الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 عادت الشاعرة العراقية امل الجيوري الى بغداد بعد سقوطها بأربعة أيام، بعد أن كانت قد قضت مغتربة ست سنوات في ـ ألمانيا لتصور فيلما تسجيليا ـ 50 دقيقة ـ بعنوان «من برلين الى بغداد»، تقول لنا قبل أن تقدمه في عرض خاص محدود في القاهرة، قبل مشاركتها في ندوة شعرية: «لقد استطعت ان أذهب الى بغداد أردت أن لأطمئن على أسرتي، ولأكون شاهدة عيان أقوم بنقل الحقيقة التي شاهدتها بنفسي الى المثقفين في أوروبا، ولأرد على بعض الاعلام الذي صور الشعب العراقي كلصوص ونهابين، إنني لا أدافع عن الشعب العراقي، فالذين نهبوا لا ينتمون الى الشعب العراقي بل غرباء عنه، وقالت: الشرخ كان بسبب النظام وليس الشعب العراقي. يبدأ الفيلم بالشاعرة امل الجيوري بين مشاهد الدمار في بغداد تتساءل.. «ماالذي دار هنا على أرض بابل.. دمار وبيوت منهوبة.. بوابة وجدران مثقوبة تعيدني الى ذاكرتي.. لقد جاء المغول يحملون زحفا جديدا على حضارة بلدي يحاولون هدم هذه الذاكرة وتطمس تاريخا طويلا.. هل يستطيعون أن يمحو من ذاكرتنا عشرة آلاف سنة!؟». تلتقي أمل الجيوري في الفيلم مع باحثين ومسئولين في مجال التراث والآثار، يقول لها الدكتور مؤمن سعيد مدير المتحف الوطني.. لقد طبقنا كل الشروط الدولية لحماية التراث، كل ما له علاقة بالمتاحف والمكتبات العامة، كانت الدبابات الأميركية قريبة من المتحف في حين كان اللصوص يقومون بالنهب، بعض الموظفين كانوا موجودين في المتحف، ذهب أحدهم يحمل علما أبيض يطلب المساعدة من الأميركيين ـ لم يستجيبوا له قالوا له «ليس لدينا تعليمات».. ويضيف: العناصر التي اقتحمت المتحف كانت تعرف ماذا تفعل، كانت على دراية بمسالك المتحف والطرق الى الخزائن الأرضية، التي قاموا بسرقتها، اقتحموا الابواب المغلقة، سرقوا كل الوثائق، ودمروا كل ماتبقى تدميرا كاملا لم يتركوا شيئا يمكن الاستفادة منه، لم نستطع الحصول على مساعدة الجيش الأميركي الا بعد ثلاثة أيام.. والذين اقتحموا كانوا مسلحين.. ودخلوا الى كل الأقسام من اجل سرقة وتخريب الاقسام العلمية ومراكز التوثيق والصور الفوتوغرافية وأضاف د.مؤمن: وصلوا الى المواقع المهمة مثل المكتبة الوطنية التي أرادوا حرقها وأحرقوا المكتبة المركزية لجامعة بغداد أكثر من مرة.. وهذا ماحدث في وزارة الإسكان. ويضيف: سمعنا عن لجنة في أميركا من تجار العاديات وجامعي المتحف الأثريين لا أستبعد أن يكون من اعضائها مندوبون من متحف متروبوليتان يريدون تخفيف قانون الآثار العراقي الذي لا يسمح بنقل الآثار والتجارة فيها وأرادت أن تأتي عناصر أخرى تدير الأنشطة الأثرية ـ الا ان مجموعة كبيرة من علماء الآثار تحدت هذه اللجنة وأعلنت أن علماء الآثار بالعراق يمكن الاعتماد عليهم وان كفاءتهم مشهود لها وأن هناك أميركيين مع الإدارة الجديدة يريدون نقل الآثار خارج العراق. يؤكد الفيلم أن 170 ألف قطعة أثرية قد سرقت، ويظهر فيه رفوفا فارغة في مكتبة الدراسات الإنسانية التي كانت تحوي مطبوعات من القرن الماضي ومراجع للمتخصصين، ويشير الى أن مكتبة البحوث تم احتياجها. يظهر الفيلم بقايا قطع أثرية مكسرة ويقول مدير المتحف الوطني: لقد جاء ناس عاديون ومعهم ناس محترفون لهم منهاج. ما من غرفة الا ودخلوها ودمروا محتوياتها. ويضيف استطعنا في حالة الحرب أن نحمي متحف الكويت الوطني، كل ما كان فيه من سجلات وصور وشرائح وكتب سلمت للكويتيين كاملة، لم يخسروا شيئا رغم المزايدات السياسية في الحروب وادعاءات سرقتها. يسجل الفيلم احدى المكتبات حيث تطل رفوفها مليئة بالكتب، بعضها كتب في تاريخ أداب العرب، وكتب أدبية.. وتعلق أمل الجيوري «لحسن الحظ وجدت محمود درويش «تقصد دواوينه» - لم يحترق. تقول: لم يجدوا متسعا من الوقت لسرقة الكتب. أما مكتبة البحوث فقد تم اجتياحها وفيها ملفات لم تبق منها ورقة وعن مركز صدام للمخطوطات يظهر في الفيلم بيت قديم من أوائل القرن التاسع عشر يقع في شارع حيفا ـ ويتحدث المسئول عنه واسمه النقشيدي يقول لها فيما بدأ التهديد بالعدوان بدأت جهودنا في الحفاظ على المخطوطات، استطعنا ان ننقلها الى مكان آمن ـ مخطوطات المحافظات الأخرى والجامعات نقلناها ـ الا أن وزارة الأوقاف تعرضت للحرق.. وتم حرق 6آلاف مخطوط فيها. تلتقي أمل الجيوري بأسرة عراقية في بيتها.. تمكنت من انقاذ مخطوطات مهمة وتتحدث ربة الأسرة عنها كأنها ولد من أولادها. يشير الفيلم الى دور أئمة بعض الجوامع الذين بذلوا جهودا فائقة في استرجاع مافي حوزة مواطنين من قطع أثرية قبل أن تهرب الى الخارج. ويقول أحد مسئولي الاثار أنهم قدموا مطالب الى اليونسكو لانقاذ الآثار لم تجد تجاوبا.. يضيف يبدو أن ماتم كان مخططا له مسبقا. يختنق صوت الشاعرة وهي ترثي لحال مدينتها بغداد وما حاق بها من خراب.. وأثره على روحها وذاكرتها.. أمام تمثال النحات العراقي جواد سليم. تسألنا كأنما تسأل كل العالم.. «أين الضمير الإنساني؟!».. من أرض أقدم حضارات العالم.. بابل، أشور سومر.. الحضارة العربية الاسلامية.. تختم الفيلم بأبيات شعرية تحمل الشجن.. «الشباب يصرخ سدى.. عراق عراق.. لا يرد سوى الصدى». القاهرة ـ فوزي سليمان: