الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 اشارت تقارير صحافية نشرت، مؤخراً، الى ان الجنرال الأميركي المتقاعد جاي غارنر، رئيس مكتب اعادة الاعمار والمساعدة الانسانية في العراق، كان قد بعث الى قيادة الجيش الاميركي بمذكرة يحذر فيها من احتمال تعرض مواقع معينة في العراق للنهب ومطالباً باعطائها الأولوية في الحماية. وقد ورد في هذه المذكرة اسماء ستة عشر موقعاً يتصدرها البنك الوطني العراقي ويليه متحف بغداد وتنتهي هذه القائمة بوزارة النفط وحذرت المذكرة التي سلمت الى الجنرالات الاميركيين في السابع والعشرين من مارس الماضي من ان نهب متحف بغداد سيؤدي الى خسائر لا تعوض للكنوز الثقافية عظيمة الأهمية للانسانية جمعاء. وقال مسئول في مكتب اعادة الاعمار والمساعدة الانسانية في العراق: «لقد طلبنا منهم وضع بضعة جنود فقط امام كل مبنى، واذا كانوا يخشون القناصة، فليضعوا دبابة او اثنتين فالدبابات لم تكن تفعل شيئاً منذ دخولها المدينة، ومع ذلك فإن الجنرالات رفضوا نشرها، وانظروا ما حصل». وخلال عمليات النهب التي حصلت فور سقوط نظام صدام حسين، سرقت اكثر من 270 ألف قطعة أثرية، لا تقدر بثمن، وتنتمي جميعها الى الحضارة القديمة لبلاد ما بين النهرين. والامر الذي اثار استياء وغضب منظمات وجمعيات دولية تعنى بالتراث الانساني هو ان الجيش الاميركي قام بحماية وزارة النفط، بينما اهمل بقية المواقع التي تحتوي على كنوز اقدم الحضارات الانسانية. يعتبر المتحف الوطني ببغداد واحداً من اهم متاحف الآثار في العالم ان لم يكن اهمها على الاطلاق وكان المتحف يحتوي بين جنباته على مجموعة من اهم الآثار التي ترمز الى عبقرية الانسان الذي بنى حضارة بلاد ما بين النهرين التي كانت من اعظم الحضارات التي عرفتها الانسانية وقد تم نهب الألواح المسمارية الاولى التي تحمل اقدم كتابة ابتكرها الانسان وكذلك الرأس البرونزي الرائع لسارغون الذي لا يقل أهمية وروعة عن أي من أعمال مايكل أنجلو ويعتبر اقدم منها بحوالي 3500 سنة. وفي غضون ساعات فقط من الفوضى والجشع والجنون، اختفت النسخ الأقدم من اوائل الاعمال الادبية مثل ملحمة جلجامش واقدم ملحمة شعرية موثقة لاندوانا، وهي اعلى كاهنة في معبد اور وسرقت بوحشية القيثارة الجميلة من مدينة اور التي يبلغ عمرها 4000 سنة والتي كانت تعزف في المعابد لارضاء الآلهة، اضافة الى المجوهرات الرائعة والحلي التي توضع على الرأس للزينة، والتي كانت قد اكتشفت في المقبرة الملكية في مدينة أور. وكان خيرة الخبراء في العالم قد قاموا بحفظ وتصنيف اكثر من 170 ألف قطعة أثرية في متحف بغداد، تفصّل العبقرية الانسانية والابداع والتطور منذ البداية، اي منذ اندلاع ثورة العصر الحجري الحديث قبل 7000 عام ولابد ان الاشخاص الذين نقبوا في المواقع المختلفة في العراق وقاموا بتنظيفها قطعة بعد أخرى بحب وعناية، ثم قاموا بتصنيفها وعرضها لابد انهم سيتقلبون في قبورهم، لو عرفوا ما جرى لتلك الروائع. لم تكن هذه هي الاشياء الوحيدة التي فقدت في العراق، فالناس يشيرون عادة الى ان الحياة الانسانية هي اغلى من كل شيء آخر غير ان موجودات متحف بغداد كانت تمثل الوعي الجماعي للعديد من الأمم من السومريين والبابليين والآشوريين والفرس والعرب لآلاف السنين وكانت تمثل روح تلك الأمم وعبقرية الاجداد، الذين بنوا الحضارات التي مهدت الطريق لما نحن عليه الآن. تضم الآثار التي نهبت من متحف بغداد مجموعة من التماثيل التي يعود تاريخها الى عام 4500 قبل الميلاد وتسمى بالتماثيل «السحلية» نسبة الى مظهرها المشابه للزواحف وهي تماثيل صغيرة الحجم وغالباً ما تكون لنساء ذوات عيون تشبه حبوب القهوة ورؤوس مستطيلة وهناك قطع أثرية ذات أهمية تاريخية نظراً لكونها تؤرخ لمنعطف معين في الحضارة الانسانية مثل الاختام المنقوشة التي بدأ استخدامها منذ العام 5000 قبل الميلاد وكانت تطبع كدليل حيازة تجاري على اختام طينية على ابواب المخازن المخصصة لحفظ السلع وتم العثور على تلك الاختام ايضاً على الأكياس والسلال التي كانت تستعمل للنقل التجاري على نهري دجلة والفرات. ان الخسارة التي تعرض لها العراق بنهب آثاره وتراثه لا تعد خسارة له وحده وانما هي خسارة للعالم أجمع أثارت استياء وغضب خبراء وعلماء الآثار في العالم. ومن هؤلاء الاشخاص باتي جيرستبنليث من معهد آثار الاميركيتين التي قالت بهذا الخصوص: «ندرك ان اغلب القطع الاثرية المهمة قد ذهبت الى غير رجعة لقد سمحنا لا بتدمير تراثنا فحسب وانما تراث الأجيال المقبلة أيضاً». ضرار عمير