الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 يعد محمد ديب أبا الرواية الجزائرية، ويعده البعض أيضا أحد ابرز الوجوه الأدبية المعاصرة. ولد هذا الكاتب الذي توفى يوم الجمعة، الثاني من مايو 2003، في مدينة تلمسان العريقة في عائلة حرفية. دخل احدى المدارس القليلة التي كان الاستعمار الفرنسي يفتحها أمام السكان المحليين، وواصل تعليمه الابتدائي والثانوي من جهة. كما بدأ من جهة اخرى حياته المهنية وعمره لا يتجاوز أثنتي عشرة سنة، فعمل حائكا ومحاسباً. بعد ذلك، اشتغل في مهن اخرى في التعليم، وموظفا في السكك الحديدية، ومترجما لدى القوات الحليفة باللغتين الفرنسية والأنجليزية، وصحفيا ثم مصمما لرسوم السجاد. وقد سمحت له هذه الوظائف المتعددة بمخالطة الطبقة الوسطى، ومعايشة طبقة الفقراء التي تبنى مطالبها بعد ذلك في كتاباته، كما أنها نمّت لديه الدقة في الملاحظات وصحة الانتقادات. جاء الاعتراف بموهبته منذ البداية، وقد حدثت له مشكلات مع الإدارة الفرنسية في الجزائر، فهاجر الى فرنسا ذاتها حيث كان ممثلا للروح الجزائرية الثائرة لدى نخبتها المثقفة، وكان هناك غزير الانتاج لكن دون أن تخل كثرة كتاباته بجمال أسلوبه. ومنذ سنة 1970، استقر في بلدان عديدة، خاصة في أميركا وفنلندا التي وسمت اعماله الأخيرة بكثير من سماتها. كانت جامعات عريقة كثيرة تستضيفه لإلقاء سلاسل من المحاضرات،كما أنه كتب مقالات عديدة، واجرى لقاءات مختصة حول أعماله والحقل الثقافي الذي انطلقت منه. تنبض اعمال محمد ديب، على الرغم من لغتها الفرنسية، بأحاسيسها وخيالها العربي الإسلامي التي اذكتها حياة الهجرة والاغتراب التي عاشها. وقد استمدها من الحياة اليومية لمدينته الأصلية، تلمسان العاصمة الثقافية والدينية للغرب الجزائري، ووريثة الحرف والمهن والعلوم والفنون الأندلسية. إن قراءة كتابات محمد ديب تفتح الأبواب على مصراعيها لروح هذه الثقافة، وقد جعلها مقابلة لروح الحضارة الغربية التي درسها في المدرسة وقرأ عنها ثم عايشها. بل إنه في آخر أعماله أضاف الى اعماله ايضا، بعد استقراره في فنلندا، أساطير الشمال. من ناحية اخرى تحتوي كتاباته على رؤية خاصة به لصراع العمال والفلاحين الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، وقد شكلت الأحداث التي عاشها في مدينة، المعين الذي لا ينضب في بسط رؤيته ومفاهيمه. بداياته مثل غيرها من آداب الشعوب التي عانت كثيرا من رفض حقها في الوجود كانت كتابات محمد ديب في بداياتها صراعا لفرض الذات والخصوصية، مثلما فعل ايضا معاصروه الجزائريون مولود فرعون ومولد معمري، ثم بعدهم مالك حداد. لقد صرح محمد ديب في لقاء مع إحدى الجرائد عام 1958، أي اربع سنوات قبل الاستقلال: ان هناك عقدا يربطنا بشعبنا. ونحن لسانه الناطق. نلتفت إليه أولا لنتلمس بنياته وتكوينه الخاص، ثم نلتفت إلى العالم لنشهد على هذه الخصائص. لقد جعل محمد ديب من دار سبيطار، ذلك السكن الشعبي، في ثلاثيته الشهيرة (الحريق ـ الدار الكبيرة ـ مهنة الحياكة) الفضاء الذي كشف فيه عن المآسي الاجتماعية والوجودية للشعب الجزائري الواقع تحت الاستعمار. وليس من المبالغة القول إن ثلاثية ديب، فسيفساء حقيقية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وما تركته من أجواء اجتماعية سياسية على المجتمع الجزائري ستؤدي بعد ذلك الى اندلاع الثورة، كما انها صورت صحوة العقل والضمير الفردي على الحقائق التاريخية، بل والنفسية الاجتماعية المحيطة به. تكمن جمالية كتابات محمد ديب إذن، في ذلك المزج المتناسق بين الخطاب السياسي والأسلوب الشاعري الذي جعل من النص الأدبي لائحة للمطالب الوطنية وصرخة لاحياء الضمائر. بعد ثلاثيته الشهيرة، دخل محمد ديب بكتابه «من يتذكر البحر»، وكانت الظروف قد تغيرت، في الاشكالية المعاصرة للكتابة، حيث تخلى عن محاكاة الواقع الى تنظيم دلالي يصور الواقع مع اجتناب المشابهة. وبتخليه عن الجمالية الواقعية، لا تتغير كتابته من ناحية الشكل فقط، بل إنها تبتعد نهائيا عن كونها أداة معرفية إلى كونها تساؤلات حول الإنسان وتعبيراً عن صعوبة الوجود في عالم معاد. رواية من يتذكر البحر رواية سحرية. أبطالها تحركهم اشارات غريبة تسير حياتهم كلها ابتداء من اخص خصائصهم الى أكثرها عمومية وتظهر فجأة عند كل متعرج حاسم من حياتهم الداخلية. وبعد كتابه «رقصة الملك» الذي رسم فيه خيبة مجاهدي الأمس في جزائر ما بعد الاستقلال، جاءت رواياته مثل «يد الصيد» لتكون حوار أفكار حول المشروع الاجتماعي للجزائر، يمكن القول إنها كانت عودة إلى الواقعية، وان كانت جديدة، لبحث التحديات الوجودية الجديدة المختلفة تماما عن تلك المتوقعة في كتبه السابقة وخاصة ثلاثيته (الحريق ـ الدار الكبيرة ـ مهنة الحياكة). الهجرة ودوراتها إن دورة البحث عن الذات، تأخذ عند المغترب شكل المتاهة. هذه هي الفكرة التي يمكن استنتاجها من رواياته (أسطح أو رسول) و(نوم حواء) و(ثلوج من رخام)، التي تصور ذلك العالم الجديد المجهول والمختلف الذي يجب استيعابه بالتوافق مع الذات ورغباتها ومع السير المتعثر المليء بالريبة والشك للأفكار الجديدة. المرأة والحب على الرغم من أن موضوع الحب مكانا في اغلب كتابات محمد ديب، إلا أنه لم يشكل موضوعاً أساسيا إلا متآخراً، لم يكن له وجود تقريبا، في الثلاثية وفي مجموعته القصصية «في المقهى»، ولكنه بدأ يظهر في رواية «صيف افريقي»، على شكل اسئلة فقط، فقد كانت المرأة في الروايات حينها توظف كرمز للوطن، وللأرض الأم، وللأمينة على التراث والقيم، بعد ذلك اختلف الأمر ففي رواية «من يتذكر المرأة» مثلا، يكون فهم مشاعر المرأة موضوعاً أساسيا، لأنه، بهذا الفهم، يمكن استيعاب غوامض كثيرة في الكون. ويبلغ عدد روايات محمد ديب سبع عشرة رواية، واشهرها عند القاريء الجزائري الثلاثية التي كتبها قبل الاستقلال، وقد ترجمت الى العربية، الحريق، والدار الكبيرة، ومهنة الحياكة، ومنها ايضا صيف افريقي، وسيد الصيد، وبعد ذلك رواياته السريالية التي كتبها بعد هجرته واستقراره في فرنسا، ثم فنلندا، ثم اميركا ثم فرنسا اخيراً حيث وافته المنية، ومنها «الفجر اسماعيل» و«نوم حواء» وغيرهما. كما ان له مجموعات قصصية، اشهرها: «في المقهى» و«الليل الشرس» و«التعويذة» ولم يكن محمد ديب قاصا وروائيا فقط، بل كان شاعرا ايضا له ست مجموعات شعرية، أهمها «الخيالات الحارسة» و«أيتها النار، أيتها النار الجميلة» وآخرها «طفل الجاز» التي كتبها في أميركا متأثرا بثقافة الزنوج فيها، وقد حاز بها على جائزة «ملارمي» للشعر الفرنسية لقد كان محمد ديب، انطلاقا من ادراكه ووعيه بذاته، يسعى إلى ادراك ووعي وطني ومن ثم عالمي، وقد صمم ديب سعيه هذا مثل مسألة رياضية يعاد دائما اكتشافها، حسب منهج واثق ولكنه في الوقت نفسه غريب وغامض، ومن هذا الشعر تنبثق نصوصه التي تسير كأنها طقوس مسارية تراتيلها كتابة قلقة، كثيرا ما تفقد توازنها. أخيرا لقد تم تداول اسم محمد ديب في الدوائر الثقافية الجزائرية عام 1999، لترشيحه لجائزة نوبل للآداب ولكن ذلك لم يحصل. بقلم: السيد عيسى بومهدي