الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 عندما يكون شاهد الاثبات.. شاهد مكان ودراية ومعرفة، ويمتلك تفاصيل دامغة لموضوعة شهادته، تكون الحقيقة عندئذ جلية واضحة امام العيان. وفي مسرحية: «الساعة الاميركية» للكاتب الاميركي آرثر ميللر ـ ترجمة: شوقي فهيم الهيئة المصرية 1992 ـ نتعرف على حقيقة تاريخية مرت بها أميركا.. وقد قام ميللر باتخاذها مادة اساسية في صياغة مسرحيته «الساعة الاميركية». وهي تتناول موضوعة الحرب الاهلية الاميركية (1861-1862) التي تشكل جزءاً من تاريخ الولايات المتحدة، حيث نشب نزاع بين الولايات الشمالية والجنوبية، وذلك نتيجة لاختلاف المصالح بين الشمال والجنوب، حيث كان الجنوب زراعياً ويسوده الرق، في حين كان الشمال صناعياً وله موارد اقتصادية متطورة وتقدر ضحايا هذه الحرب من الاميركيين بنحو 600 ألف رجل ـ كما تشير الى ذلك: الموسوعة السياسية ـ ط1/1974. وآرثر ميللر، كاتب مسرحي جاد، ولد في مدينة نيويورك عام 1915 وحياته ومسرحه في شاغل منسجم، حيث اتهم بآرائه المتطرفة ضد السياسة الاميركية وتم التحقيق معه اكثر من مرة كما منع من السفر، كما اتهم بأنه يحتقر الكونغرس الاميركي.. وتعرض لمشاكل مع المكارثية ـ تفاصيل عن ذلك موجودة في تقديم: علي شلش في ترجمته لمسرحية ميللر ـ بعد السقوط، القاهرة 1966 ـ وقد لفت ميللر الانظار وذلك عبر مسرحيته «كلهم اولادي» ـ تم عرضها في بغداد 1978 ـ من اخراج: جاسم العبودي ـ حيث تفتعل اميركا الحروب تحقيقاً لمصلحتها المالية. «لا احد يدرك كم من الناس يعيشون وهم مطلقو السراح، بينما ادمغتهم مغلقة مثل جوز الهند.. مال. مال.. مال.. ويقولونها كثيراً حتى تصبح لا معنى لها «كما يقول جم بيلس في مسرحية «كلهم اولادي». ويعبر ميللر في مسرحيته اللاحقة: «البوتقة» عن غياب حرية الضمير في عالم مملوء بالفساد والتدمير وانهيار القيم وفي مسرحية «موت بائع متجول» يؤكد على الفشل الذريع الذي منيت به اميركا حين ارادت خلق تقاليد واضحة للثقافة اما مسرحيته «ذكرى يومي اثنين» فتقدم جيشاً ممن يعانون البؤس والفاقة واليأس، وتكشف مسرحية: «مشهد من الجسر» عن معاناة شخصية تمر بها بعد تسليم الاقارب للبوليس.. وتعد هذه المسرحية وثيقة ادانة ضد المكارثية التي انتهكت القيم والقوانين جميعاً وتقدم مسرحية: «بعد السقوط» ازمة الكاتب الدرامي الملتزم امام وضع تنفلت فيه كل الالتزامات وفي مسرحية «الثمن» يقدم ميللر تجربته الشخصية في ظل الكساد الاقتصادي وانطفاء الحلم الاميركي.. ونعود الى مسرحية: «الساعة الاميركية» التي يقترب موضوعها العام من مسرحية «الثمن» فكلاهما تعالجان الانهيار الاقتصادي الذي واجهته اميركا في الثلاثينيات من القرن الماضي.. في حين نرى انعكاس هذا الانهيار على ميللر نفسه في «الثمن» ونجد ان هذا الانعكاس تتسع رقعته ليكون اكثر شمولية على الرغم من التجربة الذاتية التي يعترف بها ميللر نفسه: «حدث اني سحبت من البنك مبلغ اثني عشر دولاراً وهو كل ما كان في حوزتي كي اشتري دراجة من صديق لي ضاق بها، وفي اليوم التالي اغلق بنك اميركا، كنت في سيارة ومررت بالشارع فرأيت جماهير الناس تقف عند ابواب البنك النحاسية كانت نقودهم بالداخل ولا يستطيعون سحبها، ولن يسحبوها ابداً أما بالنسبة لي فقد احسست اني فزت بحقي كاملاً ولكن بعد اسبوع دخلت الى المنزل كي اتناول كوباً من اللبن وحينما خرجت لم اجد الدراجة. كانت قد سرقت، وعلمتني هذه الحادثة درساً لا انساه: لا يمكن لأحد ان يهرب من هذه الكارثة وشخصية (لي بوم) في مسرحية (الساعة الاميركية) ـ المنشورة عام 1983 ـ يواجه المحنة نفسها، وهكذا حول ميللر تجربته الفردية الى حالة عامة تواجه المجتمع الاميركي نتيجة للحرب الاهلية وتدهور الاقتصاد الاميركي حيث تنهار القيم وتضيع المبادئ وتعم الفوضى.. بعد انهيار السوق المالي وعدم استقراره مما يترك آثاراً سيئة على كل شرائح المجتمع فـ «من العبث الذهاب الى مكتب التوظيف.. هناك رجال كبار مهندسون، خريجو جامعات مستعدون لقبول اي عمل، لو استطعت ان اكتب اغنية واحدة ممتازة لانتهت كل مشاكلنا». ففي ظل البطالة وغياب دور الخبرات والفئة المثقفة، تظهر مسائل هامشية لتصبح هي الاساس في غنى وسعادة البعض اولئك الذين يجدون فرصتهم الثمينة في مثل هذه الظروف الاستثنائية وفي هذا الوضع يكشف ميللر عن «آلاف من الناس الذين يعيشون في صناديق من الكارتون، واكواخ من الصفيح على طول نهر هدسون تحت شقتي مباشرة». وهو اذ يحدد الموقع فإنما يريد ان يثبت واقعة وان يرسخ وجودها في ذاكرة القارئ والمشاهد معاً ويؤكد ميللر كذلك، انه من الممكن ان تقوم حرب اخرى «طالما كان هناك نظام رأسمالي» ذلك ان هذا النظام يعمل على اشعال الحروب من اجل الحصول على المزيد من اموال وثروات الشعوب الاخرى فالحرب في السياسة الاميركية، حرب تقوم على تحقيق المصالح الاقتصادية وكل ما من شأنه تعزيز هذا الاتجاه ويصب في الاهداف الاميركية يجب ان يتبع لذلك نجد تساؤل (لي بوم) لـ (والف) لا يشير الى دراية وتعقل وتفهم لما هو مرسوم في التوجه الاميركي.. يقول (لي بوم): «لم اعرف ابداً انك متدين» يجيب (والف): «انني بشكل ما متدين، انهم يدفعون راتباً كبيراً ويعطونك بيتاً، وملابس». من هنا نرى ميللر يكشف عن تفاصيل هذه السياسة المضللة لاميركا.. ذلك انها تفتح عدة قنوات للهيمنة على مؤيدين وخدم لتنفيذ سياستها، الامر الذي يجعلها تستخدم شتى السبل وتتزين بكل ما يجمل وجهها في حين تمارس عملية النهب والابتزاز. كذلك تعتمد السياسة الأميركية في ظل انهياراتها على ان يكون كل شيء خاضعاً لهيمنتها حتى يسهل عليها تحقيق الارباح والمضاربة الاقتصادية في الوقت نفسه. يقول ميللر: لقد شاهدت حقول القمح حيث السنابل تتعفن فوق عيدانها لأنها لم تجد من يشتريها، وكانت الشرطة تقف لحراستها فيما كان الناس على الطريق يسقطون من الجوع. فمثل هذا الجوع والانشغال بمعالجته يجعل الاسئلة غائبة: كلما كثرت متاعب الناس قلت اسئلتهم، إنهم يتحدثون دائما الى انفسهم على ارصفة المحطة، غارقون داخل أنفسهم، إن القطارات تفوتهم، إن الجنون يستشري وكل ذلك لا يشكل خطراً على التوجهات الأميركية.. مادامت المصالح الأميركية متاحاً لها أن تنجز وتتحقق.. فمثل هذا المجتمع الرأسمالي لايمكن له ان يفكر بتحقيق العدالة او العيش السعيد للناس، المهم عنده تنفيذ قناعاته وإن كانت هذه القناعات تصل بطرق جنونية أو متناقضة أو متعسفة.. يقول ميللر على لسان (لي بوم): بعد كل هذه السنين لا أستطيع أن أحدد رؤيتي لأمي.. طريقتها الجنونية في الحياة تشبه إلى حد بعيد طريقة أميركا. ليس هناك شيء أمنت به إلا وآمنت بنقيضه ايضا من هنا وضع ميللر خارطة اميركا في خلفية المسرح وهي مغطاة بالضباب كما ان هذه الرؤية تؤكد في نهاية هذا النص المسرحي على ان مثل هذه الكارثة التي لحقت بالاقتصاد الأميركي، يمكن ان تحدث ثانية لتشهد اميركا الحرب الاهلية والانهيار الاقتصادي.. فـ «ليست هناك حدود للغباء البشري». والواقع أنه ليس غباء اميركيا بل هو فعل واع ومخطط له في الساعة الأميركية التي تدق في كل مكان، بحثا عن موقع لقدم أميركية تتمكن من خلاله ابتزاز ثروات الشعوب الأخرى.. بعيداً عن وضع حلول للأزمات الاقتصادية والبطالة التي يعاني منها البشر. إن ميللر وهو يعالج هذا الموضوع تطغى على حواره لغة اعطاء المعلومة بدلا من الجدل بشأنها، بدلا من الاصغاء الى وجهات النظر الاخرى والوصول الى قناعات جديدة لقاريء النص او مشاهد العرض. وهذا لا يعني أن ميللر ظل حيادياً امام مادته، بالعكس نجده يعتمد التأكيد على ادانة المجتمع الأميركي الاستهلاكي والسياسة الأميركية التي تشجع هذه الروحية الاستهلاكية وتسعى الى ادامتها عن طريق ايجاد مستجدات دائمة يجد المرء حاجة اليها باستمرار. إن ميللر هنا.. سياسي، أكثر منه درامي على الرغم من الوضوح البارز في البناء في البناء الدرامي داخل النص.. إلا أن دقة ومرونة وحركة الدراما.. وسحبها الموقف السياسي الى صفة اكثر من الفعل المنشود دراميا.. قد جعل العمل يقرأ.. قراءة سياسية، اكثر من قراءته قراءة فنية. حسب الله يحيى