الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 تاريخ التلفزيون التفاعلي يكشف ان هذه الفكرة ظلت حلماً لأكثر من أربعين سنة كاملة تسير على غير هدى، وتحلق في أجواء الخيال العلمي وشطحات العلماء، حيث بدأ التفكير فيه لأول مرة في السنوات المبكرة من ستينيات القرن الماضي ثم ظل يتخبط بين تكنولوجيات وعلوم شتى على غير هدى كمن ضل طريقه في الصحراء، وحينما ظهر الحاسب الشخصي وحقق انتشاراً واسعاً في الثمانينيات والتسعينيات بدأ كل منهما يسير في طريقه غير عابئ بالآخر ودون ان يعيره أي اهتمام، إلى ان دخلت البشرية فيما يعرف بالعصر الرقمي، وتطورت الحاسبات الشخصية بشكل مذهل من حيث القدرات التخزينية والقوة في معالجة البيانات، وقفز عالم الاتصالات قفزات واسعة من حيث السرعة والسعة، وظهرت الانترنت بامكاناتها المعروفة، فبدأ الجميع يستدير نحوها طالباً التلاقي والتلاحم والتكامل ولم يعد (كل في طريق) وما ان اقترب الحاسب الشخصي من التلفزيون حتى هبط مفهوم التلفزيون التفاعلي من دنيا الاحلام والخيالات إلى أرض الواقع، وفي غضون سنوات قليلة حقق ما كانت تحلم به البشرية، منذ ستينيات القرن الماضي.. والسطور التالية تحكي رحلة هذا الجهاز عبر الزمن. مع نهاية النصف الأول من القرن الماضي كان الناس يتحدثون عن جهاز مستقبلي يتم من خلاله دمج مجموعة من الخدمات مثل: الافلام والراديو والتلفزيون، ويجعل المشاهد يحقق تجاوباً بدرجة ما مع ما يشاهده على الشاشة، بيد أن ما تحقق فعلياً هو البث التلفزيوني التقليدي المستمر حتى اليوم والقائم على جعل المشاهد يتلقى فقط، ومع ذلك لم يمت الحلم، وفي اكتوبر 1953 بدأت شبكة «سي بي اس» الاميركية ببث برنامج تلفزيوني أبيض وأسود يمكن القول انه كان محاولة مبكرة وبدائية لتحقيق تفاعل بين المشاهد والتلفزيون. وكان هذا البرنامج يعرف باسم «وينكي دينك» وتدور أحداثه حول مغامرات الشخصية الكارتونية «وينكي دينك» الولد الصغير وكلبه ووفر، وكان البطل يتعرض للعديد من المشكلات التي تتطلب مساعدة الغير لاخراجه منها، وطرأ في ذهن «باري» مقدم البرنامج فكرة مبتكرة لاشراك المشاهدين من الاطفال في المنازل في التفكير لمساعدة «وينكي دينك» من خلال مجموعة معدات «وينكي دينك» وهي عبارة عن صندوق صغير الحجم يباع بنصف دولار فقط، ويتضمن شرائح من البلاستيك الشفاف ومجموعة من الاقلام للكتابة، وفي فترة عرض البرنامج يقوم الاطفال بتثبيت قطع البلاستيك على شاشات التلفزيون، ويقومون برسم كوبري او حبل عبر اي عائق يواجه «وينكي دينك»، ليتمكن من خلاله من الهرب ويشعر الاطفال بأنهم في قلب الاحداث ومع نهاية البرنامج تظهر مجموعة من النقاط في قاعدة الشاشة، ليقوم المشاهدون بتوصيلها ببعضها البعض للتعرف على كلمة سرية تساعد البطل في الحلقات المقبلة. بعد ذلك نجحت مجموعة من المهندسين في ابتكار طريقة جديدة لارسال البيانات عبر الاشارات القياسية باستخدام تقنية تعرف باسم VBI التي تسمح بعرض البيانات، الى جانب نقل الصور على شاشات التلفزيون، وقد استخدمت تلك التقنية في بادئ الامر في الولايات المتحدة لعرض بيانات ومعلومات مرتبطة بالبرامج والافلام لصالح الصم والبكم، ثم ظهرت بعد ذلك في انجلترا على ايدي مجموعة من مهندسي شبكة «بي. بي. سي» الذين قاموا بتطوير فكرة النصوص التلفزيونية، والتي مثلت اسلوباً مبتكراً لعرض الاخبار والمعلومات على شاشات التلفزيون من خلال النصوص، وظهرت تلك الخدمة لأول مرة عام 1974، ثم ظهرت على نطاق واسع في فرنسا، وتضمنت عناوين الاخبار العالمية ونتائج المباريات والرياضات المختلفة والسباقات ومعلومات عن السفر والافلام والمسارح والتقارير الجوية ونصائح للعناية بالمنازل والحدائق وما الى ذلك. عقب ذلك ظهر ما يعرف بتلفزيون الكابل او الارسال التلفزيوني الذي يصل للمنازل عن طريق كابلات سلكية وليس عن طريق البث عبر الاثير، وفي عام 1977 طور المسئولون بشركة وورنر كابل بولاية اوهايو الاميركية نظام بث مزدوج الاتجاهات لتلفزيون الكابل بالاشتراك مع شركة بايونير الوحيدة في ذلك الوقت التي امتلكت شبكة كابل تستخدم النظام المزدوج الاتجاهات، وابتكر الفريق جهازاً يتصل بالتلفزيون في المنزل، ويتضمن مجموعة من الازرار التي يمكن للمشاهدين الضغط عليها اثناء مشاهدة البرامج، ليدلوا بأصواتهم او آرائهم واختيار الافلام التي يرغبون في مشاهدتها وممارسة الالعاب وغيرها من الاشكال التفاعلية، وقد حققت الخدمة نجاحاً فائقاً، واوضحت في وقت مبكر رغبة المشاهدين القوية في الحصول على الخدمات التفاعلية وقدرتهم على تحمل تكاليفها او تخصيص جزء من ميزانية الاسرة للاشتراك بها. عقب ذلك بدأت شركات الكابل في تزويد المشاهدين بتقنية تفاعلية جديدة وهي وحدة التحكم عن البعد، الريموت كنترول، والمستمرة حتى الان والتي جسدت احد الاشكال الاولية للتفاعل مع التلفزيون خاصة انه ساعد على زيادة وعي المشاهدين بالخدمات التفاعلية وكيفية الانتقال والتفاعل مع القنوات بشكل سريع. ومع بداية الثمانينيات ظهرت تقنية جديدة لاجهزة الكابل عرفت باسم «هاي فيجن» ومثلت اول اشكال البث الرقمي ذي التفاصيل الفائقة، وقد ساعدت تلك التقنية على احداث ثورة في مجال صناعة الافلام وانظمة الكابل، حيث وفرت امكانية بث صور وصوت على تحسين المشاهدة بشكل عام من خلال النمط الرقمي، ولكن لم تبدأ تلك التقنية في الانتشار قبل 16 عاماً، وبالتحديد في عام 1996 عندما تقدمت مجموعة من الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا الرقمية باقتراحات لتنمية هذه التكنولوجيا كبديل للبث المتماثل «آنالوج». تلاحم العمالقة طوال هذه الرحلة كان التلفزيون التفاعلي عبارة عن فكرة غير مكتملة الملامح، وتتأرجح من تقنية لأخرى ولم يكن احد في صناعة التلفزيون يخطر على باله ان يلتفت لما يجرى من تطورات في مجل الحاسبات الشخصية التي كانت قد قطعت شوطاً طويلاً من التقدم والتطور، وفي النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين كانت قد بلغت مستوى كبيراً من التطور، وهنا حدثت البدايات الاولى للقاء الكبير الذي قاد في النهاية الى تلاحم التلفزيون مع الحاسب الشخصي في جهاز واحد.. فكيف حدث التلاحم؟ الحاسب الشخصي والتلفزيون جهازان يتعاملان بالاساس مع بيانات ومعلومات على شكل اشارات او نبضات كهربائية، فالحاسب لديه القدرة على تخزينها واسترجاعها وفق تطبيقات وبرامج معينة بالطريقة التي يريدها المستخدم، وهنا يكون مستخدم الحاسب مشاركاً ايجابياً يحدد شكل ونوع المعلومة التي تعرضها شاشة الجهاز وكيفية وتوقيت عرضها. اما التلفزيون فلديه القدرة فقط على استقبال المعلومات وعرضها في اللحظة نفسها كما هي دون تدخل، ونتيجة لذلك يظل المشاهد طرفاً سلبياً لا يتدخل في تحديد كم ونوع وتوقيت ما يعرض على الشاشة، وهكذا ظل التلفزيون جهازاً غير قادر على تخزين واسترجاع البيانات، بينما ظل الحاسب الشخصي بعيداً عن استقبال وتخزين المعلومات التلفزيونية التي تبث على الهواء. السبب الاساسي في ذلك يعود الى شكل وطريقة التعامل مع المعلومات في الجهازين، فنظم الارسال التلفزيونية السائدة حالياً تعتمد على طريقة في البث تعرف باسم الطريقة التماثلية او «آنالوج» ولكي نفهم هذه الطريقة نتخيل معاً مذيعاً يجلس في الاستديو ومسلطاً عليه كاميرا وامامه ميكروفون، وعند عملية الارسال يتحول صوت المذيع وصورته من موجات صوتية وضوئية الى تيار متصل ومتتال ومتماثل من النبضات الكهربائية التي تذهب الى محطة الارسال، ويتم تحميلها على موجات كهرومغناطيسية عالية التردد، قادرة على الانتشار في الهواء والسفر لمسافات بعيدة جداً، وعندما يلتقطها جهاز الاستقبال بالمنازل يقوم بعملية عكسية لفصل الموجات الحاملة عن الاشارات الكهربية الحاملة للصوت والصورة، ثم توجيه الاشارات او النبضات الاصلية الى الميكروفون والشاشة، لتعود الى طبيعتها الاولى كصوت وصورة، وكل هذه العمليات تتم في كسور من الثانية لا يحس بها احد، وبهذه الطريقة لا تكون هناك فرصة امام جهاز التلفزيون كي يتعرض هذا السيل المتتالي من النبضات وتخزينه والتعامل معه بأي شكل سوى العرض في اللحظة نفسها. اما الحاسب الشخصي فيتعامل مع المعلومات والبيانات بطريقة اخرى، فعقب تحويل البيانات سواء كانت نصاً مكتوباً او صورة او صوتاً الى تيار متصل متماثل من النبضات الكهربائية لا يقوم بتخزينها مباشرة، بل يقطعها الى عينات صغيرة جداً ويرقمها بحيث تأخذ كل عينة رقماً معيناً من مجموعة ارقام يطلق عليها العلماء الارقام المكافئة الثنائية، وهذه الارقام يستخدم في انشائها رقمان فقط هما الصفر والواحد، وكل رقم ثنائي مكافئ يتكون من مجموعة من الاصفار ومجموعة من الرقم واحد، فيمكن ان يضم خمسة اصفار وسبعة ارقام من الواحد، وقد يقل العدد او يزيد، وتسمى هذه العملية بالترقيم، والهدف من ذلك جعلها في شكل يسمح لقرص الذاكرة على الحاسب باستقبالها وتخزينها ثم اعادة عرضها بالطريقة التي يحددها مستخدم الحاسب والبرنامج التطبيقي الذي يقوم بتشغيله. ساعدت هذه الفوارق بين الحاسب والتلفزيون على جعل كل منهما في طريق، الى ان ظهرت تطورات تكنولوجية جعلتهما يلتقيان معاً في نقطة واحدة، فمن ناحية قد استطاع الحاسب الشخصي رفع قدراته في تخزين البيانات والمعلومات، واصبح بالامكان الآن وضع اكثر من ملياري حرف او 20 مليار نبضة كهربية على كل 5,2 سنتيمتر مربع من قرص التخزين. كما تضاعفت سرعة الحاسبات في التعامل مع المعلومات، واقتربت من 3 جيجاهيرتز، وهو ما يجعل الحاسب قادرا على اداء مئات الوظائف في اللاوقت تقريبا، كما تطورت الوسائط المتعددة بشدة وجعلت التعامل بالصوت والصورة والنص والحركة معا على الحاسب أمراً سهلا للغاية. اما جهاز التلفزيون فكان عليه انجاز مهمة اصعب، وهي تهيئة نفسه للتعامل مع البيانات التي يستقبلها بشكل يجعله قادرا على تخزينها، وهي خطوة صنعتها اخيرا الثورة الرقمية في البث الاذاعي والتلفزيوني، وتشمل كلاً من اجهزة الارسال في محطات البث واجهزة الاستقبال في المنازل، وفي هذه الثورة قام العلماء باضافة خطوتين جديدتين قبل بدء عملية الارسال هما الترقيم والضغط، بحث اصبحت طريقة البث التلفزيوني تتم كالتالي: تحويل صورة وصوت المذيع ـ كما في المثال السابق ـ من ضوء وصوت الى سيل متماثل متصل من النبضات الكهربية، ثم تكويدها رقميا بنفس الطريقة التي تتم عند تخزين البيانات على الحاسب ، ثم ضغطها بشدة لكي يقل حجمها فيسهل نقلها وتخزينها بعد ذلك، ثم تحميلها على الموجات الحاملة، لتتم عملية الارسال بشكل عادي، وعندما تصل هذه الاشارات الى التلفزيون في المنازل، يقوم الجهاز المنزلي بفصل الموجات الحاملة للحصول على المعلومات الرقمية الواردة اليه، وهنا يكون الامر قد اختلف جذريا عما كان في حالة التلفزيون العادي، لأن التلفزيون في هذه الحالة يستقبل معلومات جرى تكويدها وترقيمها في محطة الارسال بنفس طريقة اعداد البيانات للتخزين على الحاسب الشخصي، الامر الذي ادى الى توافر اساس موحد يسمح لجهاز التلفزيون بالتعامل مع المعلومة او المواد المذاعة بطريقتين الاولى: باعتباره حاسبا شخصيا كامل المواصفات، فيقوم بتخزينها ثم استرجاعها والتحكم في عرضها والتجوال داخلها واخضاعها للبرامج التطبيقية المتخصصة على الحاسب، والثانية: التعامل معها باعتباره تلفزيونا عاديا يعرض المعلومة مباشرة، ليراها المشاهد في اللحظة نفسها بعد فك الضغط والترقيم ثم تحويلها الى اشارات متتالية متماثلة من جديد، واخيرا تحويلها الى صوت وصورة، واستنادا الى ما تحقق من سرعة في الحاسبات وضخامة في قدراتها التخزينية وما تحقق في مجال البث الرقمي، تكون التكنولوجيا قد وضعت الاساس المطلوب لانتاج اجهزة تحمل خصائص التلفزيون والحاسب الشخصي معا. من هنا ظهر للوجود التلفزيون التفاعلي اي الذي يسمح بأن يتفاعل معه المشاهد بالاخذ والرد، ولا يجلس فقط لمجرد المشاهدة، فهو يستقبل معلومات ويستطيع ايضا ان يرسل معلومات اخرى سواء لجهاز التلفزيون فقط او لمحطة الارسال او لجهة اخرى ثالثة كمتجر يتسوق منه البضائع أو جهة حكومية يتعامل معها. وحاليا هناك نحو 54 مليون منزل في جميع انحاء العالم توجد بها خدمات التلفزيون التفاعلي او الجهاز الذي تتلاحم فيه قدرات الحاسب الشخصي مع التلفزيون، وفي شهر يونيو الماضي قامت شركة «اوبن تي في» و«يورونيكست» اللتان تعتبران من اكبر شركات التلفزيون التفاعلي بتزويد المشاهدين في جميع انحاء العالم «أوروبا، الشرق الاوسط، اسيا، اميركا الجنوبية» بفرصة اختبار خدمة تفاعلية جديدة لعشاق كرة القدم خلال كأس العالم الماضي فلأول مرة حصل مالكو اجهزة العرض التلفزيوني الرقمية على فرصة للتفاعل مع بث مباريات كأس العالم من خلال اختيار زوايا الكاميرا التي يشاهدون المباراة من خلالها، الى جانب الحصول على احصائيات وحقائق عن اللاعبين والفرق والاطلاع على معلومات قيمة من اتحاد الفيفا، وتمتع ما يصل الى 20 مليون مشاهد في اكثر من 12 دولة بامكانية الحصول على الخدمات التفاعلية لعرض المباريات، وكذلك حصل المشاهدون على تعليقات صوتية بجميع اللغات على المباريات وامكانية اعادة الاهداف حسب الطلب أو مشاهدة المباريات التي فاتتهم في الوقت الذي يناسبهم، مع مشاهدة اللقاءات التي اجريت مع اللاعبين واختيار كأس العالم، ونتائج المباريات الاخرى، وجدول المواعيد مع الاشتراك في المسابقات المنزلية وتوقع الفائزين او الاجابة عن اسئلة ومشاهدة ما يصل الى اربع مباريات في الوقت نفسه. ونكمل حديثنا عن التلفزيون التفاعلي في عدد الجمعة المقبل