الداخلي والخارجي والتي تنساب الى نفسك وتختلط بمشاعرك لم يكتبها كتابنا للآن»! تعقيب السباعي جاء قويا: «الدكتور رشاد رشدي أستاذ في الجامعة وليس القصة غريبة عنه فهي من صميم دراسته وقد عرفته معرفة شخصية منذ مايقرب من سنتين ووجدته عاقلا متزنا وافر المعرفة ومع ذلك فلست أدري ماذا حدث له خلال هذين العامين فقد فوجئت بهجومه على القصة المصرية هجوما كنت استبعد حدوثه من عاقل دارس رزين مثله، ومن غير المعقول أو المقبول ان يقرأ دكتورنا قصة وحيدة ثم يعتبر نفسه قد أحاط علما بالقصة المصرية، هل هو قرأ كل القصص المصرية حتى يلقي بهذا الاتهام، أيمكن أن يكون قد قال قوله بعد دراسة وافية لقصص طه حسين والحكيم وتيمور وأبي حديد وباكثير وجوهر واحسان وغراب والسمار والبدوي ونجيب محفوظ أم تراه لم يسمع بعد عن معظمهم وانه لا يعرف غير نجيب محفوظ دكتور الولادة»! اذا كنت لم تقرأ لهؤلاء. فعيب جدا ان تلقى التهم على القصة المصرية وكل محصولك منها قصة أو قصتان خطفتهما من المجلات خطفا أما اذا كنت قرأتهم ثم قلت هذا في القصة المصرية فأنت. ماذا أقول لك. أنت بالقليل جدا. لا تعرف العربية! هجوم قاس جدا لا يأتي الا من قائد عسكري برتبة أركان حرب، في العدد التالي مباشرة واصل السباعي هجومه بلا هوادة على رشاد رشدي وفتحي غانم ـ الذي شارك رشدي الهجوم على القصة ـ وذلك بعدما قاما بنشر قصتين في مجلة آخر ساعة، فقال مخاطبا قراءه: «أيها القارئ لم لا تحمد الله. ألم يصبك التنوير بعد؟ ألم تقرأ معجزتيهما في اخر ساعة تحت اسمي قشرة زائفة وساحر اسمه الحب»؟ أحمده. فقد جعلهما بعد طول بحث وتقص وغوص. لا يكشفان النفس البشرية بل يكشفان نفسيهما ويفضحان عجزهما الا عن الطبل والزمر والضجيج والتهريج حتى لكأنهما في تشابكهما على الصفحات، الثقافي الراقص. ليز ولين، انني اقدم الشكر للثنائي بعد ان هيأ لنا ردا مفحما على طول جدلهما! اللهم اني قد امنت بكل ماقالاه عن مساوئ القصة المصرية وعيوبها بعد أن قرأت قصتيهما! وفي الحوار الذي سبق ان اشرنا اليه مع سلامة موسى في العدد الرابع ايد موسى رشاد رشدي وفتحي غانم وفتح النار على الادباء المعاصرين قائلا: «لقد قرأت لهم جميعا بلا استثناء ولم أجد منهم من يستحق أن يقرأ له أولادنا وأحفادنا بعد عشرة اعوام. قرأت شيئا لنجيب محفوظ وهو يدل على نبوغ ولكني لست ادري هل سيبقى هذا النبوغ على مقاييس العصر القادم أم لا؟ أنا حين أذكر أسماء الأدباء الحاضرين لا يخطر ببالي هؤلاء الذين كانوا صبيانا صغارا، عندما كنا نحن في سن الأربعين والخمسين مثل الشرقاوي ومحفوظ السباعي، أما من ناحية السباحي بالذات فاني أوثر أباه عليه اولا لانه كان صديقي وثانيا لانه كان يقرأ بيرون وشيللي وكارليل! ولو كان السباعي الاب يعيش اليوم وطلب منه ان يكتب قصة كالتي تكتب هذه الأيام لرفض كل الرفض كما أرفض أنا أيضا»! وعقب السباعي ـ مستخدما سلطته كرئيس تحرير ـ في برواز داخل الحوار على كلام موسى الخطير قائلا: «لا أظن فارق العمر يمكن ان يكون أبدا سببا للمفاضلة فهناك حمير كثيرون اكبر منك. وهناك حمير أكثر أكبر مني. وأنت قد اخرجتني أنا والعيال من امثالي من عداد الادباء المعاصرين لاننا صفا ـ وانت كبير كأنما الادباء لا يهبطون في هذه الدنيا الا وهم يتعثرون في لحاهم. ثم ادعيت بعد ذلك انك قرأت لي ولم تجد فيما كتبت شيئا يستحق القراءة لأنه يتجاوب مع مجتمعنا. أنا أكتبك وأدعوك لقراءة وراء الستار أو البحث عن جسد او أرض النفاق قبل ان تصدر حكمك السطحي الجائر، أما انك ترفض الكتابة فعن عجز لا عن ترفع تشهد بذلك محاولاتك البدائية التي نشرتها في جريدة الاخبار»! واخيرا أرجو أن أكون قد اثبت لك ان العيال يستطيعون مجاراة العواجيز حتى في الغرور وسلاطة اللسان! لم يكتف السباعي بالرد على الضيف علي سلامة موسى بل دعى للأدباء والمفكرين الى التعقيب على ماقاله على صفحات المجلة فسئل العقاد عن رأيه فقال: «سلامة موسى لا هو أديب. ولا هو عالم، أنه لا يعبر الا عن حقد وشعور بالفشل»! وعقب توفيق الحكيم «لا تقيموا وزنا لحكم سلامة موسى فقد انقطع عن القراءة منذ ربع قرن! أما كامل الشناوي فقال: «سلامة موسى حاقد موهوب يعبر بسهولة عن آراء غيره ولا يعرف عن الأدب الا عناوين الكتب وأسماء الأدباء»!! وعلى الرغم من الدفاع المستميت للمجلة عن الكتابة والكتاب الجدد الا انها أفردت صفحات اعدادها الأولى لمن هم أهل الثقة فكانت حريصة على نشر للاسماء التي تكرست قبل قيام ثورة يوليو فنجد مقالات طه حسين وقصص محمود تيمور ولويس عوض وكامل الشناوي وعلى احمد باكثير كما نقرأ رواية بين القصرين لنجيب محفوظ مسلسلة. حتى أن توفيق الحكيم عندما لم يكتب في العدد الاول نشر له السباعي مقالا أملاه عليه «بلسان توفيق الحكيم»!! وفي العدد الأول نجد القصيدة الرئيسية للملازم أول محمد علي أحمد عنوانها «سنحيا مرة اخرى» وهي قصيدة بمعيار النقد في الفترة نفسها لا تستحق الاهتمام الذي نشرته به حتى أن أحد القراء محمد عبدالمنعم خاطر أرسل للسباعي رسالة ينتقد فيها مانشر من قصائد بالعدد كله: «نتفات شعبية لا هي بالقصيدة ولا بالفن الجديد! ويرد السباعي»: لست شاعرا ولكني احب الشعر وأتذوقه ولقد اطربتني بالقطع ومست مشاعري ولكني لم أكن أعلن والأسف يملأ جوانحي أنها ليست قصيدا ولا بلغ علمي القاصر ان خمسة وثلاثين بيتا من الشعر لمحمد علي أحمد تعجز الا أن تكون مجرد نتفة وليست قصيدة! محمد علي أحمد استمر ينشر في كل الاعداد التي تضمنها المجلد الاول بل أننا نشهد مع كل قصيدة الترقية التي حصل عليها فمن ملازم أول في العدد الاول الى رتبة يوزباشي في العدد الرابع في قصيدة التي عنوانها «رفعنا الرؤس. ورف العلم» بل والمفارقة انه أشرف منذ العدد الثاني للمجلة على باب ندوة الشعر والذي هدف الى تسليط الضوء الى اصحاب المواهب من شعراء الجيل الجديد فنقرأ للمرة الأولى لحسن فتح الباب معاون ادارة ادفو قصيدة عن «الربيع» ولمجاهد عبدالمنعم مجاهد من جامعة القاهرة قصيدته «نداء الربيع» وينشر في العدد الثالث لمحمد عفيفي عامر مطر من رملة الا بنحب منوفية قصيدته «مع ولدي في مهده» والتي يهديها الى ولدي وولدك وأولادنا جميعا بمناسبة تجارب القنبلة الهيدروجينية: الحياة والعد لنا. وللأجيال القادمة من بعدنا وستجد ان صرختك هذه كأنها صداء. يهتدى به الشارد من الرفاق ويحدوهم الى السلام. السلام يابني. السلام الذي نادى به الرسل وبشر به الانبياء وناصره المخلصون، أما العدد الخامس فنجد قصيدة لادونيس من سوريا بعنوان «تخطري»: تخطري على الذرى و«علميها أن ترى وتشعر» وان جفاها الظل والعبير «أو مصها الهجير» فأرمي عليها جفنك العميقا«أو امنحيها خطوك الرفيقا» «فتبعثيها برعما وجدولا» وتفريشها مخملا» وهي قصيدة لم يتضمنها الديوان الكامل لأدونيس!المجلة لا تكشف لنا فقط عن ملامح البدايات لشاعرين كبيرين الآن مثل مطر وأدونيس ولكنها تؤرخ لبدايات جيل كامل من الادباء والفنانين فبريد المجلة كشف لنا ملامح شخصيات هذا الجيل خاصة من خلال بعض الاسماء التي استمرت وتكشف هذه الرسائل عن اهتماماتهم التي تبلورت فيما بعد: محفوظ عبدالرحمن من القاهرة بعث برسالة دعا فيها كتاب القصة والرواية الى التركيز على كفاح الشعب ضد المستعمر لان القصة المسلية ملهاة للناس عن سعيهم نحو هدفهم. اصلاح المجتمع والثورة على النظم الفاسدة!! غالي شكري ـ ميت غمر ـ حذر في رسالة للمجلة ممن يتحمسون للسطحيات ويتعصبون للقشور. هؤلاء يجب ان نحذرهم ونحترس منهم ونتيقظ لهم وحسنا نفعل حينما نخرجهم من الهوامش فانهم الدعامة الاولى لانهيار مركزنا الادبي. أما محمد أبوالمعاطي ابوالنجا ـ جامعة القاهرة ـ فيدعو الاستاذ يوسف السباعي الى قراءة قصته المرسلة. وتساءل نجيب محمد سرور ـ المعهد العالي لفن التمثيل ـ عن معنى كلمة ناشئ؟ أهو ذلك الذي لا يكتب شيئا ذا قيمة. أم أنه ذلك الذي ينشر له بعد شئ؟ وفي نهاية رسالته لم يطلب الأذن ـ كباقي القراء ـ بمقابلة رئيس التحرير لانه يخشى ان يصطدم بمنهجية الكبار! وطالب عبدالفتاح رزق من الاسكندرية بتعيين لجنة في المجلة برئاسة يوسف السباعي لقراءة القصص التي تصلها وتساءل عن امكانية نشر قصة له بعنوان عواء الذئب سبق وأن رفضتها رقابة روزاليوسف تحمل مسئوليتها؟! البريد حمل أيضا بعض الردود الخاص من بينها: وليد اخلاص ـ حلب ـ قصتك تحت القراءة، باسم حمودي ـ العراق ـ ندعو لك بالتوفيق، نجيب محمد سرور لم استطع نشر كلمتك لانك فيها أقسى مما اتهمتني به، سامي السلاموني ـ المنصورة ـ لي في قلبك نحوك غير الصفاء والمحبة! القاهرة ـ مكتب «البيان»: