الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 تبذل اليوم العديد من المحاولات للحفاظ أو لتعزيز قوة الشباب، غير أن هناك عنصراً واحداً مشتركاً فيما بينها: الفشل في تحقيق هدفها. إن الأشخاص الذين يعيشون إلى ما بعد الخامسة والستين في هذه الأيام من المحتمل أن يستمتعوا لفترات وجيزة بشيخوخة نشطة أكثر من نظرائهم في العهود الغابرة. لقد ابتكر الباحثون وسائل علاجية مفيدة للاضطرابات الأكثر شيوعا بعد تقدم العمر، مثل السرطان وأمراض القلب. وخلال المائة والعشرين سنة الماضية تقدمت الوسائل الصحية والعقاقير التي تكافح الأمراض المعدية في الدول المتقدمة والتي أدت إلى تخفيض الموت المبكر. لكن من المعروف أنه لا يوجد شيء يؤجل أو يبطئ العمليات الفطرية التي تسبب شيخوخة الكبار وتجعلهم يعانون انحداراً في الأداء الوظيفي النفسي مع تقدم السن. نتيجة لذلك فإن العلاج الناجح لأحد الأمراض في عمر متأخر يعني أحياناً أن مشكلة أخرى لها علاقة بالسن تحل محله قريباً. يبقى الوهن من نصيب هؤلاء الذين تجاوزت أعمارهم الثمانين عاماً، بغض النظر عما تروج له وسائل الإعلام أحياناً عن عَدّاء الماراثون الذي بلغ التسعين! قد لا يعني هذا أن تأجيل الشيخوخة سيكون مستحيلاً إلى الأبد. فمنذ عام 1980م أشارت بعض الدراسات العلمية إلى إمكانية تحقيق ذلك على الحيوانات، مع أنها تجري بطرائق لا يمكن تطبيقها على البشر. إن وضع بحوث الشيخوخة في عام 2000 هو مثل وضع الفيزياء الذرية في عام 1929، عندما اكتشف علماء الفيزياء في ذلك الوقت القوى الكمية التي لم تكن متخيله من قبل فكان السؤال: هل بإمكانهم تسخير هذه القوى؟ لقد أحرزت بحوث الشيخوخة تقدماً كبيراً في الآونة الأخيرة، لكن يبدو أنها تقدمت بما فيه الكفاية لتؤجل سنوات وهننا؟ هناك على كل حال، من هو متفائل بأن مثل تلك العمليات يمكن أن تصبح أكثر وضوحاً ذلك أن بعض الغموض المحيط بهذا المجال قد بدأ في التلاشي تدريجياً من قبيل لماذا تنشأ الشيخوخة في المقام الأول؟ فقد تمكن الباحثون من التوصل إلى الإجابة عن هذا السؤال بتطوير استراتيجية عقلانية لاكتشاف طرائق الكيمياء الحيوية التي ربما يمكن معالجتها لتزيد من عدد سنين قوتنا ونشاطنا. إن الإنسان لا يصل إلى مرحلة الشيخوخة بسبب عيب ما في أنواع الخلايا، غير أنه من المستحيل أن ينجو إنسان من الشيخوخة، غير أن بعض أنواع الكائنات الحية قد تتمكن من ذلك عندما حفظت نباتات شقائق النعمان البحرية عديمة الجنس في أحواض مائية لم يظهر عليها أي اعتلال في الصحة. من المعروف أنه كلما أدت المورثات إلى نوع من الإعاقة وعدم القدرة، انتشرت أكثر، لأن الذين يحملون تلك المورثات سيكونون قادرين على التناسل أكثر من غيرهم ومن ثم فإن الشيخوخة تنتشر بشكل أكبر، لأن الاصطفاء الطبيعي- الحارس الذي يحمي بقوة السمات التي تولد الصلابة خلال الشباب- يصبح نفسه ضعيفاً بشكل متزايد في سن البلوغ. هناك مرضان وراثيان مدمران يجعلان هذه النقطة مأساوية،أولها ما يعرف بـ «الشيخوخة المبكرة»، التي يسببها تحول في نسخة واحدة من مورث واحد في جنين جديد، تؤدى إلى تدهور كابوسي خلال مرحلة الطفولة مما يؤدي إلى التحول السريع في الكثير من الأنظمة إلى درجة أن الأطفال يبدون شيوخاً كأجدادهم، وهؤلاء يموتون عادة بمرض القلب أو سكتة دماغية قبل بلوغهم الخامسة عشرة. أما الجانب الآخر فهو مرض هنتنقتون، الذي يسببه أيضاً عيب في نسخة واحدة من مورث، ويظهر في منتصف العمر. في هذه الحالة يتحلل الجهاز العصبي في النهاية مؤدياً إلى الوفاة. إن مرض الشيخوخة المبكرة نادر، في حين أن مرض هنتنقتون يعد نسبياً من بين الاضطرابات الوراثية. لماذا؟ إن المصابين بالشيخوخة المبكرة يموتون عادة قبل التناسل. بهذه الطريقة يزيل الاصطفاء الطبيعي الشديد،وبشكل جاهز تحول الشيخوخة من مجمع المورثات متى ما نشأ. إن التحول لأحداث مرض هنتنقتون، من ناحية أخرى، لا يتدخل بشكل كبير في التناسل، لأنه لا ينتج إعاقة أو عدم قدرة حتى بعد أن ينتج الناس كل أطفالهم أو معظمهم. فهو يظهر في المرحلة التي تضعف فيها قوة الاصطفاء الطبيعي. وقد أجرى العالم البريطاني جي. إس. هاملتون في كلية لندن الجامعية بحثاً خلص فيه إلى أنه بالنسبة للكائنات الحية التي لا تتناسل بالانشطار إلى اثنين، فإن قوة الاصطفاء الطبيعي تفشل في البقاء في سن البلوغ ومن ثم تختفي تماماً في آخر العمر. لأن الاصطفاء الطبيعي هو مصدر جميع التهايؤ، وكذلك الصحة فإن صلابة الكائنات الحية الأكبر سناً تنحدر باضمحلال الاصطفاء الطبيعي. في النهاية ومع الغياب المستمر للاصطفاء الطبيعي في أعمار متأخرة، فإن البقاء قد يكون أكثر عرضة للخطر لدرجة أن الظروف الأمثل والرعاية الصحية قد تكون غير قادرة على إبقاء الفرد الأكبر سناً حياً. وإذا كانت القوة المتناقصة للاصطفاء الطبيعي بعد بداية التناسل تفسر حقيقة نشوء الشيخوخة، فإن تأخير هذا الهبوط بشكل مستمر لعدد من الأجيال في السكان تم اختبارهم يجب أن يؤدي إلى نشوء شيخوخة مؤجلة بشكل كبير في تلك الذرية. وقد اتضح أن هذا التنبؤ صحيح في نوع من ذباب الفاكهة، حيث تم تأخير تناسله عبر عشرة أو أكثر من الأجيال. نتيجة لهذه التجارب، فإن العلماء الآن لديهم سلالات تعيش ثلاث أو أربع مرات أطول من العادي وهي بصحة جيدة ولمدة طويلة كذلك. وظهر من التجارب أن ذباب الفاكهة الذي أظهر شيخوخة متأخرة ظهرت عليه علامات الحيوية بشكل مدهش. فهو لم يحافظ على مجرد وظائف إحيائية فقط لمدد أطول ولكن أظهر إمكانات متفوقة في كل سني البلوغ. وأبدت قدرتها في الشباب وفيما بعد، وبشكل أفضل على مقاومة الضغوط المميتة عادة مثل الجفاف الحاد والجوع. وتظهر أيضاً براعة رياضية أكثر من نظيراتها في العمر، لكونها تكون قادرة على المشي والطيران لمدد أطول. إذ كان بالإمكان معاملة الناس بالطريقة نفسها، فإن مشكلة تأجيل الشيخوخة البشرية يمكن أن تحل بتأخير ولادة الأطفال إجبارياً لأجيال كثيرة ولاشك أن مثل هذه الممارسات ستكون بربرية وبطيئة للغاية في التوصل إلى نتائج معقولة. على هؤلاء الراغبين في تأخير الشيخوخة أن يجدوا طرائق أخرى، طرائق تشبه بالضرورة التغييرات النفسية التي أحدثتها أجيال من التناسل المؤجل. (ملحوظة لهؤلاء الذين أغرتهم محاولة تأجيل التناسل: لا تنتج هذه الممارسة أي فائدة مباشرة لك أو لأطفالك المستقبليين. فهي من المحتمل أن تستغرق حوالي عشرة أجيال لتزيد طول العمر وعدة قرون من الزمان لتنتج زيادة كبيرة في امتداد الحياة). الأسباب الكيماوية الحيوية تدل نظرية النشوء وبعض التجارب الأولية على أن مئات من الطرائق الكيماوية الحيوية التي حددت وراثياً العديد من التفاعلات الجزيئية- تؤثر على طول العمر وقد تعالج هكذا لتؤجل الشيخوخة ولكن لم تكتشف حتى الآن سوى القليل من الجينات (المورثات) أساساً في الدودة السلكية أو الخيطية وفي ذبابة الفاكهة وفيما إذا كانت النتائج في هذه الكائنات الحية تنطبق على البشر أم لا؟ غير أن هناك تجارب مماثلة على الناس أيضاً فمثلاً، أظهرت التحليلات الوراثية على فرنسيين بالغين من العمر مائة عام، أن هناك مورثين متغيرين قد يشتركان في تأجيل الشيخوخة في الناس: يرمز لأحدهما باسم أبو ليبوبروتين إي (بروتين يعمل في نقل الكلوسترول)، والآخر إنزيم لتحويل انجيوتنسين (يعمل في تنظيم ضغط الدم). في كل حالة وجد أن أليلات أو متغيرات، من المورثات أكثر عمومية في البالغين من العمر مائة عام أكثر مما في البالغين الشباب. ولا تشير نتائج التجارب الفرنسية إلى أي علاجات مضادة للشيخوخة. ولا يعرف أحد تحديداً كيف أن الآليات العامة في الناس الذين عاشوا طويلاً قد تكافح الشيخوخة زيادة على ذلك فإنه حتى لو ربطت هذه «الآليات»، أو هذه التي لم تكتشف أولاً في الديدان وذباب الفاكهة، بتطويل الصحة في الناس، فإن الاكتشاف سيشكل خطوة واحدة فقط تجاه تأخير الهرم. إن تغيير عملية الشيخوخة المتعددة العوامل من المحتمل أن يتطلب معالجة طرائق كيماوية حيوية متعددة وربما كثيرة. ولحسن الحظ فإنه يمكن تطبيق المعالجة نفسها التي اختبرت نظرية نشوء الشيخوخة لتكشف مجموعات كبيرة من المورثات التي لها أثر على امتداد الحياة. وفي استجابة للتناسل المؤخر، فإن الاصطفاء الطبيعي قد صنع كائنات حية أظهرت شيخوخة مؤجلة. إن معرفة (الأليلات) المحددة التي تختلف في الحيوانات التي عاشت طويلاً والعادية سيساعد الدارسين في أبحاث للشيخوخة ليطوروا علاجات تضاهي أو تعزز آثار (الأليلات) المستفيدة وتلك التي تتصدى للآثار الضارة منها. على العلاجات المرشحة، بالطبع، أن تختبر بنجاح في حيوانات المختبر قبل تقويمها في الناس. التقنية وسرعة الانطلاق وسواء كان ذباب الفاكهة أو الحيوانات الأخرى هي موضوعات الدراسات المقارنة، فإن العمل لن يكون سهلاً. ليس على العلماء أن يعرفوا فقط المئات أو الآلاف من (الأليلات) التي تحدث أحياناً كثيرة في المواضع التي تعيش طويلاً، ولكن عليهم أيضاً أن يحلوا شفرة الوظائف الإحيائية والجوانب الفريدة للبروتينات المقابلة. تحتاج التقنيات المجمعة لتؤدي هذه الواجبات التي تقع تحت اسم مجموعة العوامل الوراثية الوظيفية وهي عمل كثير متقدم. وفي حالة إذا كان التقدم سريعاً بما فيه الكفاية، فإنه بإمكاننا أن نرى الشيخوخة البشرية تؤجل بشكل كبير بحلول عام (2050)! قد يبدو ذلك مربكاً ومحيراً إلى حد ما في ضوء الدعاية التي لا تنتهي بشأن الآثار المحتملة المضادة للشيخوخة لأي عدد من التدخلات. مع ذلك، فلم يبرهن حتى الآن على نجاح علاج مقترح، ومن المحتمل ألا يكون هناك، علاج له أثر مفاجئ. ما الذي يكمن خلف تأجيل الشيخوخة البشرية إلى وقت ما في القرن المقبل؟ إن تأجيل شيخوخة البشر ليس شيئاً إيجابياً كله، فهو أشبه ما يكون بوضع إنسان على سطح القمر. إن بقاءنا ووظيفتنا في الحياة فيما بعد سيتحسنان إجمالاً، كما تحسنت السيارات مثلاً بشكل مستمر خلال القرن الماضي، لا نتصور إلى أي مدى يمكن أن تمدد حياة البشر إذا توصل العلماء إلى كيفية تحويل المورثات المضادة للشيخوخة في الشباب أو تجهيز أنواع من العقاقير التي تؤدي الغرض نفسه كالهندسة الوراثية، مع ذلك لا يعلم أحد حتى الجوانب الأساسية التي تحتاج إليها التدخلات الناجحة. يبقى في النهاية أن نشير إلى أن تأجيل شيخوخة البشر يثير مواضيع وقضايا صعبة يتعلق بعضها بالسياسات العامة والأخلاق الشخصية من قبيل كيف يعمل الضمان الاجتماعي في مستقبل الشيخوخة المؤجلة؟ ماذا سيحدث للتقاعد في سن الخامسة والستين؟ أليس هناك شيء غير أخلاقي بشأن الكبار المتعلقين بالحياة؟ مما لا شك فيه أن هذه الأسئلة الصعبة تثير قلق الكثير من الأشخاص.