الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 رغم الهيمنة الاميركية الثقيلة على شعوب وامم الارض، فان هذه الاخيرة حرة ـ نظريا ـ في الانقياد الى هذه الهيمنة او التمرد والخروج عليها خصوصا اذا كانت هذه الامم ذات ماض فكري وعلمي متصل بالحاضر مثل الامتين الالمانية والفرنسية اللتين انجبتا للانسانية اسماء وافكارا وقيما وانجازات علمية وفنية وفلسفية ساهمت في مولد العصور الحديثة في كل المجالات السياسية والاجتماعية والتقنية، لذا اختار الفرنسيون والالمان الذكرى الاربعين لاتفاقية (الاليزية) بين ديغول واديناور او ما يعرف باسم اتفاقية المصالحة المعقودة في 1963 لتكريس شراكة سياسية خاصة بين الدولتين ضمن المجموعة الاوروبية وحلف شمال الاطلسي وكذلك ضمن المحافل الدولية المختلفة مثل الامم المتحدة ومجلس الامن وقد شهد قصر فرساي حفلا كبيرا للاحتفاء بهذه المناسبة في 2003 حضره الرئيسان الفرنسي والالماني والمئات من السياسيين في البلدين، واهم ما صدر عن هذا التجمع او المحور.. كان رفض الحرب الاميركية على العراق والتأكيد بأن لا شرعية في هذا العالم سوى شرعية الامم المتحدة وللحق، فان قيام تحالف او محور سياسي فعال لا يتم بالنوايا والمعاهدات فقط، خصوصا اذا ما عرفنا التاريخ الطويل للنزاعات والمنافسات والحروب بين ألمانيا وفرنسا.. لذا عمل الفرنسيون بالذات على تكريس هذه الشراكة صوريا وجماليا او بالاحرى سينمائيا عبر فيلم (الوهم الكبير) للمخرج الفرنسي الكبير رينوار، والفيلم مصنوع في عام 1937، اي في عز اجواء التوتر الكبير الذي صاحب صعود النازية والفاشية في المانيا واسبانيا وايطاليا كما انه يتحدث عن امكانية قيام علاقات انسانية مبنية على الاحترام والصداقة بين سجناء او اسرى حرب فرنسيون وبين سجانيهم من الضباط الالمان في الحرب العالمية الاولى ولكن من اين لرينوار الجرأة ليصنع فليما كهذا في ذلك الوقت الصعب؟ ويبدو ان الفكر الشيوعي الذي تبناه رينوار وايمانه بالاممية الانسانية هما اللذان دفعاه لصنع هذا الفيلم كجهد انساني وجمالي لدفع الحرب، وبالطبع فانه بعد الحرب العالمية الثانية وفظائع النازية واحتلال فرنسا لسنوات فقد غابت اي امكانية لصنع افلام من هذا النوع تبشر بالصداقة بين الالمان والفرنسيين كأفراد وشعوب بعيدا عن الحكومات والنخب السياسية لا بل صنعت العديد من الافلام التي تكرس هذا العداء التقليدي بقوالب بوليسية او كوميدية احيانا ولكل هذا فقد اضطر الفرنسيون ـ والالمان ـ لاجل تكريس صورة انسانية مضيئة عن تحالفهم الراهن الى العروض الواسعة ـ في عشرات المراكز الثقافية والاعلامية الفرنسية حول العالم ـ لفيلم صنع منذ 65 عاما من قبل فنان شيوعي جازف وقاوم وكافح من اجل رؤيا انسانية ضد الحرب وهو يدرك انه يتعامل مع.. وهم كبير ليس الا. والفيلم ببساطة يحكي قصة محاولات الهروب المتكررة لمجموعة من اسرى الحرب الفرنسيين في ألمانيا ايام الحرب الاولى. محاولات تتراوح من حفر لانفاق ببطء وهدوء... الى استعمال الخداع واستغلال العلاقات الانسانية الجيدة مع ضابط ألماني كبير.. والى التضحية بالنفس لأجل خلاص الرفاق. وبرأي الكثير من النقاد، هذا واحد من اعظم افلام رينوار، وأكثرها وضوحا وتوازنا وقبولا بين المشاهدين، ولا يتفوق عليه سوى تحفته الكبرى (قواعد اللعبة) عام 1939. وفي تاريخ السينما يعتبر الفيلم نموذجا مثاليا وجذرا لافلام قصص الهروب. لكن قصص الهروب في الفيلم تخفي وراءها صيحة ضد الحرب او بالاحرى صيحة من اجل الصداقة والحب بين البشر.. صيحة تتجاوز العوائق العرقية والدينية والقومية والطبقية، فهناك اسرى انجليز وروس وفرنسيون وسجانون ألمان طيبون الى حد ما. هناك ارستقراطيون وبرجوازيون وبروليتاريا. هناك يهود وسود... وربما لو صنع الفيلم في وقتنا هذا لكان هناك بين الشخصيات عرب ومسلمون ايضا. كما يصبح المعتقل فرصة للتعارف والصداقة والحياة المشتركة بين هؤلاء الناس الذين عادة قلما يضطرون للقاء او الاشتراك في اي شيء. اما محاولات الهروب او السعي للحرية فإنها تمثل المضمون العميق للأخوة والحب بين البشر. وهكذا يؤكد رينوار سينمائيا على القيمتين الكبريين في الحياة: الحب والحرية. وبالطبع فإنه من غير الممكن او من الصعب الحديث عن الحب بدون وجود المرأة. لذا فإن الفصل الاخير من الفيلم يتضمن قصة حب بين الطيار الهارب ماريشال (الممثل الكبير جان غايان) وامرأة ألمانية من الريف تدعى ايلسا (الممثلة ديتا بارلو). ولكن النص الاصلي للفيلم لم يكن ابدا على هذه الشاكلة او حتى بهذا المضمون والعمق. ويؤكد مؤرخو السينما، انه لا فيلم في التاريخ تأثرت نسخته او صورته النهائية بعملية توزيع الأدوار فيه مثلما حصل مع فيلم الوهم الكبير. اذ اقترح منتجو الفيلم بشكل مفاجيء ان يلعب دور الضابط الالماني (روفنستاين) السينمائي الاميركي الكبير من اصول نمساوية (أريك فون ستروهايم). وقد كان الطلب بمثابة صدمة مزدوجة لرينوار، لانه كان من محبي ومعجبي سترو هايم منذ زمن بعيد.. لكن دور الضابط روفنستاين كان صغيرا ولا يتلاءم مع مكانة وسمعة ستروهايم العالمية. لذا اعاد رينوار كتابة الدور كليا من حيث المساحة والمضمون والتطور الدرامي... وبالتالي اضطر لاعادة كتابة الفيلم بأكمله، وخصوصا دور الارستقراطي الفرنسي بوالديو (الممثل بيير فريسناي) ليتوازن مع دور الضابط الالماني. ونتيجة لعملية اعادة الكتابة، خلق دور اليهودي الفرنسي (روزنثال)، الذي يصبح في النهاية رفيق هروب ماريشال ورسول غرامه او ترجمانه في القسم الاخير من الفيلم. وعندما بدأت هذه الشخصيات تكبر وتتعمق فإن هذا لم يكن ليمر بدون تضحية تتعلق بدور ماريشال او بالاحرى حضور جان غابان على الشاشة ومساحة وتأثير هذا الحضور. اذ يبدو غابان مثل البطل القابع في الخلفية، بطل وسطي او متوازن من الطبقات الشعبية لا يثير كثيرا من الانتباه ولا يتحدث إلا بحدود لكنه لا ينفك عن التفكير بالهروب من السجن في كل لحظة. وبالطبع فقد عولج هذا المشكل في اعادة الكتابة.. عن طريق قصة الحب مع ايلسا والحوارات الثنائية مع روزنثال في نهاية الفيلم. ولن ننسى الاستخدام المزدوج الذكي للعبارة التي يطلقها روزنثال: «الحدود يصنعها البشر، اما الطبيعة فإنها لا تأبه بها». اذ هي دعاية اممية مكشوفة، لكنها من ناحية اخرى حقيقة سياسية واقعية احترمها الجنود الالمان ولم يواصلوا اطلاق النار على الهاربين. ورغم ان الجمهور والنقاد رحبوا بالفيلم بصورة عامة واعتبروه ذا تأثير مهم في تلك الاجواء المتوترة.. إلا ان رينوار اعترف للمقربين ان الفيلم لم يكن له اي تأثير، لان الحرب انفجرت بعد عرضه بأشهر في القارة الاوروبية. اما في ألمانيا فقد لاقى الفيلم استهجانا من النازيين وعلى رأسهم غوبلز شخصيا الذي اعتبر رينوار: (العدو السينمائي رقم واحد) لدولة الرايخ الثالث. ومن جديد والحرب قائمة تعود الحياة لهذا الفيلم الانساني الذي يبشر ويدعو للتآخي بين البشر ورفض الحروب بشكل مطلق. وبتقارب فرنسا وألمانيا بموقفهما الرافض للحرب والهيمنة الاميركية على العالم، قد يتحول (الوهم الكبير) الى (أمل كبير) لجميع شعوب الأرض. بقلم: يوخنا دانيال