الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 منذ أن وطأت أقدام رواد الفضاء على القمر في عام 1972 والعالم ينتظر غزوة الانسان التالية لاعماق الفضاء. فقد كانت زيارات الانسان للفضاء الخارجي محصورة بمسافة 400 كيلو متر فوق سطح الارض وتنوء تحت وطأ التكاليف الباهظة لمحطة الفضاء الدولية. والغريب في الامر في هذا كله هو أن وكالة الفضاء الاميركية ناسا التزمت جانب الصمت حيال المستقبل. ولكن بات من الواضح الآن ان الوكالة لم تتوقف عن الحلم بارسال اشخاص الى مجاهيل الفضاء. فقد كشفت ناسا النقاب مؤخراً، عن خطتها للمستقبل والتي تتضمن انشاء محطة فضائية قريبة من القمر تكون بمثابة بوابة للرحلات الفضائية الى جميع انحاء النظام الشمسي (المجموعة الشمسية) ويشاطر فريق الاستكشاف في ناسا، الذي شكل قبل ثلاثة اعوام من قبل الوكالة لرسم مستقبل الاستكشاف الانساني للفضاء تصورها للمستقبل مع خبراء الفضاء في مؤتمر الفضاء العالمي في هيوستن بتكساس. ولايمكن لهذه الخطة ان تكون في تناقض اكثر من ذلك مع رحلات أبولو السياسية الدافع في السبعينيات او محطة الفضاء الدولية عديمة الهدف والمكلفة جدا. ففي هذه المرة، يعد غاري مارتن، مهندس تقنية المستقبل في ناسا ورئيس فريق الاستكشاف، بان العلم سيحتل الاولوية. ويقول مارتن انه جعل منطلق الاسئلة الاكثر اهمية بنظر العلماء مثل: كيف تطور النظام الشمسي؟ هل كانت هناك حياة على المريخ؟ هل هناك كواكب تشبه الارض تدور حول النجوم المجاورة؟ ثم قام الفريق بعد ذلك بدراسة نوع الرحلات الفضائية المطلوبة للعثور على اجابات لهذه الاسئلة. الخطوة الأولى المقترحة هي تطوير أجهزة تيلسكوب فضائية ضخمة قادرة على القاء نظرة على الكون في الازمان الغابرة وعلى النجوم المجاورة بحثاً عن انظمة شمسية اخرى وكواكب اخرى شبيهة بالارض. وستكون اجهزة التليسكوب هذه هي الجيل الثالث بعد هابل وتليسكوب جيمس ويب الفضائي المعتمد حديثاً، والمقرر اطلاقه في عام 2010. وخلص فريق الاستكشاف التابع لناسا الى نتيجة مفادها ان افضل المواقع لهذه التليسكوبات الجديدة هو «واحات» في الفضاء ترعى «نقاط لاغرانجيان» وتتميز هذه النقاط بأن قوة الجاذبية لجسيمين مثل الارض والقمر تلغيان بعضهما البعض، مما يوفر موقعاً مستقراً لوضع مركبة فضائية. ولكي تتغلب على أداء هابل والتليسكوب الجديد، يتعين على هذه الادوات الجديدة ان تضم مرايا بعرض يزيد على عشرة أمتار. وهذا يجعلها كبيرة جدا بحيث يصعب اطلاقها في الفضاء دفعة واحدة، وللتحايل على المشكلة، خرج الفريق ببديلين: احدهما يتمثل في تصميم «غوسامير» الثوري لمادة مرنة خفيفة الوزن تنثني عند الاطلاق ثم تنفتح تلقائيا حالما تصبح في مكانها الصحيح في الفضاء. والخيار الثاني هو تصميم يغلب عليه الطابع التقليدي يتم تركيبه في الفضاء من قبل البشر وبمساعدة الروبوتات، وفي كلتا الحالتين، سيتعين صيانة اجهزة التليسكوب والاعتناء بها من جانب البشر. وذلك سيتطلب اقامة البشر في مكان ابعد عن الارض من اي وقت مضى. ويقترح الفريق انشاء محطة فضائية قابلة للنفخ على بعد 300 الف كيلو متر في الفضاء وعند نقطة لاغرانجيان «L1» بين الارض والقمر لاستضافة رواد الفضاء اثناء قيامهم بتجميع وصيانة التليسكوبات. ويمكن للادوات ان يتم تجميعها عند النقطة «L1» قبل ان يتم ارسالها الى وجهتها النهائية. وهذه قد تتضمن النقطة «L2» التي تلي القمر مباشرة أو نقطة لاغرا انجيان الواقعة بين الارض والشمس والتي تبعد اكثر من مليون كيلو متر عن مدار الارض. وستكون المحطة ايضا بمثابة بوابة للرحلات المأهولة الى باقي النظام الشمسي، مما يوفر مركزاً يمكن لرواد الفضاء أن يستعدوا فيه ويتمرنوا قبل المغادرة الى القمر والكويكبات المجاورة أو الكواكب الاخرى. ولايزال العلماء يفكرون في الوصول الى المريخ خاصة بعد ان اكتشف مسبار «اوديسي المريخ» ما بدا وكأنه كميات هائلة من المياه مجمّدة تحت سطح الكوكب. كما ان قوة الجاذبية المتوازنة عند نقاط لاغرانجيان تجعل السفر بينها فعالاً بدرجة عالية، وبالتالي، فان المركبات الفضائية المتنقلة عبر مركز عند النقطة «L1» يمكنها الاستفادة من هذه «الطرق السريعة» التي لا تحتاج الى استهلاك طاقة كبيرة في الوصول الى الوجهات النائية. انها رؤية مستقبلية عظيمة. ولكنها لا تعدو كونها رؤية بدون ميزانية أو جدول زمني واقعي. والميزانية المخصصة لفريق الاستكشاف في ناسا لا تتجاوز 4 ملايين دولار سنويا، وليس هناك أمل لدى ناسا بان تقنع الكونغرس في المستقبل القريب باطلاق التمويل الضخم الذي تحتاجه لتحويل الخطة إلى واقع ملموس. ولهذا، فان ناسا تفعل كل ما في وسعها حيث تضح الاهداف وتمهد الارضية للرحلات المستقبلية عن طريق تحديد التقنيات المطلوبة لتنفيذ تلك الرحلات الفضائية. وفي غضون ذلك، تهتم ناسا بمعالجة قضايا معينة تشغل بال رواد الفضاء والعاملين في فريق الاستكشاف الفضائي وهي تتعلق بالتكلفة المتوقعة ومدى اعتمادية وسائل النقل الفضائي، ويتجه التفكير الى تطوير مركبات فضاء تحل محل مكوك الفضاء لنقل الطاقم الفضائى الى الفضاء. وقد بدأت ناسا بالفعل في العام الماضي بتطوير انظمة للدفع النووي ينبغي ان تكون اسرع من المحركات الصاروخية. ولكن على ما يبدو ان الطريق لاتزال طويلة امام ناسا كي تحقق حلمها بغزو مجاهيل الفضاء التي مازال الانسان عاجزاً عن الوصول اليها فالمعوقات كثيرة والصعوبات الكامنة أكثر. ضرار عمير