الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 «الصبار» عنوان فيلم تسجيلي طويل (100 دقيقة) إنتاج سويسري تم عرضه عن طريق الثقافة السويسرية في القاهرة مؤخراً بحضور الشاعرة والمصورة الفلسطينية زهيرة الصباغ التي شاهدناها طوال الفيلم تتحدث عن القرى والأماكن التي تنقلت فيها الكاميرا وعن تاريخها وأرضها ذات الأصول العربية، عن بيوتها، عن تراثها المسجل عبر الصور الفوتوغرافية، التي قامت بنفسها بتصويرها. وموضوع الفيلم الأساسي هو حياة طبيب سويسري عاش خمسين عاما في الناصرة، ويصوره الفيلم مع زوجته بين القرى والمدن الفلسطينية، وقبل أن يعود لوطنه ويتوفى بعد شهر من تصوير الفيلم، فيلم سويسري الإنتاج، ولكنه فلسطيني الهوى والقضية. كانت أولى الكلمات في الفيلم منذ إنشاء إسرائيل دمرت 400 قرية فلسطينية يطالب أهاليها بإستعادة أراضيهم ويركز على رموز جوهرية: «البيت الفلسطيني»، و«الصبار». «البيان» اجرت هذا الحوار مع المصورة والشاعرة زهيرة الصباغ لتروي تفاصيل ورشتها الخاصة وانطلاقة علاقتها بهذا الفضاء التعبيري. تقول زهيرة في البداية ولدت ونشأت وأعيش في الناصرة، ودراستي الجامعية ليسانس في الأدب الإنجليزي، ثم ماجستير في علم المكتبات، وأعمل في مكتبة بلدية الناصرية كمسئولة الأطفال وأنا أم لابنة، وحفيدتي مغنية فلسطينية معروفة ملتزمة حائزة على جائزة فلسطين الأولى في الغناء ولم تأخذها قبلها إلا فيروز. وإبنى فراس البنا شاب مناضل سياسي وأعتقل سياسيا أكثر من مرة. ـ ماذا عن الشاعرة؟ ـ بدأت أكتب الشعر وأنا صغيرة، تركته لفترة وبعد 12 سنة زواج خرجت من البيت أنا وأولادي لأنني كنت أعيش واقعا أليما.. كان زوجي عنيفا، وأنا إمرأة مطلقة، في كتاباتي الشعرية الأولى انتقمت من هذه المعاناة، لكني لم أصدر أي ديوان وقتئذ بسبب عدم توفر الإمكانيات وبسبب آخر أهم أن مصدر التمويل الذي كان متاحا هو من الجانب الإسرائيلي الذي رفضته، ثم أخذت قرضا وذهبت إلى الأردن حيث أصدرت ثلاثة دواوين «رغب اليمامة» قصيدة طويلة مقسمة إلى ترانيم تناغم مع بعض، والثاني بعنوان «كرمل الروح».. وهو إسم قصيدة أهديتها إلى ابني حينما كان في السجن، وهو مجموعة من القصائد تتعلق بشكل أو آخر بالموضوع الفلسطيني، أما الديوان الثالث «في البدء كانت».. كان صدى للديوان الأول وكان فيه توجه للرفض النسوي والتمرد على وضع المرأة وفي القاهرة سلمت ديواني الأخير «أرجوانيات كنعان» ليصدر عن دار نشر خاصة، جزء منه قصائد من التراث الكنعاني، وقصائد عن الإنتفاضة الفلسطينية بأسماء شهيدات، ومنهن من استشهدت وهي في القماط، كتبتها بشكل إنساني، فإنني أميل إلى مخاطبة الآخر أو العالم عن طريق لغة إنسانية فنية لا تساوم لها موقف واضح ولكن خارج الشعارات ولعل هذا يقنع الآخر إلى جانب البندقية أو الاثنان يعملان معا. غير الشعر عندي مجموعة قصص قصيرة عن الانتفاضة الأولى سميتها «انتفاضة البنفسج» أخذت شريحتين من الإتنفاضة:المرأة والطفل الفلسطينيين طفل الحجارة والمرأة أمه التي كانت جزءا من الإنتفاضة، مجموعة القصص عن الإنتفاضة الأولى، أما ديوان الشعر فعن الإنتفاضة الثانية. ـ كيف تتواصلون مع إخوتكم الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس؟ ـ قدر الفلسطيني في كل مكان أن يشتغل بالطريقة التي يتواصل بها مع قضية شعبه، ونحن في وضعنا كالخراف على مآدب اللئام، ووجدنا في وضع ما تبقى من الشعب.. مطرود لا حول له ولا قوة، قضى عليه بالتشتت، والإنشطار عن الأمة العربية، من 1948، حتى 1967، قضى علينا أن ننقطع عن العالم العربي ـ الأم ـ عن الأدب العربي لم يكن مسموحا الكتابة بالعربية، رغم الحكم العسكري فقد قامت تنظيمات تناضل من أجل تأكيد الهوية العربية، والحفاظ على الذاكرة والتراث الفلسطيني، أفراد كل عائلة يمتدون بين رام الله والقدس، كما ألمانيا والخارج، في الانتفاضة الأولى لم نكن بمنأى عنها، قمنا بمظاهرات، اعتدى الجنود علي، ضربوا الرصاص على أقدامنا.. كنا نرسل إلى اخواننا المعونات ومواد الاغاثة.. أرسلنا 40 شاحنة في يوم واحد.. كل واحد منا يقوم بدور.. واجهنا محاولات التفرقة والطائفية والمخططات الأميركية وراءها. ـ ما هو دور الصورة في خدمة القضية الفلسطينية وحفظ الذاكرة والهوية؟ ـ كنت كلما أمر بمنطقة مدمرة من قرانا وبيوتنا القديمة كنت أتوقف هذا تاريخنا كل حجر وراءه تاريخ وجدت أنه لا بد أن يوثق شاركت في دوره للتصوير الفوتوغرافي وكان معي كاميرا روسية بسيطة جدا. وانضممت إلى مجموعة من الشبان الصغار، بعد فترة عمل مشترك بدأنا في مشروع تصوير قرية «صفوري» كنا نطلع طلعات وأخذنا نصور ما تبقى من البيوت وكان محل البيوت المدمرة زرعوا شجرة الصنوبر من أجل تفكيك الحجارة ومحو معالمها عن النظر، حتى لا يقع النظر إلا على احراج، لكن مازالت هناك بقايا من الجدران، المكان الوحيد الذي لم يهدموه هو دير سكان صفوري كلهم مسلمون ولكن الدير المسيحي كان يضم عيادة مدرسة ومخيطة، هذا ظل قائما لأنه تابع لهيئة أوروبية، أخذ بعض اليهود الحجارة الباقية من البيوت المدمرة ليعملوا منها ديكورات لبيوتهم وقد وجدت في صفوري لوحات حجرية قديمة تشير إلى تاريخها القديم وهويتها الفلسطينية وقد وضعوها في منطقة آثار وقاموا بتسميتها، وأنكروا كل ما يمت إلى أصلها العربي القديم. وقد أقمنا معرضا لهذه الصور طاف بكل المدن الفلسطينية، وبعد أن نجح معرض صفوري انتقلنا نصور في قرى ومدن أخرى، صفد، عين الزيتون، عين الحلوه وغيرها. عندي آلاف من هذه الصور، قطعت من معاشي لكي نصورها وتحتفظ بها صور نادرة مثل الحجر الذي يوضع على مدخل البئر، أو الرحي. ـ لماذا لا تنشرون شروحا مع الصور توضح تاريخها وأهميتها؟ ـ عملنا ألبوما كبيرا وكل قرية لها صفحة، وأطمح في المستقبل أن تنشر البومات الصور ومعها وثائق وأملك وثائق هامة تثبت ملكية الفلسطينيين للبيوت والأراضي في صفوري طردونا من بيوتنا بحجة أسباب عسكرية، وقالوا أننا سنعود بعد أسبوعين. وأعطونا هوية تثبت ملكيتنا ثم ماطلوا في عودتنا، رفعنا قضية أمام المحكمة العليا.وبعد خمسين سنة لم نصل إلى حل. نفس الشئ حدث في قرية إقريط قرب حدود لبنان الجنوبية وقرى أخرى، حتى الآن 90% من الأراضي الفلسطينية لا تزال على اسم أهلها ولكن «القانون» لا يطبق في الناصرة وصادروا أراضي كثيرة لنا بحجة التطوير. ـ كيف تم مشروع فيلم «الصبار».. وهل عرض الفيلم في الخارج؟ ـ جاء المخرج السويسري باتريك بورج لكي يصور حياة طبيب سويسري اسمه الدكتور برنات عاش في الناصرة وجاء عن طريق الصليب الاحمر وشاهد وضع اللاجئين، وعمل في المستشفى الإنجليزي وقدم خدمات جليلة للفلسطينيين، أعطى من عمره خمسين سنة، وعرف المخرج أننا نشتغل على التراث وتصوير القرى المدمرة وشاهد شريط فيديو كنا قد صورناه بطريقة بيتية بسيطة وسميناه «الصبار» وكنا قد أعددناه لمعرض صور صفوري، ومن هذا الشريط أخذ فكرة موضوع الفيلم وقام بعمل مزج ما بين بيته وبين موضوعه عن الدكتور برنات، وقام بالوصل بين الفكرتين الصور التي كان الدكتور برنات قد صورها عام 1948 ومن هنا تمت دوائر الحلقة، وبقيت على إتصال مع المخرج على مدى شهور، كان حساسا تجاه كل كلمة أقولها له، كان عنده نية طيبة، ووجدت في النهاية أن للفيلم مردود طيب، وأنه بحكم أن مخرجه أوروبي سويسري قد نجح في أن يخاطب مجتمعه والعالم الغربي باللغة التي يفهمها وخاصة أن هناك تضليل وتعتيم وإعلام صهيوني قوي، وعندما حضرت عرض الفيلم في سويسرا كان الناس يبكون ويقولون: «ماذا فعلنا فيكم، كيف يمكن أن نساعدكم؟» قلت لهم إذهبوا إلى مدينتكم جنيف تجدون كل إتفاقيات حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية فتشوا في الارشيف عن قرارات الأمم المتحدة، المهم أن يكون لنا كيان سأبقى في أراضي.هذه أراضي، وقد عرض الفيلم بمهرجان نيويورك،وفي فرنسا وفي أكثر من جامعة وملتقى وقد ذهبنا مع فريق التصوير إلى الأماكن التي زارها الدكتور برنات أو خدم فيها، وقد رافقنا بنفسه، خلال التصوير في إقريط ومخيمات إريحا، وفي الصور التي ضمت أكبر مخيم للاجئين حوالي 000,100 لاجئ شاهدنا حياة فظيعة إذ كانوا قد هجروا من عام 1967. ـ هل عرض الفيلم في فلسطين؟ ـ عرض خلال إنتفاضة الأقصى في يوم الأرض مجموعات فلسطينية عديدة حضروا العرض، ترك الفيلم إنطباعا طيبا، أرسل فيصل الحسيني أحد مساعديه لمشاهدة الفيلم. كما عرض في التليفزيون، في عرضه بسويسرا أرسلت السفارة الإسرائيلية إلى العاصمة بيرن مندوبين للتشويش وواجه هجمة من بعض الجهات الصهيونية. ـالعمائر العربية والإسلامية الباقية من جوامع ومبان تستحق نداء لليونيسكو للحفاظ عليها ؟ ـ لقد أساءوا كثيرا إليها، جامع صفد هو الوحيد الباقي وضعوا على جدرانه الخارجية إعلانات، بعض الجوامع هدمت مآذنها أو حولت إلى متاحف أو نوادي لقد رأى العالم كيف تعاملوا مع كنيسة بيت لحم أثناء الحصار لم يحترموا الكنيسة القديمة كأثر ديني أو حضاري، اليونسكو؟ ماذا يمكن أن يفعل مع حكومة عنصرية؟ ـ الصبار.. ماذا يعني كعنوان؟ ـ الصبار رمز للصمود والبقاء الفلسطيني، أشواكه فيها قسوة الحياة الفلسطينية، حيرة، صبر الفلسطيني الذي ينتظر ولا يتركه إيمانه بحقوقه. وبأرضه، أنهم لا يريدون إستلاب الأرض وحدها، بل إستلاب الذاكرة، التراث ومن هنا كانت رسالة الصورة. القاهرة ـ فوزي سليمان: