الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 ان التطور الحديث في مجال علوم البيولوجية الذرية وعلم الوراثة قد ادى الى زيادة الاهتمام في الامراض الوراثية والمكتسبة. ان 5% من اطفال العالم وحسب احصائيات منظمة الصحة العالمية مصابون بأمراض وراثية أو امراض جينية بدرجات مختلفة واحياناً بشكل ظاهر للعيان. لقد حصل في السنوات الاخيرة تقدم هائل في مضمار علم الجينات والهندسة الوراثية والفحوصات الجينية المختلفة والمتعددة لتشخيص الاصابات وكذلك فقد حصل ومن خلال الخطى الحثيثة في هذا المضمار قفزات نوعية في مجال علاج هذه الامراض قبل الولادة واثناءها وخلال ايام الطفولة المبكرة. ان معظم الاطفال يولدون طبيعيين ولكن قد يحدث ان يولد طفل يحمل مشكلة وراثية ورغم ندرة هذه المشاكل لكنها تدعو للقلق الشديد ليس فقط لوالدي الطفل بل انما للعائلة ككل ومن يحيط بها من اقارب ومعارف وحتى للطبيب نفسه ومن هنا تبدأ أهمية الاستشارة الوراثية قبل الزواج او قبل الانجاب للاشخاص الذين ينتمون الى اسر فيها افراد مصابون بأمراض وراثية او تشوهات خلقية او اضطرابات استقلابية او عيوب خلقية وظيفية. مشكلة صحية ان عبء الامراض الوراثية والجينية هو حمل ثقيل على المجتمعات في العالم الشرقي وذلك لتفشي بعض العادات المتوارثة مثل زواج الاقارب والتي لا ننكر ما تحمله من حفاظ على العادات والتقاليد العائلية والحفاظ على الارث وتقدير واحترام بنات الاسرة، ولكنها في الوقت نفسه تحمل في طياتها مخاطر زيادة فرص حدوث امراض وراثية وجينية في حال زواج رجل حامل لمرض معين من امرأة حاملة لنفس المرض وبالتالي ولادة اطفال مصابين بنفس المرض بنسب مختلفة. وكذلك على سبيل الذكر وليس الحصر فإن الاستعداد الوراثي لبعض الامراض يعتبر عاملاً مهماً جداً في حصول المرض في حال زواج رجل وامرأة لديهما استعداد لنفس المرض ونذكر هنا فرط التوتر الشرياني (ضغط الدم)، السكري، امراض القلب الاكليلية، السرطانات، الامراض العقلية الوراثية. ان الامراض الوراثية والتشوهات الخلقية هي السبب الرابع لأسباب الوفيات بشكل عام، وان الامراض الوراثية هي السبب الاول للوفاة في الاطفال دون السنة الاولى من العمر والاطفال دون الخمس سنوات فهي كانت سبباً بحصول 57% من وفيات الاطفال الرضع خلال الاسبوع الاول من العمر و55% من الوفيات خلال الشهر الاول من العمر، وتشير احصائيات منظمة الصحة العالمية ان الامراض الوراثية والجينية تسبب 25% من وفيات الاطفال دون السنة على مستوى العالم. وتسبب 23% من وفيات الاطفال دون الخمس سنوات عالمياً. الأمراض الوراثية يختلف كل انسان عن غيره من البشر في ثلث بروتينات جسمه على الاقل وبالتالي بثلث مورثاته، ان جميع الكائنات الحية تقريباً تحتوي على حمض ديزوكسسي ريبو نيو كليك (ءخ) ان كل خلية جسمية تحتوي على جميع الصبغيات مع جميع الرموز الوراثية، وان تلك المورثات (الجينات) تعد مسئولة عن اعمال العضوية وتشكلها ان جميع الصبغيات تقوم بأعمالها حسب تخصصها بآن واحد وكل صبغي يحمل ما بين عشرة آلاف الى مئة ألف مورثة ولذا تعد الاضطرابات الوراثية الخلقية من الأسباب الشائعة للاعاقة والامراض والموت عند الاطفال الرضع. لقد طورت منظمة الصحة العالمية برنامجا خاصاً لمتابعة الامراض الجينية والوراثية يعتمد في اساسياته: ـ على الالتزام الأدبي بسرية المعلومات المتعلقة بالامراض الوراثية وارتباط هذه السرية بشرف المهنة واخلاقياتها. ـ اجراء الفحوصات الوراثية هو حرية شخصية لأي شخص يظن بأنه مصاب او يحمل مرضاً وراثياً، وليست فرضا على احد. ـ التثقيف الصحي بالأمراض الوراثية والجينية واهمية التوعية لضرورة الفحوصات قبل الزواج وتجنب زواج الاقارب في حال وجود امراض وراثية. مراكز تخصصية تنتشر في بلاد العالم المتقدم مراكز متخصصة بالاستشارات الوراثية حيث يعمل فريق من الاطباء والباحثين الاجتماعيين على خدمة اهالي المرضى المصابين بأمراض وراثية حيث يتم اجراء الاستشارات الوراثية لتلك الفئات العالية الخطورة كمن تظهر عندهم اصابة في ولادة طفل سابق او في حال وجود اقارب مصابين بأمراض وراثية حيث يتم مناقشة تلك الامور بوجود الزوج والزوجة ويتم تحديد المرض المشتبه به وهذا يحتاج لفحص سريري دقيق وفحوصات مخبرية بما فيها الفحوصات الوراثية. ويتم كذلك عرض الاحتمالات التي قد تحصل بين الاطفال الذين سيولدون مستقبلاً ونسبة حصول الاصابة وما قد ينجم عنها من مشاكل صحية ويتم مراجعة القصة المرضية للعائلة بشكل تفصيلي وشرح الأسس الوراثية للمشكلة المطروحة بشكل مبسط وباستخدام بعض الافلام والصور لمرضى آخرين مصابين واخيراً يتم طرح الحلول المناسبة والمحتملة ومناقشتها ومن خلال النقاش يتمكن الابوين من فهم بعض المعلومات المبسطة حول دور الجينات وبعض ما يصيبها من اعتلال او خلل وبالتالي يكون هنالك تصور للاحتمالات الواردة لاصابة الطفل القادم في حال كان الاب او الأم احدهما او كلاهما مصابين بمرض معين او في حال اصابة لطفل لهما في ولادة سابقة او وجود اقارب مصابين بعاهة معينة. وتكمن اهمية الاستشار الوراثية حيث انها تتم قبل حدوث المرض وبالتالي يمكن تلافي العديد من المشاكل الصحية وطرح حلول بدائل وبالتالي سوف يتضاءل عدد من سيولدون بأمراض في الجينات او تشوهات خلقية، وكذلك فقد تطورت طرق عديدة ايضاً للعناية بتلك الفئات من المرضى لتصبح حياتهم اكثر تحملاً. قد تكون الاستشارة الوراثية لتحديد ما اذا كان الابوان او كلاهما حاملاً للمرض وذلك باجراء فحوص دموية كما هو الحال في فقر الدم الانحلالي نتيجة الثلاسيميا وكذلك في حال مرض التليف الكيسي وكذلك مع تقدم الدراسات الخاصة لتحليل الـ ء.خ. فلقد تم التوصل الى الأم الحاملة للاصابة بأمراض مرتبطة بالكروموسوم ٍّ كما هي الحال في الهيموفيليا ء ومرض الضمور العضلي الوراثي لدى الاطفال او ما يسمى دوشين وفي هذا المرض تنعدم قدرة العضلات على بناء الألياف العضلية تدريجياً مما يؤدي الى الموت مع بداية العشرينيات من العمر لقد تم تعيين موقع الجين المسئول عن حالات دوشين على الكروموسوم ٍّ والذي تحمله الام كصفة متنحية (أي الأم حاملة للمرض وغير مصابة) وتنقله الى اولادها الذكور تكون فرصة الاصابة هي 50% من الابناء. أثناء الحمل وكذلك يتم اجراء الاستشارة الوراثية خلال فترة الحمل وبشكل خاص اذا كانت الأم الحامل كبيرة في السن (اكثر من خمس وثلاثين سنة) او في حال وجود قصة لولادة طفل مصاب بمتلازمة المنغولية او وجود عيوب في المخ ويتم التشخيص من خلال فحص السائل الامينوسي في الاسبوع السادس عشر من عمر الجنين او بأخذ خزعة من الزغابات الجنينية من المشيمة من خلال عنق الرحم ويتم ذلك في الاسبوع الـ 15-16 من عمر الحمل ولكن ذلك اصبح ممكناً الآن في بعض المراكز المتقدمة في عمر الـ 12-13 من عمر الحمل ويتم استعمال الاشعة فوق الصوتية (التصوير بالصدى) لتحديد مكان المشيمة ويتم فحص الخلايا في السائل الأمينوسي وذلك من اجل اجراء تحليل كروموسومي وتحليل لـ ء.خ. ومعايرات كيميائية خاصة. وكذلك يتم معايرة بروتين خاص في الدم اسمه الفافيتو بروتين ذئء في خلال الثلث الاول من الحمل وذلك لاستبعاد اي عيوب في الجهاز العصبي في الجنين. نعم... ان ما سيحدث للجنين او للطفل فيما بعد هو بمشيئة الخالق عز وجل وما يبقى علينا هو ان نساعد بمشيئة الله وقدرته ايضاً في علاج تلك الاختلالات الخلقية والحالات المرضية وما شابه بما حباه علينا سبحانه وتعالى من تفهم للعلوم وابحاث وقدرات في ذلك المجال كي ينمو المخلوق الجديد بأنسجة أو أعضاء اكثر قابلية بالقيام بوظائفها.. فبعد ان علمنا عما يسببه نقص او تحوير او اختلال في جين معين او تركيب بروتين معين، نتيجة ابحاث واختبارات وخبرة طويلة الامد قد يكون بالامكان المساعدة باصلاح او ترميم ذلك الخطأ او النقص مما يمنع نشوء عاهات خلقية او امراض تتعلق بذلك الخطأ او النقص. نعم تبدأ العناية بالجيل الثاني من خلال رعاية الجيل الحاضر وذلك من خلال تقديم المشورة والارشادات وتوسيع ادراك الوالدين بالمعلومات اللازمة والضرورية بما يتعلق بالخصوبة والحمل والولادة وبكل ما يتعلق بهذه المراحل من عناية ورعاية مناسبة لتلك المرحلة مع تفهم للمراحل الجينية وما قد يؤثر عليها مباشرة نتيجة اختلالات وراثية جينية او بصورة غير مباشرة وذلك من خلال اصابات الام او تناول الادوية خلال مراحل الحمل الاولى مثلاً مما يؤثر على الجنين وعلى سلامة الوليد ومن هنا تبرز اهمية الاستشارة الوراثية. د. محمد صفوان موصللي _ اخصائي طب الاطفال والرضع