الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 يعتبر يوجين أونيل «18881953» واحدا من ابرز رواد المسرح العالمي في مرحلة انتقاله من الواقعية الى التعبيرية. تأثر أونيل بقصص جوزيف كونراد عن البحر، وبتعبيرية أوغست سترندبرغ، وفلسفة نيتشة، فركب البحر بقصد البحث عن قصص وأفكار، وكانت هذه التجارب عماد مجموعة مسرحياته الأولى ومعظمها قصص عن البحر ذات فصل واحد. كان أبوه الممثل الشهير جيمس أونيل الذي كان يلعب أدوار هملت ومكبث وغيرها من شخصيات شكسبير، كذلك شخصية الكونت دي مونت كريستو. وكان يجوب البلاد الأميركية متنقلا من شرقها الى غربها يوم كان المسرح متنقلا هناك في اميركا. فتوافرت له من الصغر فرص عديدة للتزود بالثقافة والخبرة المسرحية وان كانت الحياة في كنف ممثل عظيم تنطوي بدورها على معاناة المشكلات والصعاب والوحدة ويكفي ان نقرأ احدى مسرحياته الأخيرة والمهمة «رحلة النهار الطويلة في الليل» حتى نعرف هذه الحقيقة. نال جائزة نوبل سنة 1936، وقبلها جائزة بوليتز ثلاث مرات. وقد ولد في فندق متواضع في حي برودواي وربما لهذا السبب لم يعرف الاستقرار على الاطلاق. ولكي نفهم مسرح أونيل يجب علينا ان نخوض في مجال حياته لا محالة. فقد كان أكثر الكتاب اهتماما بتجارب الحياة وتجارب الانسان. انه يبحث عنها دوما.. يفتش عنها باستقصاء شديد.. تتخزن في ذاكرته كأي انسان عادي وتكون مرجعه كلما هم بالكتابة، فيعيد تكوينها من جديد.. يقول أونيل «في عام 1909 ذهبت مع احد مهندسي التعدين في رحلة قصيرة للتنقيب عن الذهب في هندوراس الاسبانية في أميركا اللاتينية وبعد انتهاء ستة اشهر عدت الى البيت مريضا بحمى الملاريا الاستوائية ـ وبلا ذهب». كانت رحلة أونيل للبحث عن الذهب رحلة خائبة عاد منها بخفي حنين بل مصطحبا معه مرضه الذي اضطره فيما بعد للمكوث في احدى المصحات والاحتجاب عن الناس والتي كان لهذه الفترة الأثر الكبير على حياته. ففي مسرحية «الذهب» التي كتبها عام 1920 في بروفنستاون يصور فيها حياة بحار يود القيام برحلة للحصول على الذهب وهو تبعا لذلك يحاول تجاهل مسئولياته الاخلاقية عندما سيطرت عليه هذه الفكرة، فامرأته سارة تعارض تلك الرحلة.. أما ابنه وبعد ان يعرف بالأمر تدريجيا تستولي عليه نفس رغبة الاب الجنونية. ويأتمر عليه اثنان من رفاقه للابحار وحدهما والظفر بالذهب. وفي النهاية تغرق السفينة.. بعد ان تموت زوجته ويجن ابنه ضحية لتلك الفكرة المجنونة. ثم يأتي صهره في النهاية بعينة من الذهب التي لم تكن الا اقراصا خشبية يدركها ابنه في لحظة صفاء. وفي مسرحية «قمر الكارايب ومسرحيات اخرى عن البحر» 1917 تتكرر مغامرة «ميفلاور» في اشكال مختلفة، فيروي أونيل مراحل من التيه، عبر البحار والاراضي، عاشها قراصنة ومستعمرون بحثا عن مستقر. وتنعكس فيها المأساة الفردية في مصير مشترك. ان مركب الصيد، وسفن الشحن، تنقل انسانية تائهة ـ ترغب في الهروب، ولكنها لا تعنى الا بحلم هذا الهروب، وهي تبحث من خلاله عن عزاء ـ وحنين لا يستكين. وقد عولجت الشخوص بقوة واقعية. وتبدو هذه المسرحيات الصغيرة ضئيلة الحجم، ولكنها في الحقيقة تفتح آفاقا مديدة. وقد استمد «جون فورد» من هذه الحوادث المليئة بالالوان فيلما كثير الوفاء لروحها. وبعد بضع سنوات، استعاد أونيل موضوعاتها الرئيسية، في مسرحية «آنا كريستي» عام 1920، حيث يستسلم أونيل لمخيلته، وتضيع التباينات في مناخ مرفأ. تعود آنا للوجود تحت تأثير البحر وحب احدهم. أما والدها بطل «كريس كريستوفر» فقد كان عمله الوحيد العمل في البحار. ويستخدم أونيل مادة واقعية كي يبسط أمامنا حبكة وطباعا روائية، وليس من قبيل الصدفة أن «كريتا كاربو» وهي في قمة مجدها مثلته على الشاشة. فدمجت تلك الشخصية الرومانسية، باسطورتها الذاتية، اسطورة الحب القهار. ويعود أونيل مرة اخرى الى البحر فيكتب مسرحية «وراء الافق» وهي قصة شقيقين وفتاة من أهل نيوانجلند. روبرت مايو الحالم الذي يتوق الى السفر والمغامرة تلزمه الظروف بالبقاء في المزرعة، في حين يضطر اندرو الذي ينشد البقاء في البيت الى ركوب البحر. والمسرحية تستكشف بعض نواحي خيبة الامل في الحياة من زاوية جديدة ساخرة. وقد أحرز بها أونيل اولى جوائز بوليتزر التي حصل عليها، وأكدت مكانته بين يوم وليلة كأحدث وأكبر مؤلفي أميركا، وقد اخرجت على المسرح عام 1920. في مسرحية « القرد الكثيف الشعر» عام 1921 التي يمكننا ان نعتبرها كنموذج للمسرحية التعبيرية. وهي تصور مأساة الوقاد «يانغ» الذي كان يعمل في احد افران الحديد والصلب بكل ايمان وثقة بنفسه، يستمد ذلك من جسمه القوي المكسو بالشعر الكثيف. وكان الحادث الذي أوقع يانغ في أزمة هو دخول ملدرد، ابنة رئيس اتحاد مصانع الحديد والصلب الى الفرن لترى تجربة عملية. وعندما رأته في ثورة من ثوراته أغمي عليها وصرخت قبل ان تفقد وعيها: ابعدوا هذا القرد الكثيف الشعر عني. ومن ذلك الحين بدأ يانغ ينتبه الى نفسه، ويراقب ذاته، ويحاول ان يمتحن صلته بالناس. فبدأ بالاعتداء على الارستقراطيين لينتقم لنفسه ردا على الاهانة التي لحقت به من ملدرد. وفي هذه المسرحية يتجسد صراع الانسان مع نفسه. مع ماضيه ومع محاولته الانتماء. وتتفاقم هذه الازمة في مسرحية «الاله الكبير براون» عام 1925 فيستخدم فيها أونيل الاقنعة بالتناوب للمقابلة بين نفوسنا الحقة وتلك الصورة الظاهرية التي نعرضها على الاخرين. اما مسرحية «الامبراطور جونز» 1920 تستلهم زعيم التمرد الزنجي الذي حدث في جزيرة «تاهيتي» قبل ذلك بقرن. فالبطل يقود شعبه الى التمرد، والسلطة تسكره، فيصبح «جونز» اكثر استبدادا وقسوة من البيض. يعبر أونيل عن تربع البطل على العرش وعن سقوطه، في ايقاع هوسي مجنون. ولا شك أن أونيل قد تأثر في هذه المسرحية ببعض المسرحيين التعبيريين الألمان. ولعل مسرحية «كل أبناء الله لهم اجنحة» عام 1923 هي عبارة عن دراسة نفسية للزواج بين البيض والسود. ثمة روابط شخصية تصل احيانا هذين العالمين، ولكن اضطرابا متزايدا يعكر هذا الاحتكاك، ويجلب الغيرة والحقد الناقم لدى البيض. وتمكنت مسرحية «الرغبة تحت شجرة الدردار» عام 1924 من دمج العناصر الواقعية بالرمزية بذكاء، حيث يرسم أونيل صورة الانسان بأطماعه وأحقاده وشهواته وحبه للحياة والخلود. وفي مسرحية «الحداد يليق بالكترا» عام 1931 تأخذ المسرحية شكل تراجيديا اغريقية، لكنها اعتمدت على الأفكار الفرويدية الحديثة عن الدوافع من خلال عائلة أميركية كبيرة. والعلاقات بين الشخوص تجمع بين الهوى والعنف. ويظل الصراع خفيا، يختبئ وراء لعبة سيكولوجية. وتبقى مسرحية أونيل الخالدة «رحلة النهار الطويلة في الليل» عام 1941 تمثل المرحلة الطبيعية من حرفته في التأليف المسرحي، وتعبر عن سيرة حياته وحياة أسرته، ومدى تأثير هذه الحياة على نتاجه المسرحي العظيم. د. وانيس باندك