الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 ما هي ابعاد ازمة المثقف العربي، والى اي مدى يتصادم او يتصالح مع مجتمعه، وهل هي ازمة نوعية تفرضها ظروف المجتمع ومستوى تطوره الحضاري ام انها ازمة خاصة بالمثقف العربي ناتجة عن طبيعة تكوينه الفكري وانحيازه الى موارد ومرجعيات ثقافية لم تنشا ولم تتطور في السياق التاريخي العربي؟ يبدو ان ازمة المثقف العربي اكثر تعقيدا وتركيبا من محاولات تبسيطها او النظر اليها من زاوية واحدة والمؤكد ان اللحظة العربية الراهنة سوف تدفع الى تكثيف الازمة وتعقيدها وبخاصة ان المثقف اصبح لديه يقين انه بلا دور، وان المجتمع والسلطة في العالم العربي ينظران اليه وكانه زائد عن الحاجة. هذه القضية طرحتها على الشاعر السوري ممدوح عدوان في زيارته الاخيرة للقاهرة وكان معرض القاهرة الدولي للكتاب قد كرمه ضمن عدد من المع المثقفين العرب. وممدوح عدوان يجمع بين الشعر والمسرح والترجمة، فقد اصدر حتى الآن 24 مسرحية. ونشر 17 مجموعة شعرية و23 كتابا مترجما عن الانجليزية في الادب والفكر والمسرح. ـ قلت له: كيف ترى ابعاد الازمة الشخصية التي يعيشها المثقف العربي؟ ـ المثقف العربي ليس مخلوقا من طينة اخرى، ولكن، وكما يبحث كل فرد في المجتمع عن دور يقوم به وجد المثقف مادته وموضوعه في الثقافة التي تعني تعميق وعي الناس بما يدور حولهم، وشحذ حساسية الانسان تجاه الواقع ومعطياته، وما يعول عليه نحو المستقبل. هذا ما يستطيعه المثقف، ولا يجب ان تطالبه بان يفعل ما ليس من شأنه، فالمثقف لا تستطيع ان تطالبه بتوزيع الخبز او السلاح او الايديولوجيا على اناس يحتاجون الى هذه الاشياء، انه يعمل في ميدانه «الثقافة» وحين يخرج من هذا الميدان يصبح مواطنا عاديا. اي انه يقود سيارة، او يتعلق بباص، او يشتري خبزا، او يستدين، انه يقوم بدور المواطن، والمواطنون في هذه الحالة كلهم سواء، كلهم يبحثون عن الحلول الممكنة ويجدون السبل الممكنة لتحصيل ما يريدون، هناك من يسرق. وهناك من يرتشي وهناك من يستغل.. الخ. ـ اتوقف عند المهمة التي حددتها للمثقف وهي تعميق وعي الناس بما يدور حولهم وشحذ حساسيتهم.. هل تعتقد ان المثقف العربي نجح في هذه المهمة؟ ـ لم ينجح المثقف العربي اكثر مما نجح فيه المثقف في اي مكان آخر من الدنيا، ولو دققنا في الصورة قليلا لاثبتنا ان المثقف الامريكي او الفرنسي او البلجيكي او الهندي، لا يفعل في مجتمعه اكثر مما يفعل المثقف العربي، بل انني استطيع ان اضيف اضافة صغيرة، فاقول ان المثقف العربي ربما كان قد ساهم اكثر من كثيرين غيره في تحقيق ذلك، ربما لان المجتمع العربي تواق خلال نصف القرن الماضي الى المزيد من المعرفة عما يدور حوله وبشأنه. ولان المواطن العربي اجمالا لديه شعور متنام بانه ضحية ظروف ليس قادرا على فهمها تماما، ولهذا نقول باستمرار ان الانسان العربي «مُسيس» اكثر من غيره. وللنظر بدقة في هذه المسالة يجب ان نضع باعتبارنا وبوضوح، ان المجتمعات الاخرى ليست جالسة يصل اليها طعامها وشرابها بهدوء لكي تتلقى ابداعات المثقفين. ان المثقف يكتب كتابته ويطرحها في الاسواق، وكلما كانت كتابته اكثر جدية كلما واجهت حصارا اكثر قوة. وهذا ينطبق على المجتمعات في كل مكان. ـ ارى انك تبالغ حين ترى ان المثقف العربي قام بدوره ربما اكثر من اي مثقف آخر في العالم. انا ارى ان مثقفا هنديا مثل «طاغور» استطاع ان يقدم نموذجا للتوفيق الايجابي بين مفردات الثقافة الهندية وبين الثقافة الغربية الوافدة، هذا النموذج كان اكثر تاثيرا وكان تجسيدا لهوية غير مضعضعة وربما لم نشهد مثل هذه الحالة كثيرا في الثقافة العربية المعاصرة؟ ـ هذه هي رؤيتك انت لمثقف مثل «طاغور». وانت مدفوع في رؤيتك تلك بكونك معنياً بهموم البشر ومشاغلهم، وبدور المثقف بينهم. ولكن لننظر الى المجتمع الهندي نفسه ولنتساءل: كم عدد الهنود الذين سمعوا بطاغور؟ وكم عدد المثقفين الهنود ايضا الذين سمعوا بطاغور؟ ستجد ان النسبة اقل بكثير مما تتوقع. فطاغور ـ وانا سابقى عند مثالك - تحول الى ظاهرة عالمية اكثر مما هو ظاهرة هندية، وان يكن هو مثقفا هنديا. اقول لك ببساطة ان طاغور كتب بالانجليزية لمجتمع فيه مئات اللغات التي لا يقرا اصحابها الانجليزية يقرا اصحابها ولهذا قد تجد مثقفا عربيا او انجليزيا يعرف عن طاغور اكثر من مثقف هندي متوسط الثقافة. ماذا تكتشف من هذه الحالة؟ تكتشف ان المثقف يطرح ثقافته على العالم اولا وعلى مجتمعه ثانيا، لكنه قبل هذا وذاك يعبر عن رؤيته هو عما يجري حوله، ابتداء من بيته وحتى تخوم العالم. وهذا يدل ايضا على ان المثقف الذي هو مثل طاغور لم يكن معنيا بآثار كتابته الفورية على مئات الملايين من ابناء مجتمعه. ـ لكن نموذج المدارس التي اسسها طاغور والتي مزجت مزجا خلاقا بين مفردات البيئة الهندية، الاجتماعية والروحية والتراثية، وبين نمط التعليم الغربي، وبلورت هوية هندية حديثة وكذلك مسرحه وادبه وسيرة حياته العملية كل هذا يؤكد قيمة المثقف العضوي لديه؟ ـ مرة اخرى انت تصف طاغور من خلال كونك مثقفا خارج المجتمع الهندي، وتحكم على آليات عمله بوصفه المثقف العضوي ابن مجتمعه، ولكن مرة اخرى لكي نحكم على الموضوع بدقة سنسأل: كم عدد الهنود الذين يذهبون الى مسرح طاغور. ـ قلت ان المثقف يعمل في ميدان الثقافة ولا نستطيع ان نطالبه بان يكون حاملا وموزعا للايديولوجيا بينما المثقف العربي كان بالفعل حاملا للايديولوجيا، حتى من دون ان نطالبه بحملها او توزيعها، فكيف ترى حدود العلاقة بين المثقف والايديولوجيا؟ ـ المثقف العربي انسان خرج من هذا المجتمع، ويريد توصيل العلم والثقافة لمجتمعه بطرق متعددة، وقد اوصله سعيه الى تكوين وجهة نظر تستطيع ان تسميها «ايديولوجيا» يرى من خلالها المثقف الحل لمشكلات مجتمعه. ـ ولكن كيف يطرح هذا الحل؟ ـ الجواب الوحيد الممكن هو في الكتابة، ثم ربما في المحاضرات التي تتحول الى عمل مكتوب هي الاخرى. وبالتالي فان الذين يتعاطون مع هذه الايديولوجيا هم القادرون على القراءة، وبين هؤلاء فئات كثيرة موزعة على اتجاهات وتنوعات مختلفة، وهذا يوصلنا الى مقولة خطيرة جدا متعلقة بجوهر السؤال كله: ما عدد المتفاعلين مع ايديولوجيا هذا المثقف او ذلك؟ وكم هم معرضون للمزيد من التفكك والتشرذم؟ الحصيلة النهائية هي ما يلي: المهتمون فعلا بالايديولوجيا هم القلة النادرة، لكن هؤلاء يستطيعون حمل رسالة الايديولوجيا الى غيرهم. وهذا يعني ان المثقف يكتب ما يعاني منه المجتمع قليل القراءة، واذا قسنا على هذا المقياس الشاعر والروائي والمنظر والمؤلف المسرحي.. الخ فهم حملة ايديولوجيا الى فئات محددة جدا من الناس، وهذه الفئات هي التي تقوم بدور الوسيط لتوصيل ما تلقته ثم تفاعلت معه الى غيرها من الناس. ـ هل هذا معناه ان المثقف في العالم العربي يستطيع ان يعزل نفسه عن السياسة؟ ـ في مجتمع مثل المجتمعات العربية لا يستطيع المثقف ان يعزل نفسه عن الفعل السياسي، لكنه دائما مدعو الى التمييز بين ما يفعله بوصفه مثقفا، وما يفعله بوصفه مواطنا. فالمثقف هو الذي يتأمل ما حوله، ويحلله، هذا شغله، وحين ينتقل من هذه النقطة الى نقطة اخرى يكون قد انتقل الى لعب دور المواطن. ـ هل هذا معناه ان المواطن غير مثقف؟ اصارحك انني غير مقتنع بالفصل بين المواطن والمثقف؟ ـ قد يكون المواطن مثقفا، وقد يلعب اكثر من دور الى جانب الثقافة، لكنه في كل دور يقوم به تكون له صفة اخرى غير الثقافة، قد يوزع منشورا ويشارك في مظاهرة وقد يقاتل وقد يساهم في تكسير ما يجده في الطريق، لكنه في كل مرة من هذه المرات يقوم بدور غير دور المثقف. وحين يتعامل المثقف مع الناس يكون قرر بينه وبين نفسه تنحية المثقف جانبا، والتقدم الى الامام بوصفه حامل وجهة نظر يريد الآن تطبيقها وعليه ان يختار السبيل الذي يجده ملائما. لكنني ادعو الى التمييز بين فعل هذا الرجل في كل مرة يقوم بها في تعامل معين. فالمتظاهر قد يكون مثقفا، لكنه وهو في المظاهرة ليس مثقفا، وكذلك موزع المنشور ومدبر الانقلاب، هو شخص آخر غير المثقف. ـ اذن كيف ترى ازمة المثقف العربي؟ ـ اظن ان ازمة المثقف تكمن في كونه انسانا، والانسان قد يعمل اكثر من عمل في حياته، لكنه يرى نفسه مختصا بعمل محدد، هذا العمل يحدد هويته وانتماءه، ويحدد بدقة رغبته في تغيير الحياة، لكنه حين يتخطى هذه الرغبة ليسعى الى تنفيذها يكون قد انتقل الى انسان بصفة اخرى. قد يكون الوضع المثالي للمثقف هو في ان يرى كتاباته موزعة ومقروءة ومتبناة من الكثيرين وعندما يجد ان السعي الى تطبيق هذه الافكار هو سعي لاستكمالها، وبما ان الحال ليس كذلك في اي مكان في الدنيا، فانه مضطر الى الانكفاء حول افكاره، او الى تجاوزها نحو شئ آخر. باختصار نحن لا نعيش في المدينة الفاضلة التي كان كل من فيها يقرأون عبقريات المثقفين، نحن نعيش في مجتمع واقعي، ولذلك نحن موزعون بين هذين الدورين. حوار: فتحي عامر