الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 اتاحت دراسة حديثة تعيين الباحات الدماغية التي تتنشط عند شعورنا بالتعاطف مع الآخرين ومن شأن ذلك تسهيل فهم السلوكات «اللااجتماعية» وتصور علاجات جديدة لمداواتها في الحقيقة، لماذا يتميز البعض، اكثر من آخرين، بقدرة كبيرة على الاحساس بوجود رابط تعاطف مع الآخرين؟ هل يتعلق الامر بلياقة فطرية، ام ان هذا التعاطف هو شيء يتم اكتسابه بالخبرة والتجربة؟ اذا كانت مثل هذه الاسئلة قد شغلت الفلاسفة في كل زمن، فإنها جذبت اهتمام العلماء ايضاً باستمرار، ومن بينهم البروفيسور «جان دستي» و«تيري شاميناد»، الباحثان في المعهد الوطني للصحة والابحاث والدراسات الطبية (باريس)، والمنتدبان الى جامعة واشنطن (سياتل ـ الولايات المتحدة). حلل هذان الباحثان (سيرورات الخلايا العصبية) عند اشخاص جعلاهم في وضع يحسون من خلاله بتعاطف مع اشخاص آخرين وكشفت دراستهما عن ان لياقات الاحساس الدماغية بهذا الشعور تكمن ليس فقط في قابلية تعرف الانفعالات التي تنتاب الآخر، بل ايضاً في القدرة على وضع الذات عقلياً في مكانه. قامت اعمالهما على السعي لايضاح الدور الذي تضطلع به الدماغ الضالعة في انبثاق هذا الشعور. وانطلقا في ذلك من مقولة انه ربما كانت تشترك في التعاطف نواح من الجملة العصبية المركزية التي تعالج الانفعالات (اللوزة المخية، والقشرة الحجاجية الجبهية، «باحة مثلثة الشكل تقع في قشر الدماغ») وكذلك منظومة «التصورات المتقاسمة» بين الذات والآخرين (القشرة الجدارية السفلى وقشرة مقدم الحركة) تتحرض هذه المنظومة عند انجاز فعل ما، وعند النظر الى شخص آخر وهو يؤدي هذا الفعل نفسه، او ايضاً عند تصور القيام بهذا الفعل. ولتقدير صحة فرضيتهما، عرض العالمان، على عينة دائمة من الاشخاص من سن 21 الى 24 سنة، لقطات تلفزيونية عديدة تظهر كوميديين يروون حكايات كما لو انها لهم فعلاً. كان مضمون الحكايات على نوعين: حزين (مرض او وفاة قريب)، او عادي تماماً ( من احداث الحياة اليومية المعتادة) كانت كل حكاية تروى من قبل الممثل نفسه، ولكن بثلاث طرق متباينة: باستخدام تعابير انفعالية توحي بالحزن، والفرح، او الحياد، وخلال العروض، كان يتم تحليل عمل دماغ كل متطوع من خلال التصوير بالبث المقطعي البوزيتروني، وهي تقنية تصوير طبي تسمى «وظيفية» تتيح رسم الاختلافات في ورود الدم الدماغي بوساطة «جزيء واسم»، او بعبارة اخرى تتيح ملاحظة مناطق الدماغ التي تتنشط، وبعد ان شاهدوا عرض كل حكاية، قدر المتطوعون مستوى التعاطف الذي احسوا به ازاء الكوميدي وفقاً لمقياس وضعه الباحثون ثم جرى تقاطع لهذه المعطيات مع نتائج التصوير المقطعي بالبث البوزيتروني. وكما توقع الباحثان، كان معدل التعاطف الأعلى هو بشكل عام ذلك الذي يحس به المتطوعون ازاء الكوميديين الذين يروون حكايات مأساوية بتعابير حزينة، وفي كل مرة من هذه الحالات، اظهر التصوير الطبي استنفار المنطقة الدماغية المخصصة لمعالجة الانفعالات، وكذلك تنشط مناطق ترتبط بالـ «تصورات المتقاسمة». على العكس، لم تطلق اللقطات التلفزيونية التي كان يروي فيها الكوميديون حكايات حزينة مع التعبير عن الفرح مشاعر تعاطف ولم تنشط مناطق دماغية ضالعة في الانفعالات وفي التصورات المتقاسمة بالمقابل، البنى الدماغية الضالعة في ادارة الصراعات الاجتماعية (قشرة مقدم الجبهة البطينية الوسطى او التلفيف المخي الجبهي العلوي) كانت تستنفر بقوة. في النهاية، تشير هذه النتائج انه من اجل بلوغ شعور التعاطف، يلزم ليس فقط التمكن من تعرف انفعالات الآخرين (تحرض الجهاز المرتبط بمعالجة الانفعالات)، بل ايضاً فهم الوضع الموجود فيه (تحرض شبكة الخلايا العصبية التي تخص «التصورات المتقاسمة») ان الشخص الذي لا ينتابه شعور التعاطف هو، مثلما اظهرته الاوضاع في حالة النفور الغريزي شخص لا يستنفر نواحي الدماغ التي تمكنه من فهم وجهة نظر الآخر. ولكن، كيف يتصرف الدماغ لفهم الوضع الذي يعيشه الآخر؟ بالمحاكاة، حسب رأي الباحثين: على نحو غير واع، نتصرف كما لو اننا كنا نعيش الوضع نفسه.. مع معرفتنا مع ذلك بأنه ليس وضعنا، هذه اللياقة الاخيرة ممكنة بفضل دور القشرة المخية الجدارية السفلية اليمنى، الذي يتيح للفرد تمييز افعاله عن افعال الآخرين وهكذا، فإن احدالمعلمات الرئيسية لاطلاق التعاطف ربما كان يتمثل في نهاية الامر في قابلية وضع الذات مكان الآخر، ولكن مع بقاء الذات كما هي.. ويأمل البروفيسور «جان دستي» ان «تتيح هذه الملاحظات ذات يوم الفهم الافضل للأسس العصبية والنفسية لبعض السلوكات اللااجتماعية: على سبيل المثال، تفسير سبب انعدام وجود لياقة الاحساس بالتعاطف او بالتناغم الوجداني لدى بعض الاشخاص، ويرى بعض العلماء ان التعمق في هذا المجال يمكن ان يفضي الى ابتكار علاجات جديدة. غصون عمار